Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

النظام الإيراني أمام جسور منهارة

التاريخ شاهد على ديكتاتوريات كثيرة وصلت إلى الحكم لكن انتهى بها المطاف إلى الفساد بسبب تآكل مبادئها

قدم النظام الإيراني عن نفسه صورة كريهة لدى الرأي العام بسبب القمع بقسوة للحراك الشعبي الذي رافق مقتل مهسا أميني (أ ف ب)

ملخص

خلال العام الماضي وقعت عميات إرهابية كثيرة في إيران، وتكشف هذه العمليات عن انعدام الأمن وضعف النظام في حماية البنى التحتية بالبلاد

بعد مضي 44 عاماً من الاستمرار الغريب للنظام الإيراني تشبه حال النظام حالة المرشد علي خامنئي المتمسك بـ"الولاية المطلقة للفقيه"، وتربعه على العرش فيما هو ضعيف ومتوهم يعيش في عزلة، ويتظاهر بالتأثير في الأوضاع، لكن في الواقع إنه يجلس على حد السيف إلى أن يصل موعد مواجهة قدره المحتوم.

مصير النظام الإيراني رهن بمصير علي خامنئي بسبب تمركز القوى والحكم في "بيت المرشد" واستمرار هذا الحكم لفترة طويلة.

التاريخ شاهد على نماذج متعددة من الديكتاتوريات التي وصلت إلى الحكم عبر الترويج لضمان مستقبل أفضل وتوفير حياة أحسن للمواطنين، لكن انتهى بهم المطاف إلى الفساد بسبب تآكل مبادئها وتغيير الهوية لتتحول إلى قوة قابضة تحتكر الحكم وفي النهاية تصبح مثل التفاحة الفاسدة تتدلى من على الشجرة بانتظار هبوب رياح الخريف حتى تسقط.

ربما كان نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية في فترة ما قادراً على إعداد سياسات بناءة وحديثة قائمة على منح الفرص للشباب في الحكم، لكنه لم يستخدم هذه الفرص واختار التخلف، وفي الوقت الحالي خسر الساحة في جميع الجهات وتخلف عن جيرانه الكبار والصغار في التنمية والتطور وأصبح حاله بائساً ومؤلماً.

لجأ عدد من البلدان القائمة على أنظمة وراثية خلال العقدين الماضيين إلى الاهتمام بالشباب في القيادة، لكن في إيران الثورية يعمل القائمون الأساسيون على الحكم ورجال النظام على تضييق دائرة الحكم بقبضة تهيمن على أسس الاقتصاد والمال والسياسة، وبلغ بهم الأمر حداً، حيث طرحوا شعار "إن البلاد يملكها (حزب الله)"، ويتصرفون وكأنهم يوزعون غنائم من الفتوحات الإسلامية.

استمرار هذه النظرة التي تعتبر أن شؤون البلاد تقع ضمن غنائم وممتلكات حصلت عليها في الحروب، يجعل الفئة المتسلطة توزع المناصب بين أنصارها وتعمل على إقصاء المتخصصين وتفسح المجال أمام وصول أفراد بتجارب متواضعة لتولي مسؤوليات حساسة، وهذا ما يجعل البلد يسير نحو السقوط بسرعة.

وقد شهد العام الـ44 من عمر النظام الإيراني استمرار وتثبيت مثل هذه الوتيرة الهدامة في نظام الحكم بالبلاد.

البحث في نتائج الاقتصاد الإيراني ومقارنتها مع باقي بلدان المنطقة تكشف عمق نسف وتخريب المصادر الوطنية ونسبة البؤس والتخلف في إيران في حين نشهد حركة نمو وتطور بالبلدان المجاورة.

وتعد مصادر النفط والغاز من أهم ركائز الاقتصاد الإيراني والطريقة الصحيحة لاستخدامها من شأنها أن تؤدي إلى النمو في البلاد، لكن النظام غير الكفء يتبنى ضعفاً في الإدارة ويعمل على إثارة تحديات سياسية ويرتمي في أحضان الشرق من دون الاهتمام بإيجاد توازن في العلاقات الدولية، مما يؤدي إلى تدمير البلاد.

على سبيل المثال وطبقاً لتقارير المصادر الحكومية اضطر النظام إلى إغلاق مدارس في خمس محافظات الشهر الماضي، بسبب قطع الغاز الناجم عن تخفيض الإنتاج، كما أنه عمل على تخفيض إنتاج وتصدير الغاز إلى تركيا والعراق من 30 مليون متر مكعب إلى 11 مليون متر مكعب يومياً، في حين أن البلدان المجاورة جنوب وشمال شرقي إيران عملت على رفع مستوى إنتاج الطاقة.

وقطر التي تشارك إيران في الاستفادة من مصادر الغاز في حقل "بارس الجنوبي" بلغت صادرتها العام الماضي 126 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، ولديها نية لتصدير 170 مليار متر مكعب خلال العامين المقبلين، وستصل صادراتها الغازية إلى 216 مليار متر مكعب في عام 2030. وإذا ما استمر وضع إيران في الإدارة وإنتاج صناعة الغاز بهذه الصورة فإنها ستتحول إلى بلد مستورد للغاز.

التطورات الداخلية والخارجية التي وقعت خلال العام الـ44 من عمر النظام الإيراني وعلى رغم الدعاية الحكومية للترويج إلى عدم تأثيرها في البلاد فإنها تركت آثاراً سلبية على مصالح النظام والبلاد.

وسعى النظام إلى إطلاق حملة دعائية بعد إعلان انضمامه إلى مجموعة "بريكس" التي تضم اقتصادات كبيرة منها البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، لكن لا يمكن أن يتباهى النظام دون إصلاح الإدارة السياسية والأمنية، فالتبادل التجاري في مثل هذه الظروف لا يؤدي إلى ارتفاع الأرباح.

أحد التطورات في العلاقات الخارجية للنظام الإيراني التي تؤثر سلباً في البلاد هي مشاركة إيران في الاعتداء الروسي على أوكرانيا والكشف عن طبيعة مشاركتها في الحرب وتوفير بعض الدعم التسليحي لروسيا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكانت الولايات المتحدة الأميركية وعدد من الدول الأوروبية فرضت عقوبات على إيران بسبب دعم طهران للبلد المعتدي، وكانت واشنطن أعلنت الإفراج عن 7 مليارات دولار من أموال طهران المجمدة في كوريا الجنوبية، لكن لم تستأنف عملية تسليم الأموال المجمدة، كما ألغت الترخيص الذي يمهد لتسليم العراق 10 مليارات دولار من الأموال المستحقة لإيران.

وكان النظام الإيراني عمل لفرض كلفة اقتصادية كبيرة من خلال الزج بنفسه في الحرب الأوكرانية، ومنها رفع ثمن الاستيرادات كما منح روسيا طائرات مسيرة في حين أنه يعلم أن روسيا لم تكن المنتصرة في حرب الاستنزاف ولم يصل إليها أي شيء في النهاية.

وعلى رغم أن هجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وبدء حرب غزة بدت على أنها تحقق انتصاراً لإيران، لكنها تحولت تدريجاً إلى مواجهة فرضت على طهران كلفة أمنية وسياسية ودعائية كبيرة.

وكان النظام الإيراني الذي قدم عن نفسه صورة كريهة لدى الرأي العام والإعلام بسبب القمع بقسوة للحراك الشعبي الذي رافق مقتل مهسا أميني، شهد حملة انتقادات أخرى بسبب دعمه لحركة "حماس".

وتنشر وسائل إعلام النظام أخباراً كثيرة لأنشطة المجموعات المنتمية إليها في العراق وتطلق عليها اسم "المقاومة الإسلامية في العراق"، وأظهرت اهتماماً غير عادي في تغطية عملياتها خارج العراق، وبخاصة هجماتها ضد القوات الأميركية. وقد ردت الولايات المتحدة الأميركية عليها أخيراً بقتلها أبو باقر الساعدي أحد كبار "كتائب حزب الله العراقية"، وكان هذا الإجراء بمثابة رسالة تحذير إلى النظام الإيراني وتدخلاته في العراق.

خلال الأشهر الماضية، وبعد بدء حرب غزة وتغطيتها في وسائل إعلام العالم تردد كثيراً اسم النظام الإيراني بصفته "داعماً لإرهاب (حماس)".

وتبنى النظام موقف الضعف عندما امتنع عن دخول مواجهة مباشرة مع إسرائيل ومنع "حزب الله" اللبناني من خوض الحرب. وفي الوقت الراهن الذي يتردد فيه الحديث عن وقف إطلاق النار، فإنها تعتبر "حماس" وسيلة ضغط منتهية الصلاحية، وقد وضعت "حزب الله" اللبناني أمام موقف يتلقى فيه ضربات من الجيش الإسرائيلي. كما أن الحوثيين، وهم مجموعة أخرى من الميليشيات المنتمية لإيران يتلقون ضربات من أميركا وبريطانيا بذريعة دعم غزة واستهدافها للسفن التجارية في البحر الأحمر.

هذه المواجهات النيابية لم تؤد إلى إيجاد تغيير في موقع طهران، بل أدت إلى تراجعها لدى الرأي العام ولدى البلدان المتضررة من تدخلاتها.

وتعمل إسرائيل تزامناً مع حرب غزة على استهداف مراكز وقواعد "الحرس الثوري" في سوريا، وقد أدت هذه الهجمات إلى أن يتخذ قراراً بسحب كبار قادته من سوريا.

ويدعي النظام الطائفي في إيران دائماً أنه على رغم المشكلات الرفاهية في البلاد، فإنه يتمتع بإمكانات أمنية كاملة ويقدم عن نفسه صورة مزيفة على أنه يعيش في "جزيرة مستقرة"، وأنه يهيمن على إدارة الأمور، لكن تنفيذ عمليات إرهابية في الداخل جعل النظام يتذوق طعم تصديره للإرهاب وإصراره على التوغل في الحروب النيابية.

وكان وقوع انفجار في مقبرة كرمان وسط إيران خلال ذكرى اغتيال قاسم سليماني قد أدى إلى مقتل 84 شخصاً وجرح 284 آخرين. واتهمت طهران التي عجزت أمام منع وقوع العملية، إسرائيل بالضلوع في الهجوم، ثم خرج المرشد علي خامنئي ليهدد إسرائيل بالانتقام الصعب.

وقبل هذه العملية بفترة قليلة شهدنا هجوماً إرهابياً آخر في مسجد "شاهجراغ" في شيراز، وقد أعلن محافظ الإقليم أن "داعش" هو المسؤول عن تنفيذ العملية، وذكر أن الإرهابيين كانوا ينتقمون لإعدام اثنين إرهابيين اعتقلا بعد هجوم سابق في شيراز.

عام 2018، وخلال مراسم استعراض عسكري في الأحواز هاجم أربعة مسلحين منتمين إلى "المقاومة الوطنية الأحوازية" الحاضرين متنكرين بزي عسكري وقتلوا 24 شخصاً. وقبلها بسنة في 2017 هاجم إرهابيون مبنى البرلمان الإيرانية ومقبرة الخميني وقتلوا 17 شخصاً.

ومن الأمور التي أثارت جدلاً على هامش هجمات كرمان هي تصريحات مسؤول أميركي لصحيفة "وول ستريت جورنال"، إذ أكد أن بلاده حذرت النظام الإيراني من قرب وقوع هجوم، وتجنب المسؤولون الإيرانيون الحديث عن هذا الأمر.

خلال العام الماضي، وقعت عميات إرهابية كثيرة في إيران، وتكشف هذه العمليات انعدام الأمن وضعف النظام في حماية البنى التحتية بالبلاد.

وقبل شهرين، وقع انفجاران في خطوط نقل الغاز بين جنوب وشمال البلاد بمنطقة "بروجن"، وكذلك في مدينة "صفا شهر" في محافظة فارس، مما أدى إلى قطع أطول أنبوب لنقل الغاز في البلاد.

وكان وزير النفط الإيراني جواد أوجي وصف الهجوم بأنه عمل تخريبي وإرهابي، وبعد أسبوع اتهم إسرائيل بالضلوع فيه، وتحدث عن "هجمات سيبرانية" استهدفت البنى التحتية في إيران.

وأظهر النظام الإيراني رد فعل غريباً من خلال تنفيذ هجمات في أربيل وإدلب والمناطق الحدودية مع باكستان في إقليم سيستان وبلوشستان للتغطية على الضعف الأمني في منع وقوع عمليات إرهابية داخل البلاد، مما أدى إلى ردود فعل مشددة من أميركا وأوروبا، إذ وصفت النظام الإيراني بأنه ينتهك القوانين ويتبنى العنف والهجوم غير المبرر.

أما حكومة باكستان وبسبب وقوعها في فترة انتقالية فتبنت موقفاً أبعد من الاحتجاج السياسي وهاجمت مناطق داخل الأراضي الإيرانية وأرغمت النظام الإيراني إلى الخضوع لإسلام آباد ومد يد الصداقة نحوها.

واستمر البرنامج النووي الذي تبناه النظام الإيراني خلال العقود الثلاث الماضية، وحملت البلاد مئات المليارات من الدولار، وقد كشف آخر تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية عن ارتفاع ذخائر اليورانيوم المخصب في إيران واستمرار انتهاك النظام لالتزاماته النووية.

وفي الساحة الرياضية أيضاً، عقد النظام الأمل على الدعاية لصالحه خلال تصفيات آسيا في الدوحة والمحاولة للفوز بالبطولة، لكن هزيمته أمام قطر قد أدت إلى تبخير هذه الآمال. كما لم تحقق إيران نجاحاً في السياسة الخارجية، إذ لم نشهد تغييراً كبيراً في علاقتها مع الرياض بعد عام من عودة العلاقات على رغم الدعايات التي يطلقها النظام، ولم تنتقل من مرحلة إزالة التوتر الموقت إلى تنمية التعاون الثنائي.

ومن التطورات المثيرة للجدل هذا العام كان إغلاق "المركز الإسلامي في لندن"، الذي كان يعمل على برامج وأنشطة دعائية لصالح طهران وحصل على دعم مالي كبير من الحكومة والمراكز المشرفة على أنشطة المنظمات الخيرية.

وقد أدى تعطيل هذا المركز بضغط من معارضي النظام في الخارج إلى هزيمة نفسية وسياسية ضد النظام، وأثار تساؤلات حول أنشطة مراكز تابعة لمركز لندن في مدن بريطانية أخرى منها مانشستر وغلاسكو.

وكانت انتخابات مجلس الشورى ومجلس خبراء القيادة الماضية قد سلطت الأضواء على محاولات التمهيد لخلافة مجتبى خامنئي لوالده واحتمال توريث الحكم في النظام، وقد تناولت وسائل الإعلام الإجراءات الدعائية التي قام بها النظام من أجل التمهيد لوصول نجل المرشد إلى منصب ولاية الفقيه.

أما المشاركة الضعيفة في مسرحية الانتخابات، خصوصاً في المدن الكبيرة وانتقال الانتخابات إلى المرحلة الثانية في 45 مركزاً انتخابياً كشفت عزوف الناخبين من المشاركة في الانتخابات، وقد كسب بعض الفائزين في الانتخابات بين 2 و4 في المئة فحسب من أصوات الناخبين المؤهلين للتصويت، مما يكشف عن أن النظام الإيراني فقد قاعدته الشعبية، وأن الطبقات الفقيرة في المجتمع لها أولويات تختلف عن أوليات النظام

خلال الـ44 عاماً الماضية كانت بعض شرائح المجتمع تعتقد بالتضحية من أجل النظام، لكن مع استمرار الديكتاتورية الدينية تحول مناصرو النظام إلى عملاء مأجورين يظهرون الولاء للنظام مقابل المال.

هذه العلاقة ستنتهي في مرحلة ما عندما تتراجع إمكانات النظام في تسديد أجور عملائه مقابل الولاء له، وكان العام الـ44 من عمر النظام شاهداً على تغيير ميزان العلاقة بين النظام وأنصاره بسبب تراكم المشكلات وعجز النظام في تلبية مطالب عملائه.

نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

اقرأ المزيد

المزيد من آراء