إحياء مخطوطات أثرية في غزة لدحض الرواية الإسرائيلية

تتفاوت أعمار هذه الوثائق لكن أقدمها يعود إلى 500 عام ومعظمها يشير إلى الوجود العربي في فلسطين

تضم المخطوطات مجموعة واسعة من الموضوعات (اندبندنت عربية)

بين زوايا مشغلٍ صغير مخصص لإعادة الحياة لمخطوطات أثرية قديمة، ينهمك أحمد في عمله المتواصل في ترميم الأوراق، ويقضي حوالى ثماني ساعات متتالية يخوض خلالها معركة كبيرة من وجهة نظره، بين الحشرات والغبار المنتشر في ثنايا الأوراق القديمة، ورغبته في الحفاظ عليها من التآكل وحمايتها.

بالفرشات الصغيرة يبدأ أحمد عمله، برفقة ستة من زملائه، الذين تشرف عليهم دائرة المخطوطات والآثار في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية. يعملون بشكلٍ يومي بطريقة منظمة تسهم في إحياء مخطوطات قديمة، تعرضت للتآكل والذوبان بفعل العوامل البيئية والحروب المتتالية.

مختلف العصور

للمرة الأولى على مستوى قطاع غزّة، يعمل فريق على إعادة إحياء مخطوطات قديمة، وذلك بعدما تلقوا تدريبات عملية وعلمية مكثفة، تعرّفوا خلالها إلى طريقة تنظيف المخطوطات والحفاظ عليها. وتأتي هذه الخطوة في إطار حماية التراث الفلسطيني، بعد تعرضه لمحاولات استهداف إسرائيلية.

والمخطوطات هي عبارة عن كلّ كتابٍ لم يطبع بعد، وكتب بخط مؤلفه منذ مئات السنوات. وهذه الأوراق الأثرية موجودة في مكتبة المسجد العمري في غزّة (الأكبر والأقدم)، ووصلت إلى القطاع عن طريق الوقف أو الإهداء أو تبرع بها مؤلفوها.

وتعود تلك المخطوطات إلى العصور القديمة والوسطى والإسلامية، في وقتٍ لم تكن معروفة فيه الطباعة والنشر والتوزيع. مدير دائرة التوثيق والمخطوطات في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية عبد اللطيف أبو هاشم يقول إنّ المخطوطات ذاكرة الأمة، تؤرخ وتثبت أنّ هذه الأرض كانت تعج بسكانها وعلمائها، وهو شيء مضاد للرواية الإسرائيلية، التي تقول إنّ فلسطين كانت خالية من السكان.

دحض الرواية الإسرائيلية

يوضح أبو هاشم أنّ المخطوطات تعد وثيقة دامغة، تنفي المزاعم الإسرائيلية بأحقيتهم في الأرض. ويؤكّد أنّ جميع الأوراق القديمة، التي كانت تصف مدن فلسطين قبل مجيء اليهود إليها، كتبت باللغة العربية، ما يعني أنّ الأرض عربية.

وبالعادة تهتم إسرائيل بالمخطوطات العربية، خصوصاً الموجودة في فلسطين. ويقول أبو هاشم إنّ الإسرائيليين يعرفون مصدر القوة التي تحكيها الرواية العربية الصحيحة، لذلك يحاولون باستمرار طمس المخطوطات وإخفاءها.

وجود هذه المخطوطات في غزّة، التي لا تبعد كثيراً عن القدس والضفة الغربية، يؤكّد الوجود الفلسطيني في هذه البقعة الجغرافية. ويشير أبو هاشم إلى أنّ المخطوطات تؤرخ للحركة الاجتماعية العربية في المنطقة، وهذا يتنافى مع الرواية الإسرائيلية.

ومن بين المخطوطات عدة دواوين شعرية مهمة، شاهدة ضد المزاعم الإسرائيلية، ومنها وثيقة صورت بالحرف والقلم مدن وقرى فلسطين، ونباتها وأشجارها، وسهولها وأنهارها وبحرها، وصخب الحياة فيها.

مجموعة متنوعة

وتعد مجموعة المخطوطات الأثرية في غزّة واحدة من أهم المخطوطات في فلسطين، التي حاصرتها مخاطر الإهمال والسرقة والحروب التي عاشتها المدينة، ويبلغ عددها حوالى 200 وثيقة مكتوبة باللغة العربية، أقدمها يبلغ عمرها 500 عام.

 

وتضم المخطوطات مجموعة واسعة من الموضوعات المتنوعة ومنها العلوم الدينية واللغة العربية والبلاغة، علوم الفلك والتنجيم، الأدب العربي والشعر، والتاريخ والجغرافيا، إضافة إلى أن هذه المخطوطات تضم وثائق مهمة تصور المدن الفلسطينية وأصل سكانها.

مراحل الترميم

تمر المخطوطة أثناء عملية إعادة ترميمها بعدة مراحل. أوّلها نفض الغبار والحشرات عنها، بواسطة فرشاة ناعمة، ثمّ مسح الغلاف بمادة الغلسرين لترطيبه. ويشير أحمد إلى أن الغلاف الجلدي قد يُنقع أحياناً في الكحول للقضاء على الحشرات العالقة وإخراجها من ثناياه والحفر، التي تسببت بها هذه الحشرات.

بعدها، تبدأ عملية تنظيف أوراق المخطوط، وكذلك يتمّ ترقيم صفحات المخطوط التي تآكلت خيوطها من قبل الحشرات الأرضية. وبعد ذلك يتم مسح الخطوط الزائدة بممحاة خاصة وبشكل دائري للحفاظ على الورقة من التمزق، ثم يتم رفع ما بقي من غبار وبقايا حشرات بواسطة أداة خاصة (سبتيولا) بعناية شديدة.

غير أن هذه المخطوطات يتم وضعها في حاويات خالية من الأسيد صممت خصيصاً لها للحفاظ عليها. وبعد الانتهاء من عملية الترميم تكون المخطوطات جاهزة لإعادة استعمالها، وسيقوم فريق من وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بحوسبتها وأرشفتها إلكترونياً، لوضعها على موقع يتبع للوزارة. ويوضح أبو هاشم أنّ الهدف هو تعميم محتوى هذه المخطوطات على مستوى العالم.