Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بريطانيا تدفع ثمن خطأ اقتصادي عمره 25 عاما

عشرات المليارات ضاعت على البلاد بسبب بيع 715 طناً من الذهب من الاحتياط

كان الذهب يشكل نحو 50 في المئة من صافي احتياطات بريطانيا من العملات الأجنبية (أ ف ب)

ملخص

لماذا لا تزال بريطانيا تدفع ثمن الخطأ الفادح الذي ارتكبه غوردون براون في سبائك الذهب؟

اعتبرت مساعي وزارة الخزانة البريطانية، حين أعلنت في السابع من مايو (أيار) 1999، عزمها بيع أكثر من نصف احتياط الذهب في البلاد، واحدة من أسوأ الأخطاء المالية التي ارتكبتها الحكومة على الإطلاق.

جاءت هذه الخطوة، التي اتخذها وزير الخزانة البريطاني آنذاك غوردون براون، في محاولة لتنويع وتعزيز احتياطات بريطانيا من خلال خفض نسبة الذهب، ومع ذلك، جاءت عملية البيع عندما تبين أنه أدنى مستوى لسوق الذهب، مما كلف في نهاية المطاف وزارة الخزانة مليارات الجنيهات الاسترلينية من الأرباح الضائعة.

ومع اقتراب الذكرى السنوية الـ25 لقرار براون سيئ السمعة، سجل سعر الذهب، أمس الإثنين، ارتفاعاً قياسياً.

ورصد الملحق المالي لصحيفة "تليغراف" الأخطاء التي حدثت وما يعنيه ذلك بالنسبة لبريطانيا على المدى الطويل، ففي عام 1999، كان ينظر إلى الذهب بشكل متزايد على أنه "أثر همجي"، كما وصفه الاقتصادي جون ماينارد كينز في عام 1924، وكان يعاني سوقاً هابطة مدة عقدين من الزمن، بعد أن فقد 80 في المئة من قيمته الحقيقية من الذروة. وفي عام 1980 كان السعر المنخفض يعني أن عدداً من البنوك المركزية حول العالم كانت تتطلع إلى تفريغ بعض ذهبها.

وتحتفظ البنوك المركزية بالمعدن الأصفر في نهاية المطاف باعتباره ملاذاً آمناً يمكن اللجوء إليه كملاذ أخير في أوقات الطوارئ، وينظر إليه على أنه تحوط ضد التضخم، وخفض قيمة العملة والاضطرابات المالية.

وفي هذا السيناريو، لم يكن براون مخالفاً للدول الأخرى بسبب رغبة بلاده في بيع بعض من 715 طناً من الذهب، التي كانت مملوكة لوزارة الخزانة ويديرها بنك إنجلترا، كما أن خطة تحويل العائدات إلى عملات أجنبية بقيمة 40 في المئة من الدولارات، و40 في المئة من اليورو، و20 في المئة من الين ستحمل فوائد للحكومة، على عكس الذهب، لكن توقيت البيع وطريقة الإعلان عنه سيتسببان في إحداث تموجات لا تزال محسوسة حتى اليوم.

بيع الذهب

وكان تفريغ احتياطات الذهب من قبل البنوك المركزية الأخرى حتى عام 1999 يجري في كثير من الأحيان بهدوء في الأسواق العالمية، وبعد ذلك فقط يعلن عن تفاصيل البيع، وفي بريطانيا أعلنت الحكومة في مايو الماضي، من خلال سؤال مكتوب في مجلس العموم، أنها بصدد عقد سلسلة من المزادات مقابل 125 طناً من احتياطاتها من الذهب، بدءاً من يوليو (تموز) من ذلك العام.

وقالت وزارة الخزانة إنها تريد "تحقيق توازن أفضل في المحفظة" من خلال زيادة نسبة احتياطاتها بالعملات الأجنبية. ويشكل الذهب نحو 50 في المئة من صافي احتياطات بريطانيا من العملات الأجنبية، وكان هذا التعرض لأصل واحد، الذي كان سعره متقلباً في كثير من الأحيان ولا يحقق أي فائدة، كبيراً للغاية، بحسب ما قالت وزارة الخزانة.

لكن هذا الإعلان فاجأ الأسواق. وقال مدير الأبحاث في "بوليون فولت"، أدريان آش، "لقد هبط الأمر مثل القنبلة، ولا أعتقد أن وزارة الخزانة توقعت أن تحدث هذا القدر من الضجيج كما فعلت، لقد كان الأمر قاسياً جداً في الطريقة التي تعاملوا بها".

لم يخطر كبار تجار الذهب في بريطانيا عن البيع المخطط له في اجتماع في بنك إنجلترا، إلا في وقت سابق من ذلك اليوم وقد صدمتهم الأخبار، وأوضحوا لمسؤولي البنك أن أسعار الذهب تميل إلى التحرك في دورات تمتد لعقود من الزمن، ومن المحتمل أن يقترب السعر من قاعه، ومن المرجح أن يرتفع في السنوات المقبلة، وحذروا من أن الكشف عن توقيت ومبالغ البيع مقدماً من شأنه أن يدفع المتداولين إلى بيع الأصل -المراهنة على خفض سعر الذهب- مما سيؤدي إلى خفض الذهب أكثر.

وقال رئيس قسم التعاملات في المعادن الثمينة في بنك "أتش أس بي سي" بيتر فافا، لصحيفة "التايمز" في عام 2007، "توقيت القرار كان مثيراً للسخرية... ستدفعون سعر الذهب إلى الخفض قبل أن تبيعوه، واعتقدنا أنه كان قراراً كارثياً لم نتمكن من فهم ذلك".

ومن المؤكد أن سعر الذهب، الذي كان 282.40 دولار للأوقية في يوم إعلان البيع، وانخفض بنسبة 10 في المئة بحلول وقت المزاد الأول في يوليو من ذلك العام. وقال كبير الاقتصاديين في المملكة المتحدة في شركة "إنفستك"، فيليب شو، عن إعلان الحكومة، "جرى ذلك بطريقة بطيئة إلى حد ما، وربما لم يكن ذلك مفيداً لمكانة بريطانيا في الأسواق الدولية كثيراً".

وقالت الحكومة، إن البيع السري كان سيتسرب في النهاية ويثير إشاعات من شأنها أن تدفع السعر إلى مزيد من الخفض، وأن الإعلان عن سلسلة من المزادات، بدلاً من بيع الذهب من خلال تحديد الأسعار العادية مرتين يومياً، من شأنه أيضاً أن يزيد عدد المشترين المحتملين الذين يمكنهم تقديم عطاءات "بثقة أكبر في شأن العرض المستقبلي".

تخفيض الأسعار

وفي النهاية، باع بنك إنجلترا 395 طناً من الذهب نيابة عن وزارة الخزانة، وتراوح السعر ما بين 256 و296 دولاراً للأونصة، بمتوسط 276 دولاراً، وحقق إجمالي 3.5 مليار دولار.

ويوم أمس الإثنين، وصل الذهب إلى مستوى قياسي بلغ 2083 دولاراً للأونصة في مؤشر لندن للذهب، بعد أن تمتع بمسيرة صعودية هائلة على مدى العقد الماضي. وفي السوق الفورية، وصل المعدن إلى أعلى مستوى له على الإطلاق عند 2135 دولاراً في ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، في حين تبلغ قيمة الـ395 طناً التي باعتها وزارة الخزانة الآن 26.6 مليار دولار لبريطانيا، وبعبارة أخرى، بيع الذهب بأدنى مستوى له منذ 20 عاماً في السوق، ومنذ ذلك الحين أطلق المتداولون على هذه الفترة اسم "القاع البني".

أحد الأسباب الرئيسة وراء خفض سعر البيع هو أن بريطانيا كانت تعتبر ذات أهمية رمزية وتاريخية في سوق الذهب، إذ كان بنك إنجلترا يحتفظ باحتياطات ويساعد في إدارتها لأكثر من 40 بنكاً مركزياً ومؤسسة نقدية في ذلك الوقت.

واعتبر تعامل الحكومة مع عملية البيع آنذاك سيئاً للغاية لدرجة أن عضو البرلمان المحافظ بيتر تابسيل قال لمجلس العموم في يونيو (حزيران) 1999 إن "نظريات المؤامرة منتشرة على نطاق واسع في لندن، لدرجة أن بيوت التمويل الأجنبية الشهيرة، سحبت مبلغاً كبيراً بشكل خطر من المكشوف، وكانت مواقفهم في شأن الذهب خلال السنوات السابقة أنهم في حاجة إلى أصدقائهم في وزارة الخزانة للقضاء على أي احتمال لارتفاع أسعار المعدن".

من جانبه نفى رئيس قسم النقد الأجنبي في بنك إنجلترا آنذاك، كليفورد سموت، أي مؤامرة "مع أشخاص معروفين أو غير معروفين". وكان براون مشتبهاً أيضاً بمحاولته دعم اليورو الذي أطلق حديثاً، وهو ما نفاه أيضاً بنك إنجلترا. ووصف الفكرة بأنها "نظرية مؤامرة ذهبت إلى أقصى الحدود".

الدفاع علناً

دفع إعلان الحكومة عن البيع الدول الغربية الأخرى إلى الدفاع علناً عن وجود الأصول في احتياطاتها. وقال محافظ بنك فرنسا في ذلك الوقت، جان كلود تريشيه، إن فرنسا وألمانيا وإيطاليا والولايات المتحدة لن تبيع ذهبها. وفي الولايات المتحدة، رد رئيس بنك الاحتياط الفيدرالي آنذاك، ألان جرينسبان، على بيع بريطانيا للذهب بالقول، "لا يزال يمثل الشكل النهائي للدفع في العالم".

ودفع سوء التعامل مع عملية البيع البنوك المركزية الأوروبية إلى وضع بعض القواعد حول مبيعات الذهب، وكان هناك قلق متزايد من أن المبيعات غير المنسقة وإقراض الذهب من قبل البنوك المركزية تسبب مشكلات للسوق، وتؤدي إلى خفض الأسعار.

نتيجة لذلك، اتفق 15 بنكاً مركزياً أوروبياً، بما في ذلك بنك إنجلترا، في 26 سبتمبر (أيلول) 1999 على الحد من مبيعاتها إلى 400 طن سنوياً على مدى السنوات الخمس المقبلة، وكذلك الإعلان عن مبيعاتها إلى السوق مسبقاً، وبشكل حاسم، أعلنت البنوك المركزية أيضاً أنها لن تزيد من قروضها فوق 2119 طناً مستأجرة حالياً.

وتسبب هذا الإعلان في ارتفاع حاد في الأسعار، مع مكاسب مدة أسبوعين بنسبة 25 في المئة، لأنه جعل تداول الذهب أكثر شفافية وأزال حالة عدم اليقين في شأن نوايا مبيعات البنوك المركزية.

التأثير في المملكة المتحدة

أعيد استثمار بيع الذهب مرة أخرى في احتياطات بريطانيا، من ثم لم يكن له أي تأثير ملموس على المستهلك أو الاقتصاد البريطاني، إذ لم يستخدم للإنفاق العام أو لسداد الديون.

وقال مدير الاقتصاد في معهد المحاسبين القانونيين في إنجلترا وويلز، سورين ثيرو، "على رغم أن كثيراً من الأمور تحدث بسبب تبديد الأصول الوطنية، فإن الوظيفة الرئيسة لهذه الأصول الاحتياط هي لأسباب احترازية مثل التدخل لوقف العملة". وأضاف أن حاجة الحكومات لمواصلة الاحتفاظ باحتياطات كبيرة من الذهب أمر "مشكوك فيه".

ومع ذلك، يقول النقاد إن البيع السيئ أضر بسمعة بريطانيا على المسرح العالمي. وقال الرئيس التنفيذي لشركة "ميتالز ديلي"، روس نورمان، وهي شركة تقدم بيانات المعادن الثمينة، "المشكلة هي أنه بمجرد استهلاك جزء كبير من احتياطاتنا، يصبح من الصعب للغاية إعادة البناء، وأعتقد أن هذا يضر ببريطانيا".

ويعتقد أن عملية البيع محرجة لبنك إنجلترا نظراً إلى دوره البارز في سوق السبائك، على رغم عدم سيطرته على القرار الذي اتخذته وزارة الخزانة. وكانت هناك تقارير صحافية تفيد بأن محافظ بنك إنجلترا، إدوارد جورج، آنذاك، عارض بشكل خاص عملية البيع، قائلاً إنها ستؤدي إلى تآكل قاعدة قوة البنك في الحي المالي.

ومع ذلك، قال جورج أمام لجنة الخزانة المختارة في مايو 1999، "الناس مرتبطون عاطفياً بالذهب، وشهدنا قدراً كبيراً من ردود الفعل العاطفية تجاه هذا القرار. ومع ذلك، كقرار يتعلق بالمحفظة، فمن المعقول تماماً بيع الذهب".

هل سيكون هناك بيع آخر؟

وفي حين كانت البنوك المركزية تحاول في التسعينيات تفريغ بعض ذهبها، فإن العكس هو الصحيح اليوم، إذ اشترى عدد من البنوك المركزية، بخاصة تلك غير المتحالفة مع الغرب، الذهب الفعلي بكميات قياسية على مدى العامين الماضيين، وعزز الوباء والتضخم والتوترات الجيوسياسية، مثل الحرب في أوكرانيا والصراع بين إسرائيل وغزة، شعبية المعدن كملاذ آمن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والذهب، إذا كان محفوظاً في خزائن دولة ما، لا يمكن تجميده أو الوصول إليه من قبل الآخرين، كما تتطلع دول أخرى إلى تقليل اعتمادها على الدولار الأميركي، مثل الصين التي اشترت 225 طناً من الذهب في عام 2023.

ومع ذلك، فإن احتمالية شراء بريطانيا أو بيع مزيد من الذهب تكاد تكون معدومة. وأضاف نورمان، "إن بيع أي من احتياطاتها من الذهب في هذه المرحلة سينظر إليه دولياً على أن بريطانيا في حالة يرثى لها تماماً، وسيكون له نتائج عكسية بالتأكيد".

ويبدو أيضاً أن محاولات شراء مزيد من الذهب تثير قلق بريطانيا في شأن استقرار السوق المالية العالمية، إذ يقول آش "هؤلاء الأشخاص لن يفعلوا أي شيء بالذهب لجيل آخر في الأقل، ولا تزال البنوك المركزية الغربية مشلولة للغاية بسبب كارثة العلاقات العامة التي شهدتها مبيعاتها قبل 20 عاماً، ولم تكن بريطانيا وحدها بأي حال من الأحوال، لدرجة أن أي شيء تفعله بالذهب الآن سيبدو سخيفاً".

ويجب على مستثمري القطاع الخاص أن يأخذوا مبيعات براون الضعيفة كدليل على وجود خطر تفكير القطيع في الأسواق المالية. وقال آش، "شعرت أن كل دولة كبرى كانت تبيع الذهب، وخفضت ممتلكاتها من السبائك مع ظهور الضجيج حول أسهم التكنولوجيا والانتصار الغربي في الجغرافيا السياسية في القرن الـ21، ومع ذلك، منذ خفض سعر الذهب بالنسبة إلى المستثمرين في بريطانيا في عام 1999، تفوقت السبائك المادية على جميع فئات الأصول في بريطانيا".

وأظهر ارتفاع أسعار الذهب قيمة الاحتفاظ بالقليل من الذهب في المحفظة، وفق ما يظهر التحليل الذي أجرته "بوليون فولت" من أن إضافة 10 في المئة إلى المحفظة مقسمة بنسبة 60:40 بين الأسهم والسندات في بريطانيا كان من شأنه أن يرفع العائدات السنوية من خمسة إلى 5.6 في المئة خلال ربع القرن الماضي، وكان من شأنه أن يعزز أسوأ عوائد لمستثمر خاص على مدى خمس سنوات من 0.6 في المئة إلى 1.6 في المئة سنوياً.

اقرأ المزيد