أميركا والعالم بعد هجمات 11 سبتمبر: أي تحولات استراتيجية؟

إيران البلد الذي وضعته واشنطن في "محور الشر" كان المستفيد الأكبر من حرب بوش

صورة أرشيفية توثق لحظة تلقي الرئيس جورج بوش خبر هجمات سبتمبر أثناء زيارة كان يقوم بها إلى مدرسة في ساراسوتا في ولاية فلوريدا 11 سبتمبر 2001(أ.ف.ب)

كل رئيس أميركي يحاول صوغ "مبدأ" سياسي في إطار استراتيجي. ولكل رئيس أميركي هاجس: كيف يذكره التاريخ؟ وتروي مونيكا كراولي سكرتيرة الرئيس نيكسون في كتاب "نيكسون في الشتاء" أن سيد البيت الأبيض اختصر ما سيذكره التاريخ عن أسلافه بالقول: ترومان المقاتل، أيزنهاور الرجل الجيد، كينيدي الكاريزما، جونسون العمل، وأنا ماذا؟". وأضاف: سيذكرني التاريخ في ووترغيت والانفتاح على الصين، شيء سيء وشيء جيد". ومن أمثلة التاريخ، "مبدأ مونرو" المؤثر في أميركا اللاتينية، و"مبدأ ترومان" المؤثر في أوروبا، و"مبدأ أيزنهاور" المؤثر في الشرق الأوسط، و"مبدأ كارتر" المتعلق بالخليج، و"مبدأ ريغان" المتعلق بالصراع مع الاتحاد السوفياتي الذي وصفه بأنه "إمبراطورية الشر".

الرئيس جورج بوش الأب ليس أيديولوجيا وكان يسخر من "شيء اسمه رؤية". لكن حرب "عاصفة الصحراء" التي قادها وأخرجت قوات صدام حسين من الكويت، أخرجت أميركا من "متلازمة فيتنام" لتعود إلى استخدام القوة في الخارج وليعلن هو قيام "نظام عالمي جديد". الرئيس بيل كلينتون ركّز على "الاحتواء المزدوج" لإيران والعراق. الرئيس جورج بوش الابن الذي جاء رافعاً شعار "المحافظة الرحوم" وأراد أن يكون رئيساً داخلياً، فاجأته أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2009، وبدلت مساره ومسار أميركا والعالم. كان المحافظون الجدد في الإدارة مؤدلجين يريدون تغيير العالم. وكانت تفجيرات برج التجارة العالمي في نيويورك والبنتاغون في واشنطن الفرصة التي انتظروها وقيل إنها أعادت أميركا من "إجازة من التاريخ". فهي كانت ذروة "الإرهاب ذي الوصول العالمي" لمنظمة "القاعدة"، وأحدثت ما قالت مستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس أنه "واحد من الزلازل النادرة التي تسبب تبدلات معمارية في السياسة الدولية". وهكذا ولد "مبدأ بوش"، بحسب رايس، الذي بدأ بمعادلة ذات دلالات: "الدول مسؤولة عما يحدث داخل حدودها، والذين يؤوون الإرهابيين سيعاملون كإرهابيين".

والترجمة العملية كانت غزو أفغانستان ثم غزو العراق، وسط مطالبة الأكثر تشدداً بين المحافظين الجدد بإسقاط الأنظمة في ست دول عربية. والأساس النظري هو عودة إلى "استراتيجية حرب وقائية وهيمنة" دعا إليها جون كوينزي أدامس وزير الخارجية في رئاسة جيمس مونرو. لكن المحافظين الجدد دمجوا بين نوعين من الحرب الوقائية: واحد ضد عدوان وشيك، وآخر ضد دولة يمكن أن تصبح تهديداً. ثم أضيف إلى الحرب الوقائية شعار "نشر الديمقراطية" وإعلان "الحرب الكونية على الإرهاب". لا بل إن رايس انتقدت نصف قرن من السياسة الأميركية التي حمت "أنظمة استبدادية" بحجة الحفاظ على المصالح والاستقرار، قائلة إن "الحرية هي التي تضمن الاستقرار وتحمي المصالح". وهي استذكرت قول كلينتون من أنه "يجب أن نكون راسمي الأحداث مراقبيها" وقول وزيرة خارجيته مادلين أولبرايت يجب أن نكون "مؤلفي التاريخ في عصرنا" لترى أنه ليس لدى كلينتون "تصور لعمل القوة في عالم متغير". أما روسيا فإنها لم تقلق بوش الذي أعلن أنه يستطيع العمل مع الرئيس فلاديمير بوتين. وأما الصين، فإن مرتبتها تبدلت من "شريك استراتيجي" إلى "منافس استراتيجي".

لكن المستفيد الأكبر من حرب بوش كان البلد الذي وضعته واشنطن في "محور الشر": إيران. فالغزو الأميركي أسقط نظامين معاديين لطهران في أفغانستان والعراق. وهذه ضربة حظ حققت للجمهورية الإسلامية ما جاء في قصيدة لشاعر فارسي قديم: "اضرب رأس الأفعى بيد عدوك". فالعراق اليوم واقع تحت الهيمنة الإيرانية، وإن كان بين السياسيين من يحرص على الاستقلالية ويدرك عمق الشعور القومي العربي لدى الشعب، وكانت أميركا موجودة عسكرياً. وأفغانستان بعد 18 سنة من الغزو على وشك أن تستعيدها حركة طالبان بالقوة وبالتفاوض مع أميركا.

والواقع أن حروب بوش أتعبت أميركا عسكرياً واستنزفتها مالياً وسياسياً، بحيث هبت من جديد رياح الانعزالية في الداخل، وضعفت قبضة أميركا في الخارج. وهذا كان من العوامل المهمة التي دفعت مراكز القوى الأميركية إلى دعم المرشح الديمقراطي للرئاسة باراك أوباما المولود لأب كيني أسود وأم أميركية بيضاء. ولم يتأخر أوباما منذ وصوله إلى البيت الأبيض في الترتيب الاستراتيجي لضمان "الهبوط الناعم" لأميركا.

كان عليه أولاً إقناع الأميركيين بأنه "تلميذ" لرئيسين مهمين: أبراهام لينكولن وفرانكلين روزفلت. الأول ربح الحرب الأهلية، وحرر العبيد، وحقق وحدة الشمال والجنوب، وحكم بما يسمى "الفريق المتنافس". والثاني أنقذ أميركا من الركود الاقتصادي الكبير في الثلاثينات من القرن الماضي، وأنقذ العالم بهزيمة النازية الألمانية والفاشية الإيطالية والعسكريتاريا اليابانية في الحرب العالمية الثانية. أوباما جاء بمنافسته في ترشيحات الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون وزيرة للخارجية. وأوحى أن الاقتصاد همه الأول. قال إن أميركا ليست شرطي العالم. ترك لأحد مساعديه التذكير بقول لوزير الخارجية في الربع الأول من القرن التاسع عشر وهو: أن أميركا لا تذهب إلى الخارج بحثاً عن وحوش تدمرها". وضع مكافحة "التطرف العنيف" مكان "الحرب الكونية على الإرهاب". سحب القوات الأميركية من العراق، بحيث ظهر "داعش" وتوسع معلناً "دولة الخلافة" في أجزاء واسعة من العراق وسوريا. وراهن بكل قواه على التوصل إلى الاتفاق النووي في إيران. وربما كانت "القيادة من المقعد الخلفي" هي أسلوب تطبيق "مبدأ أوباما".

أي مبدأ؟ التوجه نحو اللعب مع الكبار بدل الانشغال بمحاربة الإرهاب، بالتالي التركيز على اللعبة الكبيرة مع الصين وروسيا. تخفيف الاعتماد على الشرق الأوسط وتقليل أهميته الاستراتيجية، ثم التحول نحو الشرق الأقصى المركز الجديد للثروة. والرهان على إقامة التوازن بين قوتين في الشرق الأوسط بما يريح واشنطن: قوة شيعية تقودها إيران، وقوة سنية يقودها الإخوان المسلمون في تونس ومصر وتركيا. وهذا مشروع فشل في مصر وتونس، ومهدد بالفشل في تركيا.

وليس وصول دونالد ترمب إلى الرئاسة سوى نتاج هذه الظروف والتحولات. فهو رفع شعار: "أميركا أولاً"، وفتح النار على مؤسسات النظام الليبرالي العالمي الذي صنعته أميركا بعد الحرب العالمية الثانية. دخل في مواجهة مع كل من روسيا والصين، ولم يوفر حلفاء أميركا في أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية من الهجمات. "صادق" زعيم كوريا الشمالية بعد التهديد بمحو بلاده عن الخريطة. وعمد إلى "الضغط الأقصى" على إيران ضمن سياسة "كبح النفوذ الإيراني" بعد الانسحاب من الاتفاق النووي. ومختصر "مبدأ ترمب" هو أن "العالم ميدان للتنافس على المصالح وليس مجتمعاً دولياً"، كما قال مستشاره السابق للأمن القومي الجنرال ماكماستر.

خلال هذا المسار الأميركي جرت متغيرات مهمة في العالم. أولها استعادة روسيا دور القوة العظمى الدولية، بعدما وضعها أوباما في إطار "قوة إقليمية". إذ تحدّت أميركا والحلف الأطلسي بالقتال في جورجيا ودعم انفصال أبخازيا وأوسيتيا، وضم شبه جزيرة القرم، ثم الدخول العسكري في حرب سوريا بما أحدث تحولاً في الوضع. وثانيها صعود الصين إلى مرتبة القوة العظمى الاقتصادية الثانية بعد أميركا وبداية لعب دور عالمي واسع عبر مشروع "حزام واحد، طريق واحد". فهي طبقت وصية دينغ هسباوبينغ أهم قائد بعد ماو: "خبّئ قوتك، وانتظر وقتك". وهي على موعد في عام 2019 مع وعد الرئيس شي جيبينغ بأنها ستكون "قوة علمية كونية". وما كان "اجتماع واشنطن" في الاقتصاد أخذ مكانه "اجتماع بكين". وثالثها صعود قوى إقليمية بعضها ديمقراطي مثل الهند. وبعضها الآخر ثيوقراطي مثل الجمهورية الإسلامية في إيران التي تفاخر بأنها تحكم "أربع عواصم عربية" وترى نفسها "قائدة العالم ضد أميركا"، بحسب المرشد الأعلى علي خامنئي.

أوروبا تغلبت على أشباح الماضي وازدهرت اقتصادياً تحت مظلة الحماية الأميركية، وخسرت كثيراً من مكانتها ودورها كقوة عسكرية. والشعار الذي شاع في أميركا هو "الأميركيون من المريخ، والأوروبيون من الزهرة". وأكثر ما ينطبق على وضع روسيا هو قول مدير مركز كارنيغي في موسكو ديمتري ترينين: "روسيا غادرت القرن العشرين من بابين: واحد يقود إلى السوق المعولمة والقرن الحادي والعشرين. وآخر مفتوح على اللعبة السياسية الكبرى في القرن التاسع عشر". فالرئيس بوتين أعلن بوضوح أنه يمارس استراتيجية "التخلص من نتائج الحرب الباردة". إذ اعترف بأن نهاية الحرب الباردة أنهت "النقاش الأيديولوجي، لكن الجدل الجيوسياسي باق لأن المصالح باقية. والقوة العسكرية ستكون أداة للسياسة العالمية".

وليس لدى ترمب استراتيجية واضحة. لا استراتيجية تضع أميركا في تحالف مع "اليقظة السياسية الكونية" على حد تعبير الجنرال سكوكروفت. ولا استراتيجية توازن إقليمي بين القوى سماها البروفسوران جون ميرشيم وستيفن والتر "استراتيجية أوف شور". ولا نسخة جديدة من مبدأ ترومان" دعا إليها السناتور تيم كاين. ولا "استراتيجية عظمى لمواجهة بوتين" تحدث عنها السفير الأميركي السابق في روسيا مايكل ماكفول. ولا أحد يسمي الحرب الخارجية مع الصين استراتيجية رابحة.

يروي نائب وزير الخارجية والسفير سابقاً من موسكو وليم بيرنز في كتاب "القناة الخلفية" أن بوتين قال له: "ليس خطأي إذا لعبت بيدي الضعيفتين بشكل قوي، وكان الذين لديهم أياد قوية يلعبون بشكل ضعيف". وهذه، حتى إشعار آخر، حال العالم.

المزيد من آراء