ملخص
يقول محللون إن القبض على بعض التجار سيجعل من آخرين محتكرين لسوق الذهب والدولار... ولا حل سوى تحقيق وفرة دولارية عبر القنوات الرسمية
وسط التزايد المتسارع لأسعار الذهب والعملات الأجنبية في مصر، شددت الأجهزة الأمنية قبضتها على التجار المتلاعبين في تلك الأسواق التي تشهد تكالباً من جانب المصريين في الفترة الأخيرة، بهدف الادخار بعيداً من الخفض المتتالي لقيمة الجنيه المصري، وهو ما اعتبره خبراء "محاولة رسمية لكبح جماح السوق غير الرسمية"، وسط جهود لمواجهة الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد.
إمبراطور الذهب في قبضة الأمن
ومنذ الأحد الماضي، تصدر خبر القبض على تاجر ذهب مواقع التواصل ووسائل الإعلام في مصر، الذي لقب إعلامياً بـ"إمبراطور الذهب"، بعدما كشفت تقارير صحافية عن ضبط 160 كيلوغراماً من الذهب غير المدموغ بفواتير خاصة بضريبة الذهب، في منزله بضاحية "6 أكتوبر" (جنوب العاصمة).
كما ذكرت التقارير أن إمبراطور الذهب يمتلك عديداً من المحال بمنطقة الجمالية وسط القاهرة، التي تعد معقل تجارة الذهب، إلى جانب محال أخرى في مختلف محافظات مصر، كان يتحكم من خلالها في سوق الذهب عبر تسعيره وفق سعر الدولار بالسوق الموازية.
وبحسب وسائل الإعلام فإن إمبراطور الذهب كان يجمع المعدن النفيس المستعمل (الكسر) من الأسواق، عبر شبكة من العاملين لديه، ويعيد تشكيله وبيعه، مما يجعله يسيطر على السوق، ويحدد الأسعار رغماً عن رغبة منافسيه. وقدرت تقارير إعلامية إجمالي حجم الذهب الذي يمتلكه بنحو 400 كيلوغرام.
كما تزايدت أنباء إلقاء أجهزة الأمن القبض على متعاملين في النقد الأجنبي خارج الإطار المصرفي، كان آخرهم شخصين ضبطا الأربعاء الماضي في وسط القاهرة بحوزتهما مبالغ مالية من العملات الأجنبية.
وتزايدت الفجوة بين سعر الدولار الأميركي في البنوك والسوق الموازية أخيراً، لتصل إلى نحو 60 جنيهاً للدولار في السوق السوداء، مقابل السعر الرسمي وهو 30.9 جنيه، وسط شح في العملة الصعبة أثر في الاقتصاد المصري خلال العامين الأخيرين.
وبحسب تقرير صادر عن رئاسة الحكومة المصرية قبل أسبوعين، فقد شهدت مصر خروج ما يزيد على 20 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية، مما نتج منه ارتفاع معدل التضخم الأساس، ليسجل 28.7 في المئة في المتوسط خلال الفترة بين يناير (كانون الثاني) ونوفمبر (تشرين الثاني) 2023، وتراجع قيمة الجنيه المصري مقابل الدولار الأميركي بما يزيد على 60 في المئة.
الحل اقتصادي لا أمني
من جانبه يرى المتخصص الاقتصادي وائل النحاس أن الحل الأمني "ليس كافياً لمعالجة الأزمة، بل قد يخلق مشكلات أكبر لا يحتملها الوضع الحالي". موضحاً في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، "كان من الأفضل لجهات الدولة أن تجد طريقة للتعامل مع تجار السوق الموازية كمصدر للعملة الأجنبية، مثلما كانت البنوك الحكومية تفعل ذلك في التسعينيات من القرن الماضي"، على حد قوله.
وحمل النحاس الدولة مسؤولية الاندفاع الكبير نحو السوق الموازية لتوفير الدولار، من خلال اتخاذها قرارات عدة تطالب فيها بدفع عملة صعبة بينما هي غير موجودة في البنوك. شارحاً "الحكومة طالبت الأجانب المقيمين في مصر بدفع 1000 دولار مقابل تقنين وجودهم على الأراضي المصرية، وكذلك اشترطت على المستوردين عند فتح اعتماد مستندي في البنك لتوفير الدولار إعادة مبلغ أكثر مما جرى توفيره، وبالطبع سيضطر هؤلاء للجوء إلى السوق السوداء، كما أن من يسافر سيتجه إلى السوق السوداء، لتلبية حاجاته في ظل محدودية المسموح بصرفه من البنوك"، مؤكداً أن خلق الحاجة الملحة إلى السوق السوداء "أدى إلى تغولها وزيادة سعر الصرف بها".
ولا يجد النحاس تفسيراً للتوسع في القبض على التجار المتلاعبين في سوق الذهب أو العملات حالياً، إلا إذا "كانت الدولة تعلم عنهم من قبل. وهنا، المسألة ليست اقتصادية"، على حد وصفه، لافتاً إلى أن القبض على من سمي "إمبراطور الذهب" لم يؤد إلى خفض أسعار الذهب أو وقف الارتفاعات المتوالية، بل على العكس واصل الارتفاع، كما ارتفع سعر الدولار في السوق الموازية خلال الأيام الماضية في ظل أنباء القبض على تجار العملة.
ويؤكد النحاس أنه "ما دام هناك طلب لا يلبى من السوق الرسمية سيظل المواطن يبحث في السوق الموازية، والقبض على بعض التجار سيجعل من التجار الآخرين محتكرين هذه السوق، التي لن تنتهي سوى بحلول اقتصادية تحقق وفرة دولارية عبر القنوات الرسمية، لتنتفي الحاجة إلى المضاربين في السوق السوداء".
وسجل سعر غرام الذهب عيار 21، الخميس الماضي (الـ11 من يناير) 3210 جنيهات، فيما ارتفع إلى مستوى 3309 جنيهات أمس الأربعاء، بزيادة 109 جنيهات خلال أقل من أسبوع. وخلال الفترة نفسها زاد سعر الدولار في السوق الموازية من 54 إلى 59 جنيهاً للدولار الواحد.
نشاط إجرامي
وفي المقابل، يرحب أستاذ اقتصادات التمويل بجامعة القاهرة حسن الصادي بتطبيق الحل الأمني لـ"ضبط سعر الصرف". مشيراً إلى أن "القانون المصري يجرم من يتعامل في العملة الأجنبية خارج الإطار المصرفي، سواء المشتري أو البائع"، مؤكداً أنه طالب بتنفيذ ذلك منذ قرار الحكومة بتعويم الجنيه عام 2016.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وينص قانون البنك المركزي المصري على أنه "يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد على 10 سنوات، وبغرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تجاوز خمسة ملايين جنيه، أو المبلغ المالي محل الجريمة أيهما أكبر، كل من تعامل في النقد الأجنبي خارج البنوك المعتمدة أو الجهات التي رخص لها في ذلك".
وبينما أكد الصادي، في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، أن جانباً من الحل لضبط سوق الصرف "يجري عبر معدات اقتصادية"، استدرك بأن الجزء الأكبر من الحل "أمني بالأساس". موضحاً: "الإقبال على الدولار في السوق السوداء يعني وجود عملات صعبة داخل مصر، لكنها لا تدخل في الإطار الرسمي أو القطاع المصرفي، ومن ثم لا يستفيد الاقتصاد منها". مبدياً تعجبه من عدم اتخاذ الدولة "خطوة التشديد الأمني على التجار المتلاعبين من قبل"، ومشدداً على أن الدولة بالقطع "غير مستفيدة من الوضع الحالي، ولا تقبل أن تملى عليها شروط اقتصادية معينة".
الهرب من الجنيه
وأضاف المتخصص الاقتصادي أن التكالب الشديد على شراء الدولار والذهب "يرجع إلى رغبة المواطن المصري في الهرب من الجنيه المصري، الذي تتآكل قيمته يوماً بعد يوم، وليس رغبة في اكتناز الدولار أو الذهب"، مؤكداً أن المواطن "لم يعد يثق في عملته المحلية وعلى الدولة أن تعيد إليه الثقة عبر إجراءاتها المختلفة". منتقداً الاعتماد على رفع أسعار الفائدة في محاولة لجذب المواطن من جديد، للاحتفاظ بالجنيه في المصارف، ومحذراً من "حبس" مدخرات المصريين في الذهب أو العملات الصعبة من دون دخولها في دورة الاقتصاد، لخلق منتجات تزيد من معدلات نمو الاقتصاد الوطني.
ويفسر الصادي استمرار ارتفاع أسعار الذهب والدولار على رغم القبض على التجار بأن هناك تجاراً آخرين لديهم رغبة "في معاقبة الدولة، وسيواصلون رفع الأسعار، للحفاظ على ثرواتهم". مطالباً الدولة بتوجيه "ضربة قوية لكل تجار الذهب والعملة الذين يضرون الاقتصاد المصري".
قانون الطوارئ
واقترح أستاذ اقتصادات التمويل أن تفعل الدولة قانون الطوارئ ثلاثة أشهر وحظر التعاملات النقدية خلال تلك الفترة، على أن يجري فتح حساب بنكي لكل مواطن يضع فيه أمواله، وإلغاء ماكينات السحب النقدي من الشوارع، واستبدال بذلك كارت بنكي يمكن الشراء من خلاله عبر نقاط بيع موزعة على كل البائعين في أرجاء البلاد، حتى لمن يبيع بعض الخضراوات في الشارع.
ويوضح الصادي "مصر تحتاج إلى نحو مليوني ماكينة (نقطة) بيع، إجمالي كلفتها نحو 20 مليار جنيه، وهو ما سيمثل حلاً جذرياً للتعاملات النقدية في مصر، ويقضي على ظواهر عديدة، مثل الرشوة والاقتصاد غير الرسمي، وتراقب كل عمليات البيع والشراء، ومن ثم سيضطر كل من لديه نقد أجنبي إلى إيداعه في القطاع المصرفي، لأنه لن يجد من لديه أوراق نقد محلية لشراء العملة الأجنبية، وعملية التحول إلى التعامل الإلكتروني يمكن إعطاؤها مهلة ثلاثة أشهر، كي يضع كل مواطن مدخراته في البنوك خلال تلك المدة".