جونسون وبريكست... هل تسدد البنوك البريطانية فاتورة "الطلاق الغيابي"؟

توقعات بهبوط أرباح البنوك بنسبة 25%... والإسترليني يبدأ رحلة المعاناة في سوق العملات

أوراق نقدية من فئات مختلفة للجنيه الإسترليني  (رويترز)

مع نهاية أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وفي ظل عدم ظهور أي بوادر تشير إلى اتفاق بشأن الانفصال البريطاني عن الاتحاد الأوروبي، تزداد التكهنات بشأن الخروج بدون اتفاق، ما يدفع إلى توقعات بأن عدة قطاعات بريطانية سوف تسدد فاتورة "الطلاق الغيابي" وعلى رأسها البنوك البريطانية والجنيه الإسترليني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في مذكرة بحثية حديثة، قال محللون لدى بنك "سيتي غروب"، "إن البنوك البريطانية تواجه هبوطا قد يصل إلى 25% في أرباحها في حالة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق".

وأوضحوا "أن التباطؤ الاقتصادي الذي سينتج عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق واحتمال انخفاض أسعار الفائدة وتعثر المقترضين عن سداد القروض، سيؤثر على ربحية السهم بنسبة بين 15 إلى 25%".

وأكد "سيتي غروب"، "أن تأثير عدم التوصل لاتفاق على أسهم البنوك البريطانية الكبرى مثل (باركليز)، و(إتش.إس.بي.سي)، و(لويدز) قد يكون أقل حدة حيث إن مخاطر هذه النتيجة قد تم بالفعل حسابها جزئيا في أسعار الأسهم".

وانخفض مؤشر فوتسي للبنوك في بريطانيا بنحو 7% خلال العام الحالي، حيث يواجه المقرضون ضغوطا على الأرباح من المنافسة في قطاع الرهن العقاري وأسعار الفائدة المنخفضة للغاية للبنوك المركزية والتكاليف الثابتة العالية.

وفي بداية الشهر الحالي، قال بنك "رويال بنك أوف سكوتلند"، "إن تدهور الأوضاع الاقتصادية قبل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من المرجح أن يؤثر على ربحيته في العام المقبل وإن بعض العملاء تأثروا بالفعل".

جونسون يتحرك لتجاوز عقبة البرلمان

وحرصاً منه على تفادي أزمة تدخل البرلمان، طالب رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، في خطاب أرسله للملكة "إليزابيث"، بتعليق أعمال البرلمان ما يجعل الأنظار تتجه نحو مستقبل البريكست والجنيه الإسترليني بعد هذا القرار.

وطالب جونسون بتعليق أعمال البرلمان من 11 سبتمبر (أيلول) الحالي وحتى خطاب الملكة إليزابيث في 14 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

وحول ما إذا كان هذا القرار سيدعم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بدون لا صفقة، يرى بنك "أي.إن.جي" الاستثماري، "أن التوقعات القائمة بعد هذا الخطاب تشير إلى ذلك على الرغم من الاعتقاد أن الدافع الأساسي هو توجيه جهود البرلمان المناهضة للبريكست بدون صفقة نحو التصويت بحجب الثقة وإجراء انتخابات مبكرة، بدلاً من المسار التشريعي الذي ظهر خلال الأيام الأخيرة".

ومن الناحية النظرية، يعد تعليق البرلمان حدثاً طبيعياً إلى حد ما، وفي الأوقات العادية كانت الحكومة تعلق البرلمان لمدة أسبوع تقريباً قبل خطاب الملكة السنوي. لكن الأمر غير المعتاد والمثير للجدل هذه المرة هو طول الوقت الذي تستغرقه العملية، وهو ما يعني أنه عندما يعود النواب من العطلة فإن أمامهم أسبوع تقريباً قبل إغلاق البرلمان حتى منتصف أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

والمشكلة الرئيسة هي أن هذا سيجعل المسار التشريعي لمنع "البريكست بدون اتفاق" أصعب بكثير، حيث أن هذا المسار الذي سيشمل تمرير النواب التشريعات لإجبار رئيس الوزراء على طلب تمديد آخر للمادة 50 - كان يبدو صعباً بالفعل.

كما يبدو إيجاد الوقت اللازم في جدول أعمال مجلس العموم أمرٌ صعبٌ، وسيعتمد بشدة على تقدير رئيس المجلس جون بيركو، حتى لو أمكن تأمين الوقت، فسيتعين على المشرّعين التحرك بسرعة لإصدار التشريعات اللازمة لإجبار رئيس الوزراء على طلب تمديد آخر للمادة 50.

وإذا فشلت المحاولات التشريعية، فقد لا يُترك لنواب المعارضة سوى دعمهم لاقتراح بحجب الثقة إذا كانوا يريدون إيقاف خروج بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي بلا صفقة. وهذا يمثل معضلة للعديد من المشرعين، خاصة أولئك الذين هم داخل حزب المحافظين الذين أشاروا في وقت سابق إلى أنهم سيكونوا على استعداد لدعم اقتراح بحجب الثقة إذا كان ذلك هو السبيل الوحيد لإيقاف البريكست بدون صفقة.

يأتي ذلك لأن الهدف الرسمي للحكومة لا يزال هو التفاوض على صفقة وهذا كان مدعوماً بنهج جونسون البناء الذي قيل إنه تبناه في مباحثات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مع الزعماء الأوروبيين خلال الأسبوع الماضي.

جونسون يحذر أعضاء البرلمان

في سياق متصل، ومجدداً حذّر رئيس الوزراء البريطاني من أن أعضاء البرلمان الذين يعتزمون وقف الخروج من الاتحاد الأوروبي بدون اتفاق يقوضون فرص التوصل إلى مثل هذا الاتفاق مع الاتحاد. وقال إنه طالما ظل قادة الاتحاد الأوروبي مقتنعين بإمكانية وقف البرلمان البريطاني للخروج، فلا يحتمل أن يمنحوا بريطانيا الاتفاق الذي تسعى إليه.

وأضاف أن نقطة الخلاف، وهي مسألة حدود أيرلندا الشمالية مع الاتحاد الأوروبي، سوف تؤدي إلى تحكم بروكسل في لندن. ورفضت بروكسل الفكرة القائلة بأن جونسون، بتعليقه أعمال البرلمان الشهر المقبل، سيفسح المجال للتوصل إلى اتفاق.

ورفضت أمس الجمعة، محكمة اسكتلندية التحدي الأول لخطة جونسون تعليق البرلمان، لكن ما تزال هناك جلستا استماع أخريان الأسبوع المقبل في لندن وبلفاست. حيث رفضت المحكمة المدنية العليا في إدنبره طلباً بالطعن في قرار جونسون تعليق البرلمان.

وقال القاضي الاسكتلندي رايموند دوهرتي، "إنه لا توجد حاجة لاستصدار أمر قضائي فوري لمنع جونسون من تعليق البرلمان لعدة أسابيع". وأضاف "أن جلسة استماع أخرى ستعقد لبحث القضية في السادس من سبتمبر المقبل".

وكانت مجموعة تضم نحو 75 برلمانيا من معارضي بريكست قد لجأت إلى أعلى هيئة قضائية مدنية في إدنبره، للحصول على أمر قضائي يقول "إن تعليق عمل البرلمان غير قانوني"، واستمعت المحكمة إلى طلبهم، بشكل عاجل. ويعارض هؤلاء البرلمانيون فكرة تعليق عمل البرلمان بما يتيح لرئيس الحكومة تطبيق بريكست دون اتفاق، ودون أن يلقى معارضة من البرلمان.

وقال محاميهم أيدن أونيل "إن تعليق البرلمان شكّل سابقة". وأضاف "أن الحكومة تسعى إلى فرض سلطتها عبر تعليق البرلمان، معتمدة على أغلبية برلمانية". وطلب ممثل الحكومة رودي دانلوب من المحكمة رفض الطلب، خصوصا لأن السماح بتعليق البرلمان قد تم.

كيف تحرك حزب العمال البريطاني المعارض؟

وقال حزب العمال البريطاني المعارض، إنه سيدعو إلى مناقشة طارئة في البرلمان الأسبوع المقبل لمحاولة منع رئيس الوزراء بوريس جونسون من إخراج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق. وقال زعيم حزب العمال جيريمي كوربين "إنه بمجرد عودة البرلمان من العطلة الصيفية الثلاثاء، فسيبدأ حزبه عملية تشريعية ضد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق، لأن هذا سيضر بالوظائف وبالاقتصاد".

وقال كوربين في تصريحات للصحافيين "ما سنفعله هو محاولة منع جونسون من خلال عملية برلمانية لمنع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق ومحاولة منعه من إغلاق البرلمان في هذه الفترة البالغة الأهمية".

وأضاف "تواجه البلاد خطر الانهيار في 31 أكتوبر (تشرين الأول) دون اتفاق. يجب أن نوقف ذلك وهذا هو بالضبط ما سنفعله الثلاثاء المقبل".

أخطار وشيكة تهدد الإسترليني

ويعد طلب رئيس الوزراء البريطاني "جونسون" بتعليق عمل البرلمان بمثابة تأكيد لحالة عدم اليقين والخطر السلبي الذي سيواجه الجنيه الإسترليني خلال الأسابيع المقبلة. لأنه حتى إذا حاول البرلمان إصدار تشريعات ضد البريكست بدون اتفاق، فمن غير المرجح أن يكون الوقت قبل تعليق البرلمان طويلاً بما يكفي لنجاح ذلك.

ويبدو أنه من المبكر أن ينجح التصويت بحجب الثقة الذي من المحتمل أن يحدث في الجزء الأخير من شهر أكتوبر المقبل. ويشير هذا إلى المزيد من الضغوط على الإسترليني، حيث إن المخاطر المحتملة المتمثلة في عدم وجود صفقة للبريكست لن تتراجع خلال النصف الأول من سبتمبر المقبل، بل ربما ترتفع، مما يشير إلى المزيد من الضعف للإسترليني.

ومن المتوقع ضعف الإسترليني بحلول قمة الاتحاد الأوروبي منتصف أكتوبر المقبل، بالنظر إلى أن الصفقة لا تزال غير مرجحة وزيادة عدم اليقين بشأن خروج بريطانيا الصعب من الاتحاد الأوروبي.

ومن المتوقع في هذا الوقت أن يعيد زوج العملات (اليورو- الإسترليني) اختبار أعلى مستوى في عدة سنوات عند 0.9325 إسترليني، الذي تم الوصول إليه في وقت سابق من هذا الشهر. ويشير الضغط الأخير على علاوة المخاطر للجنيه الإسترليني إلى مجال لمزيد من الهبوط في  الإسترليني.

ومع ذلك، في الأسبوعين الأخيرين من شهر أكتوبر المقبل وبعد قمة الاتحاد الأوروبي، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو أن البرلمان البريطاني يقدم تصويتاً بحجب الثقة عن الحكومة ويمهد الطريق لإجراء انتخابات مبكرة.

ومن شأن هذا التطور أن يدفع الإسترليني للاستقرار في بداية الربع الرابع في حال تجنب السيناريو الأسوأ والمتمثل في بريكست بدون اتفاق. ومع ذلك، لا يزال الوضع مبكراً للغاية بالنسبة لتعافي الإسترليني في هذه المرحلة، بل المتوقع أن تزداد الأمور سوءاً قبل أن تتحسن.

المزيد من اقتصاد