Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

في مطعم فيصل البيروتي نوقشت الوحدة العربية

مفكرون وكتاب جعلوه ناديا سياسيا وثقافيا ورافق أحداث الستينيات

شارع بلس قبالة الجامعة الأميركية - بيروت حيث يقع مطعم فيصل في الستينيات ( دا رنلسن)

حين ينهض مكان واحد لا تتعدّى مساحته الـ 230 متراً مربّعاً بوظائف متعدّدة، ويشكّل حاضنة للتفاعل بين الناس، وميداناً لأنشطتهم المختلفة، هل يبقى مجرّد حيّزٍ جغرافي له موقع معين وأبعاد محدّدة يستوي فيها مع مئات الأمكنة أم يتحوّل إلى مَعْلَم تاريخي له سيرته وذاكرته وتأثيره في محيطه؟ من هنا نطلّ على مطعم فيصل الواقع مقابل الجامعة الأميركية في بيروت، في شارع بلسّ التاريخي الذي كان ممراً للتراموي بين فرن الشبّاك والمنارة، خلال النصف الأول من القرن العشرين، ذاك المطعم الذي تمنّى المؤرخ نقولا زيادة، في مقالة له في جريدة "الحياة"، أن يتمكّن أحدهم من كتابة تاريخه، وهو ما تحقّقه الصحافية إيمان عبدالله، بعد حوالى عشرين عاماً من تلك الأمنية، في كتابها " مطعم فيصل / مقابل الجامعة الأميركية في بيروت"، الصادر عن دار نلسن البيروتية. فما الذي تقوله في كتابها؟ وما هي الوظائف التي نهض بها المكان؟ وما العوامل التي حوّلته من حيّزٍ جغرافيٍّ صغير إلى معلم تاريخي كبير؟  

توثيق تاريخي

 في الشكل، يقع الكتاب في 200 صفحة، ويشتمل على 8 نصوص مستلّة من آخرين ومؤطّرة في أطر مستطيلة تدخل في علاقة تكاملية مع النص الأصلي وتشكّل جزءاً منه، ثماني شهادات حيّة لروّاد المطعم، عشرين صورة فوتوغرافية، وعشرين إعلاناً تجارياًّ قديماً. ويستمدّ مادّته الأولى من الكتب والصحف والناس والروّاد وأرشيف مكتبة يافث في الجامعة الأميركية في بيروت. تقوم الكاتبة بتبويب هذه المادة وتقديمها في عرض توثيقي، يحقّق هدفها في توثيق ذاكرة المكان. ذلك أن هاجسها تأريخي توثيقي أكثر ممّا هو تحليلي بحثي.   

 في المضمون، يشير سمير عطاالله في التقديم إلى أنّ الكتاب والمطعم "شهود وحكايات ولطائف وطرائف ومودات كثيرة"، على حدّ تعبيره، ولا يفوته أن ينوّه بنخبوية المطعم وقدرته على الاستقطاب في آن واحد. وتشير الكاتبة في المقدّمة إلى توثيقية الكتاب، وأهمّية المطعم، وعوامل نجاحه، وتعدّد وظائفه، ومصادر البحث، ومحتويات فصوله الأربعة، وتعرّف بخصائص المطعم ومقوّمات نجاحه، وتقارن بينه وبين المطاعم المجاورة له، وترصد كيفية تحوّله إلى نادٍ سياسي وثقافي واجتماعي، وتتلمّسه في ذكريات عارفيه وشهادات روّاده.  

 باقتفاء أثر الكاتبة في الفصول الأربعة، نقع على خصيصتين اثنتين، على الأقل، في تأسيس المطعم؛ الأولى تتعلّق بزمان التأسيس، بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، وتوقّع المؤسّس عودة الانتظام إلى المؤسّسات الجامعية مما يوفّر لمطعمه الروّاد المفترضين. الثانية تتعلّق بمكان المطعم الذي تفصل بينه وبين الجامعة بضعة أمتار، فتطلّ نافذته على مدخلها، ويفتح الأخير على المطعم، على أن الأمتار القليلة الفاصلة بينهما هي جزء من شارع بلسّ التاريخي الذي يحمل اسم مؤسّس الجامعة، ويشكّل ممراًّ للترامواي القادم من فرن الشبّاك إلى المنارة. وهاتان الخصيصتان تشيان برؤيوية مؤسّسه توفيق سعادة، الآتي من عين عنوب في جبل لبنان، واستشرافه المبكّر إمكانات الاستثمار الناجح. وهو الذي أطلق على المطعم اسمه تيمّناً  بلقب عائلته وليس بالملك فيصل الأول كما يتوهّم البعض.

وإذا كانت هاتان الخصيصتان عاملين خارجيّين في نجاح المطعم، فإن عوامل أخرى داخلية هي التي صنعت استمراره، تحددها الكاتبة، في الفصل الأول من كتابها، بشخصية صاحبه التي تجمع بين الطيبة والكرم والمروءة والحدب على الطلاب. نوعية النوادل الذين ارتقوا بالعلاقة مع الزبائن من المستوى المهني إلى المستوى الإنساني، فكانوا لهم أصدقاء أوفياء، وكاتمي أسرار، ومستشاري طعام، ومقرضي أموال لهم. جودة المأكولات واعتمادها المواد الطازجة لا المجلّدة والمعلّبة. جمعه بين المحلية والعالمية وغيرها.

 لعل هذه العوامل هي التي جعلت المطعم يطمئن إلى حاضره ومستقبله، فيترفّع عن الانخراط في المنافسة مع المطاعم الأخرى، وهو ما تتناوله عبدالله في الفصل الثاني من كتابها، حين تقارن بين مطعم فيصل والمطاعم المجاورة له. ففي الوقت الذي كانت فيه هذه المطاعم تلجأ إلى الإعلان للترويج لبضاعتها، كان فيصل يعزف عن خوض هذا الغمار مطمئناًّ إلى روّادٍ وطلاّبٍ لا يخلفون وعده، ولا ينكثون عهده. من هنا، كان ثمّة تكامل وظيفي بينه وبين مطعم الجامعة، مثلما كانت هناك علاقة عضوية بينه وبين الجامعة، إلى حد أن البعض، على سبيل المزاح، اعتبره إحدى كليّاتها. ولعل تضمين الفصل عشرين إعلاناً دعائياًّ للمطاعم المجاورة يشي بارتفاع وتيرة التنافس فيما بينها.

  خلفيات تاريخية

 في الفصل الثالث من الكتاب، ترصد الكاتبة حركة تطور المطعم، عبر المراحل التاريخية المتعاقبة، منذ تأسيسه حتى تحوّله إلى نادٍ سياسي وثقافي واجتماعي، وهي حركة تطوّرت على خلفية الأحداث الكبرى التي حصلت في المنطقة في القرن العشرين؛ في العشرينيات. وبعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، شهدت الجامعة الأميركية إقبالاً ملحوظاً من طلاب سوريا وفلسطين المتحدّرين من عائلات موسرة، مما ينعكس إيجاباً على حركة المطعم. في الثلاثينيات، كثرت الجمعيات السياسية، وطفت على السطح الأفكار الكبرى، فتحوّل المطعم إلى مكان لاصطراع الأفكار والنظريات السياسية، وازدهر النقاش بين الرواد في موضوعات القومية العربية والسورية واللبنانية، وكثيراً ما ارتفعت وتيرته إلى حد الصراخ، غير أنها كانت تنتهي دائماً بـ"تبويس اللّحى". في الأربعينيات والخمسينيات، أدّى تقسيم فلسطين إلى احتدام النقاش السياسي بين الرواد، مما جعل من المطعم "مرآة تعكس الأوضاع العربية بوضوح"، على حدّ تعبير الدكتور ميشال جحا. أمّا في الستينيات والسبعينيات، فقد انصبّ الاهتمام على فلسطين والوحدة العربية وارتاد المطعم قادة حزبيون انخرطوا في الأنشطة السياسية والفكرية. وهكذا، تحوّلت وظيفة المكان من طهو الطعام إلى طهو الأفكار وتصديرها إلى لبنان والعالم العربي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

  

 وبين الوظيفتين وظائف كثيرة نهض بها مطعم فيصل، بين تأسيسه مطلع العشرينيات وإقفاله منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، وهو ما تتناوله الكاتبة في الفصل الرابع من كتابها، استناداً إلى ذكريات مختارة وشهادات حية؛ يُستفاد من الذكريات أنه مؤسّسة اجتماعية (سهيل بولس)، ومدرسة سياسية (سلام الراسي)، ومكان الاستراحة (منى بارودي دملوجي)، ومَعْلَم سياحي (سمير شاهين)، وملجأ الطلاب والأساتذة (ميشال جحا). ويُستفاد من الشهادات أنه وطن عربي صغير (معن بشور)، ومنطلق التظاهرات (فؤاد بو راشي)، وتوأم بيروت (مروان زريقات)، ومنتدى عربي (طلال سلمان)، وملتقى حوار (محمد صباغ)، وأحد رموز المرحلة (سمير صنبر)، وملتقى الشباب الجامعي (كرم كرم)، وملتقى سياسي وفكري (بشارة مرهج). وبناءً على هذه الذكريات المختارة والشهادات الحية، ينطوي في هذا الجرم الصغير  الذي لا تتعدّى مساحته الـ 230 متراً مربّعاً العالم العربي الأكبر.

  لا يمكن إيفاء المطعم حقّه ما لم نشر إلى بعض السمات التي تشكّل علامات فارقة في تاريخه. وحسبنا الإشارة، في هذا السياق، إلى أن اللبناني سعيد عقل كتب فيه نشيد "جمعية العروة الوثقى"، وأن العراقي رزوق فرج رزوق كتب فيه قسماً من رسالته عن الياس أبي شبكة، وأن اللبناني الآخر سعيد تقي الدين مزّق فيه مسرحيته "لولا المحامي" مما أدّى إلى انتشارها ولعبها على غير مسرح، وأن المفكّر منح الصلح كان شخصية محورية في نقاشات المطعم إلى حدّ التلازم بين الشخص والمكان. والمطعم أول من قدّم شراب الكوكاكولا، وكان يقدّم أطيب صحن فول على الفطور، ولم يلجأ إلى الإعلان لاستقطاب الزبائن.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة