Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل اقتربت أميركا وروسيا من إنهاء الحرب في أوكرانيا؟

المعارك أنهكت الجميع ووصلت إلى الجمود لكن طريق السلام مليء بالعقبات

تبادلت كل من موسكو وواشنطن إشارات حول استعداد كل منهما لإنهاء الحرب المريرة (أ ب)

ملخص

يشعر مسؤولو إدارة بايدن بالقلق من استنزاف القوات الأوكرانية بينما يعول بوتين على حدوث تغييرات إيجابية في المشهد الجيوسياسي العالمي.

مع دخول الحرب بين روسيا وأوكرانيا شهرها الـ21 بدا أن موسكو وواشنطن تتبادلان الإشارات حول إمكانية التوصل إلى سلام ينهي المعارك التي أدت إلى مقتل عشرات الآلاف وجعلت ملايين من سكان أوكرانيا لاجئين أو نازحين، وأنهكت اقتصاد روسيا والغرب، فما هذه الإشارات؟ وما الذي يجعل أميركا و"الناتو" يوافقان على إنهاء الصراع في هذا التوقيت؟ وإلى أي مدى يمكن تسوية الخلافات وتخطي الشروط التعجيزية التي وضعتها كل من موسكو وكييف لإنهاء هذه الحرب المأسوية؟

إشارات متبادلة

بعد سقوط نحو نصف مليون جندي ما بين قتيل وجريح خلال حرب أوكرانيا منهم 300 ألف جندي روسي و200 ألف جندي أوكراني وفقاً للتقديرات الغربية، وتحول الانتباه في العالم إلى الصراع في الشرق الأوسط بين إسرائيل و"حماس"، تبادلت كل من موسكو وواشنطن إشارات حول استعداد كل منهما لإنهاء الحرب المريرة التي يبدو أنها وصلت إلى طريق مسدود وأنهكت الجميع عسكرياً واقتصادياً.

ظهرت هذه الإشارات الإثنين الماضي عندما أعلن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو أن موسكو مستعدة لإجراء محادثات حول تسوية ما بعد الصراع في حرب أوكرانيا وترغب في مزيد من التعايش مع الدول الغربية إذا توقفت عن السعي إلى هزيمة بلاده استراتيجياً، وبعدها بأربعة أيام نقلت شبكة "أن بي سي" الإخبارية الأميركية عن مصادر لم تحددها قولهم إن مسؤولين أميركيين وأوروبيين تحدثوا مع الحكومة الأوكرانية الشهر الماضي حول ما قد تنطوي عليه مفاوضات السلام المحتملة مع روسيا لإنهاء الحرب، كما ناقشوا خلال اجتماع لممثلي أكثر من 50 دولة تدعم أوكرانيا، بما في ذلك أعضاء "الناتو"، المعروفة باسم مجموعة الاتصال الدفاعية مع أوكرانيا، الخطوط العريضة لما قد تحتاج كييف إلى التخلي عنه للتوصل إلى اتفاق مع روسيا.

وعلى رغم نفي الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في كييف، تعرض أوكرانيا لضغوط من شركائها لفتح مفاوضات سلام مع روسيا، وأن هذه المفاوضات مستحيلة، وأنه لن يجلس مع روسيا ويمنحهم شيئاً، فإن المسؤولين الأميركيين تحدثوا سراً عن وجهة نظر مفادها أن أوكرانيا أمامها مهلة حتى نهاية العام، أو أكثر قليلاً لبدء مفاوضات السلام، وأن الولايات المتحدة وأوروبا قد يمنحانها ضمانات أمنية تمنع تهديد روسيا لها مستقبلاً حتى لو لم تحصل على عضوية حلف شمال الأطلسي "الناتو".

دوافع روسيا

بالنسبة إلى روسيا قد يكون هذا التوقيت مناسباً للغاية، فقد تكبدت كثيراً من الخسائر العسكرية والاقتصادية، لكنها لم تخسر الحرب ولم تتنازل عن السيطرة على الأقاليم الأربعة التي ضمتها، ونجحت في إفشال الهجوم المضاد الأوكراني الذي راهنت عليه القوى الغربية طويلاً، كما أنها في وضع عسكري جيد يسمح لها بالتفاوض على السلام من فوق أرض صلبة وليست مضطرة إلى تقديم تنازلات كبيرة على طاولة المفاوضات.

وإضافة إلى ذلك يمكن لروسيا أيضاً أن تنهي العقوبات الغربية الشاملة التي أرهقت اقتصادها وتستعيد علاقة مطلوبة مع الغرب من مركز قوة، وفي الوقت نفسه يمكن للرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يدعي النصر في الداخل وأن روسيا لم تنكسر إرادتها في مواجهة "الناتو" الذي كان ولا يزال يسعى إلى هزيمة موسكو مثلما قال وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن حرفياً قبل أكثر من عام.

أسباب أميركا العسكرية

وبالنسبة إلى الولايات المتحدة التي قادت دول "الناتو" لدعم أوكرانيا سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، فإن السعي إلى السلام يمثل اعترافاً بالديناميكيات العسكرية على الأرض في أوكرانيا وسياسياً في الولايات المتحدة وأوروبا، إذ تتزايد المخاوف بين المسؤولين العسكريين الأميركيين والأوروبيين من أن الحرب وصلت إلى طريق مسدود، ويستخدمون الآن مصطلح "الجمود" و"حرب البوصات" لوصف المعارك الحالية، إذ لا يحرز أي من الجانبين خطوات كبيرة في ساحة المعركة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويشعر مسؤولو إدارة بايدن بالقلق من استنزاف القوات العسكرية الأوكرانية وعدم وجود ما يكفي للتعويض بجنود أوكرانيين آخرين للاستمرار في الحرب، بينما تكافح كييف من أجل التجنيد، وشهدت أخيراً احتجاجات عامة حول بعض متطلبات التجنيد المفتوحة التي فرضها الرئيس فولوديمير زيلينسكي، في حين أن روسيا (147 مليون نسمة) يبلغ عدد سكانها ثلاثة أضعاف عدد سكان أوكرانيا (44.6 مليون نسمة)، ولديها إمدادات لا نهاية لها من الجنود الذين يمكن أن تدفع بهم إلى خط المواجهة، وهو ما جعل بعض الخبراء الاستراتيجيين يقولون إن حسم القتال يتوقف على الجانب الذي يمكنه الاحتفاظ بقوة عسكرية لأطول فترة ممكنة.

وبحسب مسؤولين عسكريين أميركيين فإن القوى البشرية الأوكرانية تأتي على رأس اهتمامات الإدارة في الوقت الحالي، لأن الولايات المتحدة وحلفاءها يمكنهم تزويد أوكرانيا بالأسلحة، لكن إذا لم يكن لديها قوات متخصصة لاستخدامها، فلن يكون لديهم القدرة على الاستمرار في الحرب أو تحقيق مكاسب على الأرض، بخاصة أن الآمال تتضاءل في تحقيق مكاسب كبيرة، بما في ذلك الوصول إلى البحر قرب الحدود الروسية.

ويشير مدير مبادرة سكوكروفت الاستراتيجية أندرو ميشتا إلى أن حرب أوكرانيا سلطت الضوء على حقيقة ثابتة وهي أن الصراع بين دولتين تحدده الكثافة العددية للقوات والقدرة على توفير الذخيرة وليست الضربات الدقيقة للأسلحة، وهي الثقافة الدفاعية التي هيمنت خلال السنوات الأخيرة في الولايات المتحدة.

ووفقاً لصحيفة "واشنطن بوست" فقد كثفت روسيا إنتاج قذائف المدفعية، وربما تكون قادرة على مدى العامين المقبلين على إنتاج مليوني قذيفة سنوياً، على رغم أنها أطلقت ما يقدر بنحو 10 ملايين طلقة في أوكرانيا العام الماضي، وقد يتعين عليها الاعتماد على دول أخرى.

ويقدر المسؤولون الأميركيون أن روسيا ستحاول ضرب البنية التحتية الحيوية في أوكرانيا مرة أخرى هذا الشتاء، في محاولة لإجبار بعض المدنيين على تحمل فصل الشتاء القارس من دون تدفئة أو كهرباء وتزيد الضغوط على القيادة الأوكرانية في كييف.

تضاؤل الدعم الاقتصادي

ونظراً إلى عدم إحراز تقدم كبير في ساحة المعركة، فإن ذلك لن يساعد على الأرجح في عكس الاتجاه التنازلي لدعم كييف اقتصادياً وشعبياً، ومن الناحية الاقتصادية، طلب بايدن أن يأذن الكونغرس بتمويل إضافي لأوكرانيا، لكن حتى الآن فشلت الجهود في إحراز تقدم بسبب المقاومة من جانب بعض الجمهوريين في مجلس النواب، وربط البيت الأبيض بين المساعدات المقدمة لأوكرانيا وإسرائيل في طلبه الأخير، وهو ما يحظى بدعم بين بعض الجمهوريين في مجلس الشيوخ، لكن مجلس النواب الذي يسيطر عليه الجمهوريون صوت لصالح حزمة مساعدات لإسرائيل فقط.

وقبل أن تبدأ الحرب بين إسرائيل و"حماس"، أعرب مسؤولو البيت الأبيض علناً عن ثقتهم في أن التمويل الإضافي لأوكرانيا سيمرره الكونغرس قبل نهاية هذا العام، في حين اعترفوا سراً بالمخاوف في شأن مدى صعوبة ذلك.

وكان بايدن يعتزم إلقاء خطاب رئيس حول هذه القضية، لكن بمجرد أن هاجمت "حماس" إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تحول تركيز الرئيس إلى الشرق الأوسط، وتحول خطابه في أوكرانيا إلى خطاب في المكتب البيضاوي حول الأسباب التي تدعو الولايات المتحدة إلى تقديم الدعم المالي لأوكرانيا وإسرائيل، إذ طلب 105 مليارات منها 61 ملياراً لأوكرانيا و14.5 مليار دولار لإسرائيل، وليس من الواضح حتى الآن ما إذا كانت إدارة بايدن ستحصل على ما أرادته من تمويل في شأن أوكرانيا بينما تسابق الزمن مع الجمهوريين لتجنب إغلاق حكومي وشيك بعد الـ17 من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري.

وأنفقت إدارة بايدن 43.9 مليار دولار على المساعدة الأمنية لأوكرانيا منذ الحرب وفقاً للبنتاغون، بينما ما زال يتوفر لدى الإدارة نحو خمسة مليارات دولار لإرسالها إلى أوكرانيا قبل نفاد الأموال، ولن تكون هناك مساعدات متبقية لكييف إذا لم تحصل الإدارة على تمويل جديد من الكونغرس.

تراجع الدعم الشعبي

وتواجه إدارة بايدن مشكلة أخرى تتمثل في تراجع التأييد الشعبي لحرب أوكرانيا، إذ يشعر مسؤولو الإدارة بقدر من عدم الارتياح إزاء قلة الاهتمام العام الذي حظيت به الحرب في أوكرانيا منذ بدء الحرب بين إسرائيل و"حماس" قبل شهر تقريباً، إذ يخشى المسؤولون أن هذا التحول قد يجعل تأمين مساعدات إضافية لكييف أكثر صعوبة.

وأظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة غالوب هذا الأسبوع تراجع الدعم لإرسال مساعدات إضافية إلى أوكرانيا، إذ قال 41 في المئة من الأميركيين إن الولايات المتحدة تفعل كثيراً لمساعدة كييف، مما يعد تغييراً كبيراً عما كانت عليه الحال قبل ثلاثة أشهر فقط عندما قال 24 في المئة من الأميركيين إنهم شعروا بهذه الطريقة، كما بدأت المشاعر العامة تجاه مساعدة أوكرانيا تتراجع في أوروبا كذلك.

هل بوتين مستعد للتفاوض؟

غير أنه على رغم الإشارات التي أطلقها وزير الدفاع الروسي خلال زيارته الصين، فإن المسؤولين الأميركيين ليس لديهم أي مؤشر إلى أن الرئيس فلاديمير بوتين مستعد للتفاوض مع أوكرانيا، ويرون أنه لا يزال يعتقد أنه يستطيع الاستمرار في القتال حتى تفقد الولايات المتحدة وحلفاؤها الدعم المحلي لتمويل أوكرانيا أو يصبح النضال من أجل تزويد كييف بالأسلحة والذخيرة مكلفاً للغاية بحسب مجلة "نيوزويك" الأميركية.

ويرى المحلل الاستراتيجي إيفان فيرستيوك في مقال نشره المجلس الأطلسي في واشنطن أن بوتين يعتقد أن الوقت يقف إلى جانبه في أوكرانيا، ويبدو أكثر ثقة من أي وقت مضى في قدرته على الصمود في نهاية المطاف على عكس الغرب، وهو ما يتضح من استعداداته لحرب طويلة من خلال إقرار موازنة روسيا لعام 2024، التي تتضمن زيادة غير مسبوقة في الإنفاق العسكري إلى نحو ضعف الرقم للعام الحالي.

ويعول بوتين أيضاً على حدوث تغييرات إيجابية في المشهد الجيوسياسي العالمي، ولا شك أن روسيا رحبت علناً بالتحول الأخير في الاهتمام الدولي نحو الصراع بين إسرائيل و"حماس"، وهذا سبب وجيه لتوقع استمرار هذا الاتجاه في عام 2024 مع تزايد ضجر الجماهير العالمية والقادة الغربيين من الحرب في أوكرانيا.

ومع دخول الولايات المتحدة عام الانتخابات يتوقع كثر في موسكو أن يتضاءل التركيز الغربي الحالي على أوكرانيا في الأشهر المقبلة، لكن إذا كان بوتين سيرحب بدعوة من الرئيس الأميركي جو بايدن يقترح فيها صفقة كبرى لإنهاء الحرب، فسيكون أكثر سعادة إذا تريث حتى الانتخابات الرئاسية في نوفمبر المقبل لمعرفة ما إذا كان الرئيس الأميركي الجديد المحتمل مستعداً لتقديم شروط أكثر ملاءمة.

فجوة كبيرة

وحتى مع افتراض أن الطرفين سيقبلان الجلوس على مائدة التفاوض لإحلال السلام، فسيكون الطريق طويلاً وصعباً بالنظر إلى الفجوة الهائلة التي تفصل مواقف الطرفين، وعلى سبيل المثال حدد الكرملين بعض الشروط غير القابلة للتفاوض بالنسبة إلى روسيا، بما في ذلك أن أوكرانيا يجب أن تقبل ضم أربع من المناطق التي ضمتها روسيا في سبتمبر (أيلول) 2022 وهي لوغانسك ودونيتسك وخيرسون وزابوريجيا، وذلك بعد الاستفتاءات التي دعا إليها بوتين واعتبرها المجتمع الدولي غير قانونية.

وفي المقابل قالت أوكرانيا إن أي اتفاق سلام يجب أن يبطل ضم أراضيها في سبتمبر 2022، ويعيد شبه جزيرة القرم، التي ضمها بوتين في عام 2014، كما طرح زيلينسكي في نوفمبر 2022 "صيغة للسلام" مكونة من 10 خطوات لإنهاء الحرب في بلاده وهي: انسحاب القوات الروسية ووقف الأعمال الحربية، وتأكيد نهاية الحرب، ومنع التصعيد، واستعادة العدالة، ومكافحة الإبادة البيئية والإشعاع والسلامة النووية، والأمن الغذائي، وأمن الطاقة، وإطلاق سراح جميع السجناء والمبعدين، وتنفيذ ميثاق الأمم المتحدة واستعادة سلامة أراضي أوكرانيا والنظام العالمي.

في مواجهة ذلك رفض الكرملين مراراً خطة السلام المكونة من 10 نقاط. وقال إنه لا يمكن التوصل إلى اتفاق سلام لا يأخذ في الاعتبار حقائق اليوم في ما يتعلق بالأراضي التي ضمتها روسيا إليها.

المزيد من تقارير