ملخص
لم يكن محمد الكردي يعلم أن اللقاء الذي قضاه مع أسرته هو الأخير، هذه قصة عريس غزة الذي تحول فرحه لمأتم
في ليلة الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني)، كان منزل محمد الكردي بمحافظة رفح جنوب مدينة غزة، يعج بالتهاني استعداداً لزفافه اليوم التالي، وكانت زغاريد أمه تغطي على أصوات الانفجارات المتتالية التي تشنها الطائرات المقاتلة الإسرائيلية.
داخل صالة البيت المتواضع، كانت العائلة تتسامر وضحكاتها تعلو على رغم القصف الإسرائيلي، ففي بيتهم عريس، فجأة ومن دون أي مقدمات تفرقت الأسرة، ذهب محمد إلى غرفته لوحده حيث بذلة زفافه وبعض حقائب الملابس التي سينقلها معه إلى عش الزوجية.
آخر كلمات
وبينما تجهز الجميع في الصالة للنوم فهي تحولت إلى غرفة راحة كبيرة لأسرة محمد ولجميع النازحين الذين وصلوا إليهم بحثاً عن مأوى آمن، وفيما كانوا يستعدون لأن تغفى عيونهم، دخلت والدة العريس على غرفة ابنها وخاطبته "سنفرح بك غداً، هكذا هي فلسطين منذ الأزل، شخص يفقد حياته والآخر يتزوج".
كانت هذه الكلمات آخر ما سمعها محمد من أمه، إذ فور مغادرتها للغرفة، أسقطت الطائرات المقاتلة الإسرائيلية قنبلة ضخمة على بيته، دمرت أجزاء كبيرة من منزله، وحولت جميع أفراد أسرته باستثنائه إلى أشلاء وضحايا.
ذكريات
سرقت القنبلة الإسرائيلية فرحة محمد، الذي فقد أمه وأباه وجميع إخوانه الخمسة وأخواته الثلاثة وأربعة أطفال، وخمسة من أقاربه النازحين لبيته، فيما نجى لوحده من هذه الغارة التي أجلت حفل زفافه إلى موعد مجهول، وحولت حياته رأساً على عقب.
لم يكن يعلم محمد الحزين أن اللقاء الذي قضاه مع أسرته هو الأخير، وأن ليلة استعداده لفرحه ستكون ليلة وداعه لجميع سلالته، يقول "ماما كانت بجانبي في النهار، وذهبنا إلى السوق لقد اشترت لي أغراض زفافي، وفي الليل سمعت زغاريدها، لكن لم أحضنها، لقد ذهبت للأبد".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مع بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، ضغطت والدة محمد على ابنها العريس كثيراً من أجل التعجيل بالزواج، لكنه كان يرفض ذلك حداداً على أرواح الضحايا في مدينته المنكوبة، ومع إصرار أمه ونزولاً عند رغبتها قرر الزواج وسط الدمار والصواريخ.
يقول محمد "كانت أمي تتمنى أن تراني عريساً، ألحت على أهل خطيبتي من أجل ذلك"، كانت تقول لي "محمد بدي أشوفك في الكوشة وبعدها أموت، عشان خاطري لازم تتزوج، يا ماما غزة بدها العريس والشهيد، العريس لازم يجيب نسل عشان بلده".
على رغم القصف والقنابل التي تسقط من الطائرات المقاتلة الإسرائيلية، كانت أم محمد تنزل يومياً إلى السوق لشراء ما يلزم من مستلزمات لفرح ابنها الذي سيزف عريساً تحت صوت المتفجرات، وكانت تخطط أن تجعل الزغاريد أعلى وأقوى من ضجيج آلات الحرب العسكرية.
حقائب الزفاف
استجاب الشاب لأمه ووضع خطة فرحه أن تكون على بأبسط ملامح للفرح، وقرر أن يذهب لبيت خطيبته ويصفق مع أهلها ويسمع زغاريد أمه وحماته، ويأخذ بيده عروسته إلى منزله، لكن هذا بقي مجرد حلم ولم يكتب له أن يتحقق، فالقدر كان له كلمة أخرى.
قتلت الغارة الإسرائيلية عائلة محمد ودمرت أجزاء من شقته، لكن صمدت غرفة العريس التي كان ينوي أن يحولها لعش زوجية، كما لا يزال جهاز العروس وحقائب الزفاف ثابتة في مكانها وتعلوها غبرة القنابل المتفجرة.
"أمام عيني راحت أمي وأبوي وأهلي، وما قدرت أنقذهم، راحت العائلة وبقي عفش البيت، يعني أخذوا مني أهلي وتركوا لي أغراض الزفاف، لا أعرف إذا أضحك أو أبكي، أضحك لأنه ما زال هناك شيء ذكرى من أهلي، أم أبكي لأن هذه الشنط ستذكرني بما حدث"، يضيف العريس.
الصلاة لأجل العريس
حائر محمد لدرجة أنه اقترب أن يصاب بالجنون، ولم يجد ما يفعله سوى أن يمسك المصحف في يده اليمنى، وبعض أغراض عرسه في اليسرى، تشجع الشاب وخرج من غرفته، ووقف أمام أكفان أفراد أسرته، وخلفه اصطفت نساء جيرانه اللاتي اتشحن بالسواد يصرخن من هول ما حدث، وإلى جانبه كان يقف شباب مدينته يحاولون مواساته في مصابه الجلل.
لم يستطع محمد الصمود عند مشاهدته جثامين أسرته، وانهار باكياً، وأبكى من حوله، "تحولت ساعات فرحي إلى مأتم، والكوشة أصبحت ركاماً بين حطام المنزل"، قال الشاب الذي كان يبكي بحرقة.
تحولت عائلة محمد إلى أرقام، ومسحت جميعها من السجل السكاني المدني، كما باقي الضحايا الذين سقطوا في الحرب الحالية بين حركة "حماس" وإسرائيل."ما أطلبه هو الدعاء لي بالصبر والصلاة من أجل عائلتي وانتهاء الحرب غير العادلة" هذا ما يرجوه العريس الذي يتمنى أن يعيش إلى الوقت الذي تنتهي فيه هذه الحرب المدمرة الساحقة.