تحركات "مكوكية" للرئيس الأميركي تقود إلى تهدئة التوتر التجاري

دونالد ترمب يعلن عن اتفاقات جديدة... وبكين مستعدة للتفاوض

الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ضمن لقاءاته ومشوارته الواسعة في قمة السبع الكبار بفرنسا (أ.ف.ب.)

أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أن الولايات المتحدة سوف تستأنف "قريباً جداً" المفاوضات التجارية مع الصين، بعد تصعيد جديد في التوتر في الأيام الأخيرة بين القوتين الاقتصاديتين الأوليين في العالم.

وقال ترمب، على هامش قمة مجموعة السبع المنعقدة حالياً في بياريتس في جنوب غرب فرنسا "اتصلت الصين الليلة الماضية وقالت لنعد إلى طاولة المفاوضات، إذاً سنبدأ التفاوض من جديد قريباً جداً"، مؤكدا "إنهم (أي الصينيين) يريدون التوصل إلى اتفاق".

وخلال الأيام الماضية، شهدت التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين تصعيداً بعد قرارات جديدة للرئيس الأميركي تستهدف جمع المزيد من الرسوم الجمركية التي واصل فرضها على المنتجات الصينية.

وفي المقابل، تواصل الصين ردودها على قرارات "ترمب" بشكل سريع وعنيف، ما كان يدفع إلى عدم وجود ما يشير إلى توقف الحرب التجارية بين البلدين على المدى القريب.

بكين تبدي استعدادها لاستئناف المفاوضات

وأبدى كبير المفاوضين الصينيين استعداده لمواصلة المحادثات مع واشنطن سعيا للتوصل إلى اتفاق تجاري رغم احتدام الحرب التجارية بين البلدين، وفق ما نقلت مجلة مالية اليوم الاثنين.

وقال نائب رئيس الوزراء الصيني، ليو هي، في كلمة "إن الصين على استعداد لتسوية المشكلة بهدوء من خلال المشاورات والتعاون"، بحسب ما أوردت مجلة "كايشين". وتابع "إننا نعارض بحزم تصعيد الحرب التجارية" الذي لا يصبّ في صالح "أي من الصين والولايات المتحدة وشعوب العالم".

واحتدمت الحرب التجارية بين القوتين الاقتصاديتين الأوليين في العالم الجمعة مع تهديد الصين برفع الرسوم الجمركية على واردات سنوية من المنتجات الأميركية بقيمة 75 مليار دولار.

وردّت واشنطن على الفور بالإعلان عن زيادة أكبر مما كان مقررا في الرسوم الجمركية المشددة على المنتجات الصينية التي ستدخل حيز التنفيذ في سبتمبر (أيلول) ثم في ديسمبر (كانون الأول).

كما أثار الرئيس الأميركي دونالد ترمب توترا في أوساط الأعمال الأميركية بعدما دعا الشركات إلى وقف التعامل مع الصين.

وردا على ذلك، أكد "ليو" أن الصين تودّ "استقبال المستثمرين من العالم بأسره بما في ذلك الولايات المتحدة". ووعد بأن تواصل بكين "إحلال أجواء مواتية للاستثمارات وحماية الملكية الفكرية ومعارضة العراقيل التكنولوجية والحمائية".

وتقترن الحرب التجارية بين البلدين منذ أكثر من عام بمواجهة على الصعيد التكنولوجي، تتركز حول شركة "هواوي" الصينية العملاقة للاتصالات، التي تحتل المرتبة الثانية في العالم لشركات الهواتف النقالة. وتعتزم إدارة ترمب منع الشركات الأميركية من تزويد المجموعة بالمعدات للاشتباه بأنها تقوم بأنشطة تجسس لصالح بكين، وهو ما تنفيه شركة "هواوي".

وتندد واشنطن بالفائض الهائل في الميزان التجاري بين البلدين لصالح الصين، وتتهم بكين بفرض عمليات نقل تكنولوجيا قسرية على الشركات الأميركية وبالتعدي على الملكية الفكرية الأميركية.

دونالد ترمب يعلن ندمه على عدم فرض رسوم أكبر

وبعدما ألمح "ترمب"، في وقت سابق، إلى إمكانيّة تليين موقفه، معلنا أنه "يعيد التفكير مليا في جميع المواضيع"، أوضحت المتحدثة باسمه ستيفاني غريشام "سُئل الرئيس ترمب عما إذا كان يرغب في تغيير موقفه بشأن تصعيد الحرب التجارية مع الصين، وقد فُسّرت إجابته بشكل خاطئ"، وأضافت "ردّ الرئيس ترمب بالإيجاب لأنه نادم على عدم رفعه الرسوم الجمركية بشكل أكبر".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والتنازل الوحيد الذي قدمه الرئيس الأميركي، بحسب ما أوضح وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشن في بياريتس، هو أن لديه صلاحيات ليطلب من الشركات الأميركية وقف تعاملاتها التجارية في الصين، لكنّه "لم يفعل ذلك".

وتتصاعد الحرب التجارية بين القوتين الاقتصاديتين الكبريين في العالم منذ التدابير الأولى التي اتخذها ترمب في مارس (آذار) من العام 2018 بحق الصين مستهدفا الصلب والألومنيوم برسوم جمركية مشددة، مع المجازفة بإثارة بلبلة اقتصادية كبرى.

وأعلنت بكين، الجمعة الماضية، عن تدابير جمركية جديدة تستهدف منتجات أميركية بقيمة 75 مليار دولار، فردت واشنطن على الفور بزيادة الرسوم الجمركية من 25 إلى 30% على 250 مليار دولار من البضائع الصينية. أما باقي الواردات من الصين وقيمتها 300 مليار دولار، فسوف ترفع الرسوم عليها من 10 إلى 15%.

وتوعدت بكين يوم السبت الماضي بأن الولايات المتحدة ستتحمل "عواقب" هذه "المضايقات" المستمرة والتي لم تعد تتوقف عند حد فرض الرسوم الجمركية، بل وامتدت إلى قطاع الشركات.

الرئيس الأميركي يكشف عن أجندته التجارية

في نفس السياق، اغتنم الرئيس الأميركي دونالد ترمب قمة مجموعة السبع لدفع أجندته في مجال التجارة، بين الإعلان عن اتفاق تجاري "كبير جدا" مع اليابان وإطلاق وعود بمستقبل مزدهر مع بريطانيا، متجاهلا في المقابل دعوات شركائه لخفض التصعيد في حربه التجارية مع الصين.

وقال ترمب مبتسما إلى جانب رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي إنهما توصلا إلى "اتفاق كبير جدا".

وفي ختام أحد تلك اللقاءات الثنائية التي ترافق محادثات قادة الدول الصناعية الكبرى السبع المجتمعين حتى اليوم الاثنين في منتجع بياريتس بجنوب غرب فرنسا، أعلن ترمب أمس الأحد أنه تم التوصل إلى اتفاق تجاري "مبدئي" بين واشنطن وطوكيو.

رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي قال "توصلنا إلى توافق" بعد "مفاوضات مكثفة، لكن ما زال علينا القيام ببعض العمل، ولا سيما للتوصل إلى الصيغة النهائية للاتفاق" الذي يغطي قطاعي الزراعة والتجارة الإلكترونية.

وأوضح الرئيس الأميركي أنه بعد "5 أشهر من المفاوضات" قد يتم التوقيع رسميا بالأحرف الأولى على النص خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) المقبل، واصفا الاتفاق بأنه "مهم".

وندد الرئيس الأميركي مرارا بـ"الخلل الهائل" في الميزان التجاري الثنائي لصالح اليابان داعيا إلى علاقات "أكثر توازنا".

واتفق المفاوضون بصورة خاصة على خفض الرسوم الجمركية على اللحوم الأميركية المستوردة إلى اليابان، لقاء إلغاء الولايات المتحدة الرسوم الجمركية على عدد كبير من المنتجات الصناعية المستوردة من اليابان، غير أنها ستبقي في الوقت الحاضر الرسوم الجمركية على السيارات على أن يتم بحثها لاحقا، وفق ما أفادت شبكة "إن إتش كاي" التلفزيونية اليابانية.

الولايات المتحدة واتفاق "كبير جداً" مع بريطانيا

في سياق متصل، عقد الرئيس الأميركي لقاء مع رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون مع التلويح باتفاق تجاري "كبير جدا".

وقال ترمب مبديا تقاربه مع جونسون الذي يحضر قمة مجموعة السبع عازما على الدفاع عن (بريكست) "إنه الرجل المناسب للمهمة".

ووعد بريطانيا بـ"اتفاق تجاري كبير جدا على وجه السرعة، أكبر من أي اتفاق سابق" بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في 31 أكتوبر (تشرين الأول).

من جانبه، أكد جونسون أن البلدين سيتوصلان إلى "اتفاق تجاري رائع فور إزالة العقبات"، في حين أن لندن بحاجة ماسة لمثل هذا الاتفاق لامتصاص الصدمة التجارية المرتقبة جراء "بريكست".

اليوان الصيني يواصل النزيف مقابل الدولار

وانعكست التصريحات العنيفة من الجانبين الأميركي والصيني على سوق العملات، حيث سجّل اليوان الصيني تراجعا إلى أدنى مستوى له مقابل الدولار الأميركي منذ نحو 11 عاما، وسط مخاوف متعلقة بالحرب التجارية التي تهدد أيضا بحصول ركود عالمي، وهو ما ألقى بثقله على الأسواق المالية.

وتراجع سعر صرف اليوان إلى 7.14 مقابل الدولار، وهو المعدل الأدنى منذ بداية عام 2008 في التعاملات الآسيوية.

وتضع الصين قيودا على تحويل اليوان الذي لا يمكن صرفه بحرية، فالحكومة تحدّ من تقلباته مقابل الدولار ضمن هامش 2 بالمئة صعودا أو هبوطا من السعر المرجعي الذي يحدده البنك المركزي الصيني كل يوم.

وخلال الأسابيع الماضية، كان بنك الشعب الصيني يقوم بخفض اليوان بشكل ثابت، وحدده الاثنين عند مستوى 7.057 مقابل الدولار. والسماح بخفض قيمة اليوان يجعل الصادرات الصينية أرخص ويعوض بعض العبء الناتج عن الرسوم العقابية الأميركية.

وتخطى اليوان عتبة الحد الأدنى 7.0 مقابل الدولار في وقت سابق من شهر أغسطس (آب) الماضي، بعد أيام من إعلان الولايات المتحدة عن خطط لفرض رسوم جمركية جديدة على السلع الصينية اعتبارا من الأول من سبتمبر (أيلول) المقبل.

ودفع هذا التراجع عن عتبة 7.0 بواشنطن إلى اتهام بكين بأنها "تتلاعب بالعملة"، لكن البنك المركزي الصيني "عارض بحزم" هذا التوصيف.