الشعبوية والعنصرية وما بينهما

أوصلت الكراهية اليمين المتطرف في دول أوروبية إلى الحكم

العنصرية قتلت في مدينة الباسو الأميركية أكثر من 20 شخصاً (أ.ف.ب)

 الإعلاميون قادرون "بخبث" على قلب الحقائق متى شاؤوا، واختراع تسميات ومسميات لا تعكس المعنى الحقيقي لكلمة ما أو لعبارة ما، وهو ما يسمى التورية اللغوية والتغطية على الوصف لشيء أو ظاهرة معينة بالسياسة أو بغيرها من المجالات.

 فالإرهابي الأبيض الذي يقتل الأجانب في سوق عام، أو في مساجد للمصلين المسلمين أو بحانة يرتادها أصدقاؤه وأقرباؤه، كما حدث بتكساس ونيوزيلندا وأوهايو على التوالي، يقال عنه فوقي أبيض، دافعه الكراهية ومختل عقلياً، لكن الذي يرتكب عملاً دموياً شنيعاً كهؤلاء واسمه محمد أو علي فهو إرهابي ومسلم متطرف، والواقع أن جوهر هذه الجرائم واحد، أو بمعنى أدق فإن دافع هذه الجرائم عنصران هما الكراهية للآخر الذي "بإزاحته عن الوجود ستصبح الحياة أفضل"، وإن لم تكن في الحياة الدنيا، فهي في الآخرة حيث جنات النعيم.

وتنبع هذه الكراهية للآخر بسبب الشعور بالتفوق: أنا أفضل منه عنصراً، أو أفضل منه ديناً أو قومية أو عرقاً أو طبقة كما في النظام الطبقي بالمجتمع الهندي.

والعنصر الآخر الذي يشكل هذا الدافع لارتكاب هذه الجرائم والمذابح هو الخوف من الآخر الذي يشكل خطراً على مرتكب هذه الجرائم: فهو يشكل خطراً على رزقه أو دينه أو "حضارته" وتفوقه العرقي العددي.

 وعالمنا اليوم تجتاحه سياسة الكراهية، وقد أوصلت هذه الكراهية اليمين المتطرف في دول أوروبية إلى الحكم، كما كانت عاملاً مهماً وراء وصول الرئيس دونالد ترمب إلى رئاسة الولايات المتحدة، ولكن هؤلاء المتطرفين أو العنصريين اليمينيين، لا يسميهم الإعلام بأسمائهم الصحيحة، أي عنصريين متطرفون، ولكنه اخترع لهم تسمية جديدة: الشعبوية (POPULISM) فهم شعبيون وحسب.

 وأظن ظاهرة الشعبوية، لم تبلغ مداها بعد، وقد نشهد جرائم قتل جماعية أشد بشاعة مما ارتكب تزامناً مع تصاعد خطاب وظاهرة الشعبوية. البعض يلوم خطاب شعبوية ترمب بأنه وراء مذبحة تكساس، ويلوم الهجمات الجماعية على اللاجئين السوريين بتركيا على تبدل خطاب أردوغان وميله نحو مزيد من الشعبوية وخصوصاً بعد خسارته إسطنبول.

 ويشار بأصابع الاتهام إلى الإرهاب "الإسلامي" كمحرك للهجمات العنصرية والإرهابية ضد المهاجرين المسلمين بدول الغرب عموماً. لكنني أظن أن الشعبوية - العنصرية لا تستطيع أن تصمد على المدى البعيد في وجه الحاجة الاقتصادية للتعايش وتقبل الآخر. فالقوانين تفرض في معظم دول العالم لمنع خطاب الكراهية وتجريمه من أجل التعايش السلمي والانتعاش الاقتصادي. 

 يتطلب الاقتصاد علاقات جيدة مع العملاء - سواء الأشخاص أو الدول، ومبدأ "تصفير" المشاكل السياسية الذي تبناه الداهية الأكاديمي وزير خارجيتها ورئيس وزراءها السابق أحمد داوود أوغلو، كان وراء الانتعاش الاقتصادي الذي عاشته تركيا حتى طرد واستفرد الرئيس رجب طيب أردوغان بالسلطة، وعادت مشاكل تركيا السياسية مع جيرانها وإقليمها وحلفائها في الناتو وأوروبا، ما أدى إلى تراجع الليرة التركية وتراجع الأداء الاقتصادي عموماً.

يتطلب الاقتصاد السياحي الاستقرار والأمن، فالمناطق التي تعج بالمشاكل السياسية والأمنية وعدم الاستقرار، لن تكون جاذبة للزائر. فمن يريد أن يزور هونغ كونغ مثلاً هذه الأيام؟

وتجمع الرياضة البشرية من أقصى الأرض إلى أقصاها، وأصبحت كرة القدم الأكثر شعبية في العالم، مصدراً مهماً للدخل والاقتصاد بل وحتى المكانة السياسية للدول، لذلك يحرص منظموها على محاربة العنصرية فيها ومعاقبة الأندية التي تهتف جماهيرها هتافات عنصرية. فالعنصرية ضارة باللعبة ودخلها وإعلاناتها وتجارتها الرائجة.

الأمثلة على العنصرية وكره الآخر، أطول من أن تخطها مقالة، وعالمنا وبلداننا العربية تعج بأمثلة العنصرية وكراهية الآخر بيننا لأنه يختلف معنا قبلياً أو طائفياً أو إقليمياً، لكننا ننكر في الغالب وجود هذا الشعور المقيت بيننا، ونسارع إلى توجيه أصابع الاتهام بالعنصرية وكره الآخر إلى الآخرين.

ومثلما يلقي بعض العرب بمصر ولبنان والأردن، اللائمة على اللاجئين السوريين بسبب الضائقة الاقتصادية التي تعانيها بلدانهم، نجد بعض الكويتيين يعلقون على الوافدين أسباب تردي الخدمات وانتشار الفساد، ويمارسون لغة عنصرية ضد الوافدين بالإعلام الاجتماعي.

 التنصل من عنصريتنا وإنكارها لن يخفيا حقيقة انتشارها ونموها، واتهام الآخرين كمحاولة لصد الأنظار عن واقعنا العنصري المزري وتخلفنا الإداري والسياسي، لن يجدي نفعاً.

المزيد من آراء