Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ضياع شعب مع نهاية معركة استقلال ناغورنو قره باغ

مع نزوح أكثر من 100 ألف أرميني وهربهم من موطنهم، عابرين الحدود الجبلية المغبرة لإقليم ناغورنو قره باغ، وضعت مراسلة "اندبندنت" تقريراً عن محنة شعب اعتبر أن العالم تخلى عنه

مراهقة من ناغورنو قره باغ تبكي أثناء عبورها الحدود إلى أرمينيا (بيل ترو)

ملخص

سقط مشروع استقلال ناغورنو قره باغ  واللاجئون متروكون لمصيرهم

خسرنا المعركة وضاعت كل الآمال. تتردد هذه اللازمة على لسان [أفراد] العائلات الأرمينية، بينما يخطون خطواتهم الأخيرة عبر الحدود، خارجين من موطنهم ناغورنو قره باغ.

فخلال مدة قصيرة لا تتجاوز بضعة أيام، حمل الرحال أكثر من 100 ألف شخص، أي ما يمثل مجمل السكان الأرمينيين تقريباً في الإقليم الانفصالي، خشية تعرضهم للتمييز العرقي والاضطهاد على يد القوات الأذرية. [ومع ذلك،] لم يحرك العالم ساكناً. وعلى وقع هذا النزوح الرهيب تبددت دولة معلنة من طرف واحد كافح ومات الآلاف في سبيلها، وطوي فصل من التاريخ دام عقوداً.

والسبت [الماضي]، اجتاز الطريق الجبلية المغبرة التي توصل إلى دولة أرمينيا المجاورة، ما تبقى من أشخاص خاضوا رحلة صعبة [على الطرقات الوعرة]، لبلوغ بر أمان، بعد أيام من الانتقال [الرحيل والنزوح].

من بين هؤلاء أفراد عائلة تسوفينار، الذين التصقوا بعضهم ببعض داخل سيارة ذات باب خلفي اخترقها وثقبها الرصاص، وجلس فيها سبعة أقرباء من أسرة واحدة مكدسين على المقعد الخلفي. وعندما حاولت الأم، هاسراتيان، وهي في سن الـ48، فهم ما حصل في الساعات الـ48 الماضية، أجهشت بالبكاء. فثمة فكرة واحدة لم تكن لتفارقها، وهي أنه من الآن فصاعداً، لن يسعها زيارة قبر شقيقها الذي قتل في جولة قتال سابقة.

"هو الآن مدفون في قريتنا، الخاضعة اليوم لسلطة أذربيجان. ونحن لن نتمكن يوماً من العودة"، هذا ما قالته السيدة، وهي أم لثلاثة أولاد، بينما [وقفت] بناتها المراهقات إلى جانبها ورحن يبكين بصمت.

"لقد خسرنا منزلنا، ووطننا. وما يحصل هو إبادة شعب، في حين وقف العالم موقف المتفرج وتخلى عنا".

قاطع كلامها دوي صفارات عدد من سيارات الإسعاف، تقدمت مسرعة في الاتجاه المعاكس نحو قره باغ تحديداً نحو ستيباناكيرت، المدينة الأبرز في الإقليم، وتعرف أيضاً باسم خاكندي في أوساط القوات الأذرية التي تحكم اليوم القبضة على شوارع [المدينة]. وشاغلها العثور على قلة متبقية من أرمينيي قره باغ، ممن يريدون الرحيل ولم يتسن لهم بعد الخروج.

 

نادانا أحد المسعفين عبر نافذة [سيارة إسعاف] قائلاً: "لم يبق غير الفقراء ممن لا يملكون سيارات، والمعوقين والمسنين الذين يصعب عليهم التنقل" وتابع "لم يبق أحد سواهم، هذا ما قيل لنا".

وبينما يسلط العالم الضوء على الجمعية العامة للأمم المتحدة، والحرب في أوكرانيا، وقطع شجرة قيقب ذات رمزية كبيرة في المملكة المتحدة، لم يتنبه أي كان إلى اندلاع من جديد حرب عمرها عقود في هذا المكان.

وفي النهاية، جاءت [هذه الحرب] لتؤذن بنهاية الإقليم الأرميني الانفصالي ناغورنو قره باغ، المعترف به دولياً كجزء من أذربيجان، مع أنه استمتع باستقلال فعلي على مدى عقود. وأدت إلى أكبر نزوح لسكان جنوب القوقاز منذ انهيار الاتحاد السوفياتي.

ولطالما أنكرت أذربيجان بشدة [المزاعم التي تفيد] بأنها تحرض على التطهير العرقي، حتى إنها قطعت وعداً بحماية الأرمينيين وسط مساعيها الهادفة إلى إعادة دمج الإقليم [بدولة أذربيجان].

لكن في بلدة غوريس الحدودية، ومع وصول مئات اللاجئين في خضم فوضى عارمة، قال وزير البنية التحتية في أرمينيا إن يريفان تكابد اليوم صعوبات لمعرفة ما هي فاعلة بعشرات آلاف النازحين الذين أصابهم اليأس الشديد.

وأبلغ الوزير غنيل سانوسيان صحيفة "اندبندنت" مع وصول أربع حافلات جديدة تقل عائلات هاربة [ومرورها] خلفه: "[ما يحصل] ببساطة هو تطهير عرقي حديث، سمح صمت العالم الآثم بحصوله".

"يا له من عار دولي، وعار على العالم. تمس الحاجة إلى تدخل المجتمع الدولي، بل إلى تدخله فوراً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تعود جذور الانقسامات في هذا الجزء من العالم إلى نزاع قديم مستمر منذ قرون، لكن أحدث تداعياته الدامية والمريرة تعود إلى حقبة انهيار الاتحاد السوفياتي. وما حصل هو أن أرمينيي قره باغ، الذين يشكلون غالبية في هذا الإقليم، طالبوا بالحق في الحكم الذاتي في هذه المنطقة الجبلية الممتدة على مساحة 4400 كيلومتر مربع التي تمتلك تاريخاً ولغة محلية خاصين بها. وفي مطلع تسعينيات القرن العشرين، انتصروا في حرب دموية ونجحوا في إقصاء الأذريين، ثم أسسوا دولة أرض واقع لم تحصل على أي اعتراف من المجتمع الدولي.

وساد هذا الوضع حتى عام 2020، عندما شنت أذربيجان هجوماً عسكرياً بدعم من تركيا، واستعادت مساحات شاسعة خلال حرب دامت ستة أسابيع وأدت إلى مقتل آلاف الجنود والمدنيين. وكانت روسيا، التي دعمت أرمينيا أصلاً، مع أنها تحولت في السنوات الأخيرة إلى حليفة أكثر فتوراً، قد توسطت في هدنة هشة ونشرت قوات حفظ سلام [في الإقليم].

بيد أنه في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تعذر على موسكو كبح جماح باكو التي فرضت حصاراً لمدة 10 أشهر على ناغورنو قره باغ، وحرمت الإقليم من المواد الغذائية والوقود وإمدادات الكهرباء والمياه. وآنذاك، لم يحرك المجتمع الدولي ساكناً حين شنت أذربيجان هجوماً عسكرياً خاطفاً استمر 24 ساعة وتفوقت خلاله على قدرات القوات الانفصالية الأرمينية. فما كان أمام هذه القوات [الأرمينية]، التي أضعفها الحصار وتفوق عليها [الأذريون] بعديد [الأسلحة] والعداد، سوى الصدوع ورمي السلاح.

على امتداد 30 عاماً، بقيت سلطات قره باغ صامدة في وجه ضغوط القوى الدولية [الرائدة] للتخلي عن مشروع الاستقلال أو في الأقل كبح طموحاتها في ناغورنو قره باغ. وعلى امتداد 30 سنة، بقيت خطط السلام التي توسطت فيها دول العالم حبراً على ورق.

وبعد ذلك، وفي غضون أسبوع واحد فقط، اندثرت جميع الآمال، ووافقت حكومة الدولة المعلنة من طرف واحد على فرط عقدها.

 

 

ووسط مخاوف من مزيد من القصف والعمليات الانتقامية العنيفة آنذاك، ومع ورود أخبار حول إقدام قوى الأمن الأذرية على اعتقال عدد من مسؤولي [إقليم] قره باغ، بما يشمل وزراء سابقين وقادة انفصاليين، تدفق الناس [هاربين] عبر الحدود.

وعلى المستوى السياسي، تجري مفاوضات حول موضوع "إعادة الدمج" و[إرساء] "السلام"، لكن مع بقاء قلة قليلة من الناس فقط في ناغورنو قره باغ، ستكون أية عملية [من هذا القبيل] عبثية وعديمة الجدوى.

 

 

وهكذا، نرى اليوم عائلات مصدومة تنام في خيم على أرضيات الفنادق والمطاعم وأحياناً في شوارع البلدات الحدودية، ولا تملك إلا حداً أدنى من ممتلكاتها الشخصية، وتحاول إعادة بناء حياتها.

من بين هؤلاء فاردان تاديفوسيان، الذي كان وزير صحة ناغورنو قره باغ إلى أن تم حل الحكومة فعلياً الخميس الماضي. وقد أمضى [هذا الأخير] الليل في خيمة على أرضية أحد الفنادق، ولم يجلب معه إلا الثياب التي كان يلبسها. وقال وقد بدت عليه علامات الإرهاق: "لا أملك أدنى فكرة عما يحمله المستقبل".

وصرح قائلاً، بينما بقي هاتفه يرن باستمرار في الخلفية على امتداد المقابلة: "طوال 25 عاماً، شرعت في بناء مركز إعادة تأهيل لذوي الإعاقات الجسدية، وقد أرغمت على تركه. ومن ثم لا يمكنكم تصور عدد الأشخاص الذين يتصلون بي للمساعدة".

وكرر قائلاً وسط تنهيدة: "تركنا جميعاً كل ما نملكه. وأنا محبط كثيراً".

إلى جانبه، وقفت أرتيميس، وهي منسقة دار حضانة عمرها 58 سنة. وقد أمضت [هذه الأخيرة] 30 سنة من عمرها في [مدينة] ستيبارانكرت. وأكدت أن المشكلات الحقيقية ستبدأ في الأسابيع المقبلة، عندما يمكث اللاجئون أكثر من المتوقع [طويلاً] في مساكنهم الموقتة.

وبينما كانت تستعد لمرحلة جديدة من رحلتها إلى عاصمة أرمينيا حيث تأمل العثور على مأوى، تساءلت قائلة: "قال الأذريون إنهم يريدون دمج ناغورنو قره باغ، لكن كيف يحاصرون شعباً طوال 10 أشهر، وبعد ذلك يشنون هجوماً عسكرياً عليه، ومن ثم يطلبون منه الاندماج؟".

"لقد شكل الحصار حلقة من حلقات التطهير العرقي. فهو السبيل الوحيد لحث الناس على الهرب من الأرض التي يحبونها. لم يعد هناك أي مكان للإنسانية في العالم".

في الساحة الرئيسة لبلدة غوريس، حيث راحت العائلات تختار ما يلزمها بين أكوام من الملابس والبياضات المتبرع بها، وحيث عمدت منظمات الإغاثة إلى توزيع الطعام، صدح سؤال عالياً: ماذا [ينتظرنا] بعد؟

والحال أن المسؤولين الأرمينيين منهمكون بتسجيل العائلات وبإرسالها إلى ملاجئ في شتى أرجاء البلاد، لكن أسئلة كثيرة تبقى من دون إجابة حول مكان إقامة هؤلاء وعملهم ودراستهم على المدى الطويل.

"لا يسعني التفكير في الموضوع، فهذا مؤلم للغاية"، وفق ما أفادت ليلت، ابنة هاسراتيان البالغ عمرها 16 سنة، وهي ترتجف تحت أشعة الشمس بينما كانت عائلتها تباشر في عملية التسجيل.

"لا يسعني إلا أن أطلب من العالم الالتفات إلى ما يحصل وإعلاء الصوت والتفكير بنا [بمصيرنا]. فنحن بشر، وأشخاص من لحم ودم، مثلكم تماماً، ونحتاج إلى مساعدتكم".

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات