Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مكتبة "العالم الثالث"... إرث التثقيف والمطالعة في الجزائر

منارة أدبية شيدت قبل 58 عاماً وكبار الكتاب والمؤلفين مروا إلى الشهرة من خلالها

مكتبة "العالم الثالث" من المكتبات النادرة التي تنظم ملتقيات فكرية وأدبية (اندبندنت عربية)

في مكان يعج بالذكريات في ساحة الأمير عبدالقادر الجزائري (1808-1883) وبمحاذاة مقهى "ميلك بار" الشعبي المرتبط بالذاكرة الثورية للجزائر، الذي وضعت فيه المناضلة زهرة ظريف بيطاط قنبلة عام 1956، رداً على جرائم المستعمر الفرنسي، تقع مكتبة "العالم الثالث" أعرق المكتبات في الجزائر.

تمنح المكتبة لقرائها فرصة العيش وسط الكتب، فبين رفوفها التي تتزين بمؤلفات لكتب تلامس مجالات الحياة بمعانيها المختلفة، ينفصل القارئ عن العالم الخارجي بحركة لا تتوقف من الناس والسيارات في أشهر ساحات الجزائر العاصمة التي يقصدها كثيرون.

تاريخ نضال

عند دخول الزوار إلى المكتبة يصادفهم عبدالرحمن علي باي، الذي يستقبل الزبائن بابتسامة تعكس ارتباطه بالمكان وحبه له، وهو ما عبر عنه قائلاً "إنها جزء مهم من حياتي، قضيت فيها كل عمري تقريباً لدرجة أن زوجتي تنزعج أحياناً لوقتي المكرس للمكتبة".

وخاض علي باي نضالاً من أجل استمرار نشاط المكتبة وإسهامها في إثراء الحياة الأدبية في الجزائر، وفي لقائه مع "اندبندنت عربية" يسرد أهم المحطات التاريخية التي مر بها هذا الفضاء الثقافي.

وتستمد المكتبة التي تأسست سنة 1965 اسمها من المصطلح الذي راج في ذلك الوقت، وهو "العالم الثالث"، فيما معناه الرغبة في النمو والتطور والتحرر، إذ كانت المكتبة تابعة للمؤسسة الوطنية للنشر والتوزيع (حكومية)، التي لها حصرية استيراد الكتب بحراً، وهو الزمن الذي سمح بأن يكون الكتاب في متناول كل من يرغب في تغذية فكره بالعلم والمعرفة.

حينها لم تكن الجزائر تستورد الكتب فقط، وإنما حتى المجلات والصحف العالمية، وتضعها بين يدي القارئ الجزائري في يوم الإصدار نفسه ليطلع على ما يجري من أخبار في العالم، ويقول جزائريون، إن ذلك العصر كان الأجمل تعد فيه الجرائد والمجلات مصدراً مهماً للمعلومات ورصد مختلف الأحداث.

 

 

وأدارت المؤسسة أكثر من 60 مكتبة في مختلف مناطق البلاد، وتقع كلها في مواقع استراتيجية تجعل القراء يقصدونها بكثرة، وفي الجزائر العاصمة بين شارعي ديدوش مراد والعربي بن مهيدي، كانت هناك نحو 11 مكتبة، لكن لم تبق إلا اثنتان منها، وهي "العالم الثالث" و"القرطاسية"، في حين تغير نشاط الفضاءات الثقافية الأخرى لعدم قدرته على الصمود بعد أن زحفت ما يسمى بـ "ثقافة الأرجل والبطن" التي تحولت بموجبها المكتبات إلى محلات للطعام السريع أو الأحذية.

إنقاذ المكتبة

ويقول علي باي، إن مشكلات المؤسسة الوطنية للنشر والتوزيع بدأت في ثمانينيات القرن الماضي، متأثرة كغيرها من المؤسسات الحكومية بانخفاض أسعار برميل النفط، وكان ذلك عام 1985 عندما عرف العالم بداية أزمة بترولية انعكست على اقتصاديات الدول التي يعد البترول موردها الرئيس للدخل ومنها الجزائر.

على إثر ذلك، قررت الدولة الجزائرية حينها إعادة هيكلة المؤسسة، وتمخضت منها أربع مؤسسات، وهي المؤسسة الوطنية للكتاب، تتولى مهمة استيراد وتوزيع الكتاب، ومؤسسة الأدوات التربوية والثقافية التي تختص باستيراد وتوزيع الأدوات المدرسية والمكتبية، وكذلك الفنون المطبعية المكلفة طبع الكتاب، إلى جانب المؤسسة الوطنية للصحافة التي تختص باستيراد وتوزيع الصحف والمجلات.

وعندما توقفت المؤسسة الوطنية للكتاب عن استيراد الكتب بسب عجز مالي انتهى بحلها، كما يقول علي باي، الذي عاش رفقة عمال المكتبات تحديات من أجل الحفاظ عليها وعدم بيعها لأشخاص من خارج المجال الثقافي وتحويلها إلى نشاط تجاري.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتأسست جمعية "إنقاذ المكتبات" التي اشترطت فرض المهنة نفسها على الراغبين في شراء المحلات حتى تستمر المكتبات في النشاط، واستمر الضغط بنشر مقالات في الصحف الوطنية.

وقال علي باي “لا أنسى إسهام الصحافيين في حملة إنقاذ المكتبات من خلال نقل مطالب الجمعية ونشر مقالات تخص الموضوع المرتبط بالحياة الثقافية في البلاد، حتى استجابة المسؤولين لقرار المحافظة على نشاط المكتبات من خلال منحها للعمال لتسييرها، لأنه من غير المعقول تصور بلد من دون مكتبات".

لم يتوقف النضال عند هذا الحد، فعندما أسند لكل خمسة عمال مكتبة، لم يكونوا كلهم منتمين لمجال الكتاب، وتم الحديث وقتها عن مادة قانونية تنص على أنه بعد خمس سنوات يمكن بيع هذه المكتبات، لكن في مكتبة "العالم الثالث" لم يحدث هذا السيناريو لأن باي عارض الفكرة، ما أدى لإغلاق المكتبة لحين اقتراح أحد الأسماء المعروفة وهو إسماعيل أمزيان صاحب دار نشر "القصبة" المشهورة، الذي اشتراها مع الإبقاء على نشاطها نفسه، وتعيين علي باي عبدالرحمن لتسيير أمورها.

وأعيد فتح المكتبة عام 2006 في حفل حضره مسؤول من رئاسة الجمهورية ممثلاً عن الرئيس آنذاك عبدالعزيز بوتفليقة، وكذلك وزيرة الثقافة وقتها خليدة تومي، ليعود القراء من جديد لاقتناء كتبهم من "العالم الثالث".

كبار المؤلفين

وتشكل مكتبة "العالم الثالث" نقطة تلاق بين المؤلفين في ما بينهم، أو مع قرائهم، فلا تزال حتى الآن تخصص يومين في الأسبوع وهما الخميس والسبت للراغبين في شراء الكتب بالتوقيع والإهداء.

وأضاف علي باي "من هنا مر كبار الكتاب، منهم الطاهر وطار وكاتب ياسين وبنجامين ستورا، وكذلك ياسمينة خضرا وواسيني الأعرج، وكتاب كثر لا يكفي الوقت لذكر أسمائهم"، مضيفاً أن مكتبة "العالم الثالث" هي الوحيدة التي تقوم بنشاطات ثقافية وتناقش مواضيع فكرية وأدبية، و"أي مؤلف يريد أن يلتقي كاتباً آخر فإنه يضرب له موعداً هنا".

 

 

ويضيف "نستقبل قراء من مختلف الفئات العمرية، وربما التحدي الذي يواجه نشاط الكتب هو القدرة الشرائية للمواطنين، أما من يقولون إن الجيل الجديد من الشباب لا يقرأ فهو اعتقاد خاطئ، صحيح أنهم ليسوا كثيرون بسبب التطور التكنولوجي، لكنهم يرتادون مكتبتنا ويبحثون عن كتب في الأدب والرواية وفي مجالات تخصصهم، وأيضاً كتب الشعر".

أجيال القراء

من جهته يعتبر حسام بن سكايم، أحد الشباب الجزائريين أن مكتبة "العالم الثالث" مركز إشعاع علمي وثقافي، متابعاً "أرتادها بصفة دورية لأقتني ما أحتاجه من الكتب، وفي كل مرة أجد ما أبحث عنه، وكأن القائمين عليها على دراية بميولي في المطالعة".

ويتابع حسام "لا تمثل لي المكتبة مكاناً لشراء الكتب فقط، بل هي أغوار بالمفهوم اليوناني، أي المكان الذي يجتمع فيه المثقفون لمناقشة مختلف القضايا، وهذا ما أجده هنا، فعادة ما أقابل فيها كتاباً جزائريين مشهورين ومرموقين وشباباً مثقفين، وتدور نقاشات فكرية علمية وثقافية جادة".

في عام 2016 حازت مكتبة "العالم الثالث" جائزة "أصدقاء الكتاب" التي تسلم لمختلف الفاعلين في مجال الكتاب والاتصال، وحصل على الجائزة الكبرى في نسختها الأولى عبدالرحمن علي باي.

المزيد من