Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قنابل ذرية وأماكن حساسة... أخطاء الترجمة "كوارث"

اختيار المترجم للمفردات وضع كثيرين في مآزق وكثيراً ما صنعت الهفوات أزمات للسياسيين كانت فضيحة في حينها وطرفة في كتب التاريخ

الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي ورئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير وبينهما مترجم الأول (مواقع التواصل)

لم يسلم البحث عن أصل الترجمة وتقفي بداياتها من التنازع حول النسب. يقول الروس، إن الترجمة الفورية الحقيقية بدأت مع مؤتمر "الكومنترن" السنوي السادس في موسكو عام 1928، و"الكومنترن" كان تجمعاً شيوعياً دولياً تأسس عام 1919 في الاتحاد السوفياتي السابق للاهتمام بأمور الأحزاب الشيوعية والاشتراكية الثورية وغيرها في العالم.

ويقول الأميركيون، إن بدايات الترجمة الفورية بشكلها الحديث يعود إلى محاكمات "نورمبرغ" الشهيرة عام 1945، وهي المحاكمة الأضخم في التاريخ التي حوكم فيها 21 من كبار القادة النازيين للمرة الأولى، وذلك أمام العدالة الدولية.

من "التبعية" إلى "الفورية"

شارك في هذه المحاكمات أشخاص من دول مختلفة يتحدثون بلغات متعددة، وكانت هناك حاجة ماسة لنظام ترجمة يتيح للقضاة والمحامين والحاضرين متابعة ما يقال بينما يقال، وليس بعد أن يقال بدقائق، وهو النظام الذي كان معروفاً بـ"الترجمة التبعية". وفي هذا النوع من الترجمة، الذي كان الوحيد المعروف والمتبع، كان المترجم ينتظر إلى أن ينتهي المتحدث من قول بضع جمل، ثم يترجم ما قال.

في هذه المحاكمات تواصل ضابط أميركي كان مسؤولاً عن خدمات الترجمة التحريرية والشفهية مع طلاب لغات في كليات ومعاهد الترجمة في دول أوروبية، إضافة إلى فريق من المهندسين، وخرج بنظام تقني بالغ الحداثة في حينها، بدائي بمقاييس اليوم، يتيح للحاضرين الاستماع لترجمة فورية لما يقال.

خلال فترة الحربين العالميتين الأولى والثانية تم تشكيل فريق من المترجمين الفوريين بغرض الترجمة من الإنجليزية إلى الفرنسية، كان هذا الزوج اللغوي هو الأول على الإطلاق الذي يتم إجراؤه كترجمة فورية في اجتماع الأمم المتحدة.

وترجع رواية تأريخية ثالثة الترجمة الفورية إلى الحرب العالمية الأولى وبعدها الثانية بسبب الحاجة إلى ترجمة شبه فورية من الإنجليزية إلى الفرنسية والعكس، بعدها أيقنت الأمم المتحدة أن الترجمة الفورية لم تعد اختياراً.

اختيار المترجم (سواء الفوري أو الذي يترجم وثائق مهمة) للمفردات والكلمات على مر العقود وضع البعض منهم في مأزق، وكثيراً ما صنعت أخطاء أو هفوات أو ترجمات البعض الحرفية لعبارات أو نكات أو مواقف يسردها المتحدث أزمات كاد بعضها يصل إلى حد الكوارث، وأحياناً تحول أخطاء الترجمة الفعالية بأكملها إلى فضيحة في حينها سرعان ما تتحول طرفة في كتب التاريخ.

كارتر وبولندا وترجمة جنسية

في اليوم الدولي للترجمة الموافق 30 سبتمبر (أيلول) من كل عام، ما زالت إحدى أشهر هفوات الترجمة لصيقة بالرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر. تعود الواقعة المحفورة في تاريخ الترجمة الحديث إلى عام 1977، حين ألقى خطاباً أثناء زيارة لبولندا، قال كارتر إنه يريد أن يتعرف إلى رغبات البولنديين في المستقبل، لكن المترجم قال إن كارتر لديه رغبة في أن يمسك بأعضاء بولندا الحساسة.

ولم يتوقف المترجم عند هذا الحد، بل حول ما قاله كارتر لاحقاً من أنه "غادر الولايات المتحدة هذا الصباح" إلى "غادرت الولايات المتحدة الأميركية ولن أعود أبداً".

 

وفي مساء اليوم نفسه على رغم تغيير المترجم، أثناء حفل عشاء بينما كان يلقي كارتر خطاباً ترحيبياً زوده بكثير من الدعابة التي كان يحب خلط خطاباته بها، فوجئ بانتهائه من الفقرة الأولى المزودة بدعابة بصمت ثقيل، فانتقل إلى الفقرة الثانية وقرأها بما فيها من دعابة أخرى، ووجد صمتاً أكثر إطباقاً من الأول في القاعة.

اضحكوا الآن

قاعة أخرى شهدت موقفاً أكثر غرابة بطلها الرئيس السابق كارتر أيضاً كانت في اليابان عام 1981، وتحديداً في جامعة ريفية صغيرة، هذه المرة حدث العكس تماماً، كان كارتر يتحدث بجدية ودون دعابات، فإذ بالحضور ينفجر ضاحكاً، فتوقف كارتر وسأل طاقم الترجمة عن السبب، وعلم أن المترجم أساء ترجمة ما يقول، فقال للحضور، اضحكوا الآن! بناءً على ما قاله الرئيس ظناً منه أنها دعابة تستوجب الضحك.

في الأحوال العادية يقال إن "شر البلية ما يضحك"، لكن حين يلوح شبح بلية كبرى في الأفق، فإنها لا تضحك في حينها، حتى وإن أضحكت بعدها. قبل مقتل الزعيم الليبي السابق معمر القذافي بأشهر قليلة، كتب سفير بريطانيا السابق لدى ليبيا أوليفر مايلز مقالة عنوانها "كيف تفقد كلمات القذافي في الترجمة؟".

معضلة القذافي

تطرق مايلز (الدارس للعربية) إلى أسباب صعوبة ترجمة خطب القذافي التي وصلت أحياناً إلى درجة الاستحالة، وسرد مايلز الأسباب من وجهة نظره، وبينها إصرار الزعيم السابق على الحديث باللهجة الليبية التي لا يفهمها في الأغلب سوى الليبيين، فما بالك بترجمتها إلى الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرهما؟!

وسرد مايلز ما جرى أثناء كلمة ألقاها القذافي لمجموعة من الأساتذة والطلاب في "كلية الدراسات الشرقية والأفريقية" في لندن عبر الأقمار الصناعية. يقول مايلز "كان بث الصوت ضعيفاً، وكان المترجم السيئ يتحدث في الوقت نفسه الذي يتحدث فيه السيد القذافي، بالتالي كانت النتيجة غير مفهومة بنسبة 90 في المئة، وفي النهاية اعتذر رئيس الجلسة من الحضور عن هذا الهراء، والتفت إلي ودعاني لتلخيص ما قاله الزعيم الليبي، ولحسن الحظ أنني قرأت نظرياته، لذا قمت باختلاقها للتو، ومن مثل هذه الحوادث يولد التفاهم الدولي".

الترجمة وهيروشيما وناغازاكي

تفاهم دولي، لكن من النوع العكسي هو ما جرى في الحرب العالمية الثانية، ففي الوقت الذي كانت الحرب انتهت في أوروبا، كانت مستمرة في اليابان التي ظلت تقاتل، فصاغ الرئيس الأميركي حينئذ هاري ترومان ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرتشل والزعيم القومي الصيني تشيانغ كاي شيك إعلان بوتسدام عام 1945، واحتوى على عديد من النقاط من بينها إنذار يدعو اليابان إلى الاستسلام، وقد أثار الإعلان جدلاً كبيراً في اليابان، بين ميل إلى مواصلة الحرب أو الاستسلام وإنهاء صفحة العنف وخسارة الأرواح والممتلكات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في تلك الأثناء، عقد رئيس الوزراء الياباني كانتارو سوزوكي مؤتمراً صحافياً للرد على شروط الاستسلام التي جاءت في الإعلان الذي انتهى بالتحذير من "التدمير الفوري والمطلق" لليابان إن رفضت الاستسلام دون قيد أو شرط، فرد سوزوكي على التحذيرات بكلمة "موكاسوتو" باليابانية، التي تعني معنيين، الأول هو "لا تعليق"، والثاني "سيتم التعامل بازدراء صامت".

و"اختارت" وكالات الأنباء العالمية المعنى الثاني، ويرجح محللون أن يكون هذا الاختيار قد أسهم في بلورة الرد الياباني وكأنه تهديد لأميركا، بالتالي كان قرار إلقاء الجيش الأميركي القنبلة الذرية الأولى على هيروشيما، ثم قصف ناغازاكي بعد ثلاثة أيام.

فيتنام والمبالغة في الترجمة

ومن أيام القصف الذي تسبب في أحد أفدح مشاهد الحرب والقتل والدمار في تاريخ البشرية، التي يرجح أن "الاختيار" في الترجمة أسهم في حدوثها إلى سنوات حرب أخرى غير مرغوب فيها خاضتها أميركا في فيتنام لسنوات، وهي الحرب التي أسهمت أخطاء الترجمة في تأجيجها، وإطالة أمدها، وتفاقم آثارها.

وجاء في تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية قبل سنوات أن وكالة الأمن القومي أخطأت في ترجمة المعلومات الاستخباراتية الواردة من فيتنام في أحوال كثيرة، وذكر تقرير شامل عام 1964، أن القوات الفيتنامية الشمالية هاجمت السفن الأميركية في خليج تونكين مرتين، وهو ما أغضب الإدارة الأميركية بشدة فأمرت بالرد على الهجوم، لكن اتضح أن الهجوم الثاني لم يحدث من الأصل، بل حدث على الورق نتيجة خطأ في الترجمة.

ويؤكد خبراء أن استمرار الحرب في فيتنام لسنوات طويلة سببه ترجمات خاطئة أو غير دقيقة بعد الترجمة إلى الإنجليزية عن حجم العنف الدائر على الأرض، وهو ما أدى إلى مقتل مئات الآلاف من الفيتناميين والأميركيين.

الحرب العالمية الثالثة

ولولا قدر من التعقل عقب لحظات الوجوم التي اعتلت الوجوه قبل أسابيع قليلة، لاح في الأفق شبح حرب ضارية لا طاقة للعالم بها حالياً، هي الحرب العالمية الثالثة، فأثناء لقاء الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان في سوتشي، قال المترجم إن "تركيا في حرب مع روسيا". وفوراً ظهرت علامات التعجب على وجه بوتين، وهو ما تسبب في لحظات من الوجوم الذي لا يخلو من قلق ورعب على وجوه الحاضرين، وذلك قبل أن يدرك الجميع أن خطأً فادحاً في الترجمة تسبب في "حالة الحرب".

 

يشار إلى أن الجانب الأصعب من عمل طواقم المترجمين الروس المصاحبين لبوتين سببه جمل وعبارات بالغة الصعوبة يتفوه بها الرئيس الروسي، وغالباً ما تكون ترجمتها أمراً بالغ الصعوبة، نظراً إلى أنها إما مشتقة من الثقافة الروسية أو لأنها تحمل تشبيهاً يحتاج خلفية تاريخية أو ثقافية حتى يفهمها الآخرون، ولا يخلو الأمر من خوف شديد من اقتراف خطأ غير مقصود في الترجمة، ربما ينجم عنه ما لا يحمد عقباه.

دفن البرجوازية

عقبة أخرى خطيرة لاحت في الأفق عام 1956، لكنها صححت مسارها وإن لم تسقط من كتب التاريخ. قال الرئيس السوفياتي حينئذ نيكيتا خروتشوف مخاطباً سفراء دول غربية في حفل استقبال في سفارة بولندا في موسكو "إن الشيوعية ستستمر إلى ما بعد الرأسمالية التي ستدمر نفسها من الداخل"، في إشارة إلى الفقرة الشهيرة في الإعلان الشيوعي لكارل ماركس الذي قال فيها إن "ما تنتجه الطبقة البرجوازية في النهاية هم من سيحفرون لها قبرها"، لكن المترجم اختار أن تكون الترجمة "سواء أعجبكم ذلك أو لم يعجبكم، سيقف التاريخ إلى جانبنا، وسندفنكم".

الطريف أن خروتشوف قام بتوضيح ما كان يعنيه في تلك الليلة، ولكن بعد سنوات قال في خطاب ألقاه في يوغوسلافيا (السابقة) عام 1963، "ذات يوم قلت: سندفنكم! وتسبب لي ذلك في مشكلات كثيرة. بالطبع لن ندفنكم باستخدام مجرفة، لكن طبقتكم العاملة نفسها هي من ستدفنكم"، ليكون كمن أراد تكحيلها، فأعماها تماماً.

الحكمة الصينية بالخطأ

خطأ آخر في الترجمة لم يتم تصحيحه، بل رفع شعار "عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم" لكن من باب الصورة النمطية المتصلة بالحكمة والفلسفة الصينية عبر التاريخ. فأثناء زيارة الرئيس الأميركي الراحل ريتشارد نيكسون للصين عام 1972، قال رئيس الوزراء الصيني حينئذ شو إن لاي رداً على سؤال حول أثر الثورة الفرنسية، "ما زال الوقت مبكراً جداً للحكم".

لاقت كلمات "إن لاي" قبولاً وإعجاباً منقطعي النظير، لا سيما في الصين، إذ اعتبر تعليقه جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الصينية التي تميل إلى الحكمة والتروي، وترسيخاً للفلسفة الصينية التاريخية.

وقال الدبلوماسي الأميركي المتقاعد تشارلز فريمان الذي كان المترجم الخاص بنيكسون في هذه الزيارة، إنه لا يمكن فهم ما جرى من خطأ والسكوت عليه إلا بالصورة التي يكتسبها رجال الدولة في الصين من أنهم زعماء بعيدو النظر، عكس زعماء الغرب. وأضاف، "كان ذلك المعنى هو ما أراد الناس أن يسمعوه ويصدقوه، ولذلك ترسخ في ذاكرتهم".

صحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" الصينية أشارت إلى الخطأ نفسه في تقرير نشر في عام 2011، تحت عنوان "عدم السماح للحقائق بإفساد قصة جيدة".

ترودو والنازية

لكن الأخطاء الفادحة التي ارتكبها برنامج الترجمة الذي لجأت إليه محطة تلفزيونية أميركية عام 2016، أثناء خطاب ألقاه رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو في البيت الأبيض لم تكن قصة جيدة، فقط حقائق سيئة.

فقد قرر برنامج الترجمة ألا يتوقف عند حدود ترجمة كلمات خطأ ليشير إلى خطوط سكك حديدية "نازية" فقط، بل جعل رئيس الوزراء يبدو وكأنه يتفوه بجمل عجيبة وغير مفهومة. "نحن الرجال الكبار سناً، وأيام هيوستون الثمانية أيام تمضي" و"المضي قدماً في فعل هذه والاتحاد السنوات وهو ما استوجب سيت كوم" وغيرها وضعت كلاً من ترودو والقناة التلفزيونية في موقف محرج.

مواقف الترجمة الخاطئة، سواء الفورية أو المكتوبة التي يقترفها مترجمون دون قصد، أو حتى لو غيروا المعنى لأغراض وطنية أو ظناً منهم أنهم ينقذون العالم بتخفيف حدة تهديد قيل أو سخرية تم توجيهها، وحتى أخطاء برامج الترجمة الناجمة عن محدودية ذكاء الآلة وعدم تطورها بالشكل الذي يسمح لها بمراعاة البعد الثقافي والرمزي بين اللغات والدول وبعضها بعضاً في كفة، وما جرى للمترجم الخاص بالزعيم الليبي الراحل معمر القذافي في كفة أخرى.

"لم أعد قادراً على الاستمرار"

على رغم أن طول مدة خطابات قادة الدول في الجمعية العامة للأمم المتحدة يجب ألا تتعدى 15 دقيقة، إلا أن خطاب القذافي عام 2009 استمر لما يزيد على 90 دقيقة، لكن في الدقيقة الـ75، انهار المترجم، وخلع سماعة الأذن وألقى بها على الطاولة وقال "لم أعد قادراً على الاستمرار".

هرعت المسؤولة عن المترجمين العرب في الأمم المتحدة إلى نجدته، ونجدة الموقف، وتولت الترجمة في الدقائق المتبقية. الغريب أن المترجم المنهار، وهو فؤاد الزليطني، كان المترجم الشخصي للقذافي، وليس أحد مترجمي الأمم المتحدة، وهو ما أصر عليه الزعيم الليبي السابق.

سكرتير عام الولايات المتحدة

وفي الأمم المتحدة أيضاً، في عام 1992، تسبب مترجم في موجة ضحك عارمة في القاعة، وذلك بعد أن أشار إلى السكرتير العام للأمم المتحدة الجديد حينئذ بطرس بطرس غالي عقب تنصيبه بـ"السكرتير العام للولايات المتحدة".

 

وتسبب المترجم نفسه في موجة ثانية من الضحك، حين توجب عليه شرح ما اقترف من خطأ تسبب في موجة الضحك الأولى، وجاءت الموجة الثانية من الضحك أعتى وأطول، وصاحبها تصفيق هادر.

 وتظل الترجمة لا سيما الفورية، مهنة لا تخلو من أخطاء، بعضها يمكن تداركه والبعض الآخر يذهب إلى حال سبيله دون أن يتوقف عنده أحد، لكن منه ما يعرض مصائر دول وعلاقات ومفاهيم ومواقف لأخطار دامغة، بل قد يعرض خطأ ما المترجم نفسه للمساءلة، وربما العقاب أو البطش بحسب النظام السائد في دولة ما.

المزيد من تحقيقات ومطولات