Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مفاوضات سد النهضة... انتهاء موسم التفاؤل الموقت

سادت أجواء إيجابية بعد زيارة آبي أحمد للقاهرة لكن الموقف الإثيوبي لم يشهد تغيرات ملموسة

قال رئيس الوفد الإثيوبي سيليشي بيكلي إن السد يجلب "فوائد هائلة" لمصر والسودان، مشدداً على حق بلاده في الاستفادة من مياه النيل (أ ف ب)

على رغم استئناف المفاوضات في شأن سد النهضة الإثيوبي للمرة الأولى منذ عامين يبدو أن الزمن لا يتحرك في هذا الملف، فالجمود يسيطر على مواقف الأطراف كافة، ولا تكاد فحوى التصريحات تتغير عما سبق، فعلى رغم الأجواء الإيجابية التي صاحبت زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، القاهرة، في 13 يوليو (تموز) الماضي، جاءت نتيجة الجولة الأولى من المفاوضات في القاهرة "من دون تغيرات ملموسة" في الموقف الإثيوبي، بحسب الرواية المصرية، في مقابل حديث إثيوبي عن "حق في حصة من مياه النيل".

 

المياه الراكدة في القضية حركتها الزيارة المفاجئة التي قام بها رئيس الوزراء الإثيوبي إلى العاصمة المصرية، حيث استقبله الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي على هامش قمة دول جوار السودان، وأصدر البلدان بياناً مشتركاً كشفا فيه عن اتفاق الزعيمين على بدء مفاوضات عاجلة للانتهاء من اتفاق بين مصر والسودان وإثيوبيا حول ملء سد النهضة وقواعد تشغيله، مع بذل الجهود للانتهاء من هذه العملية خلال أربعة أشهر.

وتنفيذ توجيهات السيسي وأحمد استغرق ستة أسابيع، حيث استؤنفت المفاوضات في القاهرة، في 27 أغسطس (آب) الماضي، بمشاركة السودان، واستغرقت يومين، من دون حضور مراقبين من الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، كما كانت الحال في الجولات السابقة من التفاوض، كما لم يعلن عن رعاية من الاتحاد الأفريقي للمفاوضات.

 

وفي ختام اليوم الثاني من المفاوضات، أصدرت وزارة الري المصرية بياناً أكدت فيه أن جولة التفاوض لم تشهد تغيرات ملموسة في مواقف الجانب الإثيوبي، بينما أكد بيان وزارة الخارجية الإثيوبية أن أديس أبابا ستسعى إلى أن تكون نتائج التفاوض مبنية على أساس مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول للمياه "مع ضمان حصتها العادلة من مياه النيل" على رغم أن التفاوض حول حصص المياه لم تذكره مصر من قبل، واتفق الطرفان على جولة ثانية للمفاوضات تعقد في أديس أبابا خلال سبتمبر (أيلول) الجاري.

بداية إيجابية

وبدت اللهجة الإثيوبية متطابقة مع ما كانت تردده في جولات التفاوض السابقة. وقال رئيس الوفد الإثيوبي سيليشي بيكلي إن السد يجلب "فوائد هائلة" لمصر والسودان، مشدداً على حق بلاده في الاستفادة من مياه النيل، وأنه "لا تراجع عن حقوقنا". ويشغل بيكلي حالياً منصب سفير بلاده لدى الولايات المتحدة، وكان وزير الري في فترة التفاوض التي خاضتها البلدان الثلاثة، وكادت تسفر عن اتفاق برعاية واشنطن، في فبراير (شباط) 2020، وافقت عليه مصر والسودان، لكن إثيوبيا تراجعت في اللحظة الأخيرة وسحبت وفدها التفاوضي من العاصمة الأميركية.

‏الكاتب الصحافي الإثيوبي أنور إبراهيم قال إن جولة المفاوضات الأخيرة تعد بداية لطي مرحلة من الخلاف والجمود استمرت 10 سنوات، موضحاً أن لقاءات الدول الثلاث موفقة للغاية في ظل أوضاع سياسية متعددة ومختلفة، بخاصة في السودان الذي يمر بحرب طاحنة. وأضاف "أنه يتوقع أن تشهد اللقاءات مستقبلاً خطوات متقدمة جداً في عملية الحوار والتقارب بين الدول الثلاث، فلهذا يجب أن نقيم اللقاءات بأنها بداية إيجابية للغاية بعد عرقلة وتوقف المفاوضات"، مشيراً إلى أنه لا يمكن وصف المفاوضات الأخيرة بالفشل، لكنها خطوة مهمة وبداية مرحلة جديدة من تقارب وجهات النظر.

تناقض إثيوبي

في المقابل، رأى المتخصص في الشؤون الأفريقية بمركز "الأهرام" للدراسات الاستراتيجية عطية عيسوي أن التناقض بين زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي القاهرة، في يوليو الماضي، وتصريحات وزارة الري المصرية عن عدم تغير الموقف الإثيوبي في شأن سد النهضة، هو تأكيد على إصرار إثيوبيا على عدم الوصول لاتفاق ملزم. وأضاف عيسوي أن إثيوبيا تريد مجرد قواعد إرشادية في ملء وتشغيل سد النهضة، تكون محل نقاش والاحتكام إليها وقت الخلاف مع مصر والسودان، والدليل على ذلك أنه تزامناً مع المفاوضات بالقاهرة أعلنت إثيوبيا حرصها على الوصول إللى اتفاق "ودي"، مما يعني أنه غير ملزم وليس له صفة قانونية.

وعن اختلاف أجندة التفاوض بين مصر وإثيوبيا، أشار عيسوي إلى أن أديس أبابا تمسكت خلال مراحل المفاوضات كافة، بتحديد حصة لها من مياه النيل بما سيؤدي لتقليل حصص مصر والسودان، على رغم امتلاك إثيوبيا 800 مليار متر مكعب من المياه تدفق سنوياً في أرضها نتيجة الأمطار، بما يساوي نصف ما تمتلكه دول حوض النيل مجتمعة من الأمطار.

خيارات مصر

وأوضح عيسوي أن هناك تناقضاً شديداً بين تمسك إثيوبيا بما اعتبرته حقوقها بعيداً من مصر والسودان، وبين ما تردده حول رغبتها في التوصل إلى اتفاق ينهي الاتهامات المصرية والسودانية في شأن إصرار إثيوبيا على ملء وتشغيل سد النهضة بشكل أحادي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مهلة الأشهر الأربعة التي اتفق عليها السيسي وأحمد في 13 يوليو من المفترض أن تنتهي في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، أما الخيارات المتاحة أمام مصر في حال عدم التوصل لاتفاق فتشمل، وفق عيسوي، شن حملة دبلوماسية دولية ضد أديس أبابا توضح للعالم التعنت الإثيوبي، وقد تدعو القاهرة حلفاءها لتوقيع عقوبات على إثيوبيا، لكنه استبعد أن تستجيب الدول لذلك في ظل شبكة العلاقات والمصالح التي تربطها بأديس أبابا. وأشار المتخصص في الشؤون الأفريقية إلى أنه من غير المستبعد أن تلجأ مصر لخيار عسكري، إلا أنه رهن ذلك بحدوث ضرر اقتصادي جسيم مثل بوار الأراضي الزراعية وفقدان ملايين الأشخاص وظائفهم، وهو ما يرتبط بموسم الجفاف الذي لا يمر به النيل حالياً، وتبلغ دورة النيل سبع سنوات من الفيضان، ثم المدة نفسها من الجفاف وست سنوات من التدفق المتوسط، بحسب خبراء المياه.

وفي كلمته أمام مؤتمر الأمم المتحدة للمياه في مارس (آذار) الماضي حذر وزير الري المصري هاني سويلم من أخطار الإجراءات الإثيوبية الأحادية على بلاده قائلاً إنها قد تشكل خطراً وجودياً وكارثياً على نحو 150 مليون شخص في مصر والسودان، حيث يمكن أن تؤدي فترة جفاف طويل مع تلك الممارسات إلى خروج أكثر من مليون و100 ألف شخص من سوق العمل، وفقدان ما يقرب من 15 في المئة من الرقعة الزراعية في مصر.

بيع المياه

المتخصص في مجال الموارد المائية والجيولوجيا بجامعة القاهرة عباس شراقي قال إنه منذ زيارة آبي أحمد مصر دعا إلى التعامل بحذر مع التحركات الإثيوبية، وأثبت الموقف الإثيوبي الأخير صحة ذلك، كما أن الاستعانة بوزير الري الأسبق لرئاسة وفد بلاده في المفاوضات تعد استدعاءً للتعنت الذي كان حاضراً في المفاوضات السابقة التي كانت برئاسته، خلال السنوات الماضية، قبل انتقاله سفيراً لإثيوبيا لدى واشنطن، وانتقد شراقي التعتيم الإعلامي على تفاصيل المفاوضات وعما إذا كانت هناك أطراف دولية شاركت أم لا، كما أوضح أن أديس أبابا تخطت التعنت في شأن السد إلى المطالبة في حصة مائية من المؤكد أنها ستنتقص من مياه كل من مصر والسودان، وهو ما قد يفتح الباب أمام احتمال بيع المياه مستقبلاً، في ظل اكتفاء إثيوبيا من المياه بفعل الأمطار التي تسقط سنوياً.

وتحكم توزيع المياه حالياً معاهدة موقعة بين مصر والسودان عام 1959 حددت حصة مصر سنوياً بـ55.5 مليار متر مكعب من المياه، بينما يحصل السودان على 18.5 مليار متر مكعب سنوياً.

البيان المصري - الإثيوبي المشترك في يوليو الماضي التزمت خلاله أديس أبابا عدم إلحاق ضرر "ذي شأن" بمصر أو السودان أثناء ملء السد في العام الهيدرولوجي 2023-2024، إلا أن المتخصص في مجال الموارد المائية أكد أن الملء الرابع لبحيرة خزان السد نفذ وفق المخطط السابق من دون تغيير، إذ تم تخزين 19 مليار متر مكعب تضاف إلى 17 ملياراً أخرى من المراحل السابقة للتخزين في السنوات الثلاث الماضية، مما يجعل الكمية المخزنة نحو 36 مليار متر مكعب، موضحاً أن التقديرات تشير إلى انتهاء التخزين، في آخر أيام أغسطس، مع تخطي المياه الممر الأوسط للسد الذي بلغ ارتفاعه 625 متراً.

وعن سؤاله عن مرحلة ما بعد مهلة الأشهر الأربعة إذا لم تتوصل الدول الثلاث إلى اتفاق، قال شراقي إنه لن يحدث شيء، وسيظل الجمود سائداً في ملف السد الإثيوبي وسط مطالبات مصرية بالعودة للتفاوض بغية توقيع اتفاق على رغم التعنت من أديس أبابا.

جولات التفاوض

وعلى مدى أكثر من ثماني سنوات، تسعى القاهرة والخرطوم إلى توقيع اتفاق ملزم في شأن المبادئ التوجيهية لملء السد وتشغيله بموجب اتفاق "إعلان المبادئ" الذي وقعته الأطراف الثلاثة بالخرطوم، في مارس 2015، حيث تم التوصل إليه بعد جولات متقطعة من المفاوضات، وكانت آخر جولات التفاوض في أبريل (نيسان) 2021 قد فشلت بعد عقدها على مدى أيام في كينشاسا عاصمة الكونغو الديمقراطية، التي كانت تترأس في ذلك الوقت الاتحاد الأفريقي، وقدم السودان خلال تلك الجولة من المفاوضات مقترحاً أيدته مصر بتوسيع الوساطة الدولية لتشمل الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، بينما تمسكت إثيوبيا برعاية الاتحاد الأفريقي فقط للمفاوضات.

وعقد مجلس الأمن الدولي جلستين لبحث ملف سد النهضة عامي 2020 و2021، بناءً على طلب مصر والسودان، وفي الجلسة الأولى أحال المجلس الملف إلى الاتحاد الأفريقي للقيام بمفاوضات للوساطة، وفي العام التالي أصدر المجلس بياناً رئاسياً في سبتمبر دعا فيه الدول الثلاث للعودة إلى المفاوضات تحت رعاية الاتحاد الأفريقي بغرض الانتهاء سريعاً من صياغة نص اتفاق قانوني ملزم حول ملء وتشغيل سد النهضة في إطار زمني معقول، وقوبل البيان بترحيب مصري - سوداني، غير أنه أثار رفضاً من الجانب الإثيوبي الذي أعرب عن أسفه لتدخل المجلس في مسألة "تخرج عن نطاق اختصاصه"، بحسب وصف بيان صادر عن وزارة الخارجية الإثيوبية، ومنذ إعلان إثيوبيا عزمها تشييد سد النهضة، عام 2010، نشب خلاف بين أديس أبابا والقاهرة التي ترى في الكم الكبير من المياه في خزان السد البالغ 74 مليار متر مكعب، وفق المخطط، مهدداً لأمنها المائي الذي يعاني محدودية الموارد في ظل اعتمادها على نهر النيل مصدراً وحيداً تقريباً للمياه، وثبات حصتها من النهر، منذ عام 1959، وهي 55.5 مليار متر مكعب سنوياً.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات