Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خالد إسماعيل يواجه قيادات يسارية مصرية قصصيا

"بخيتة القصاصة" تنال عقابها أما الفاسدون فيتنعمون في حياتهم

لوحة للرسامة مالفا عمر (صفحة الرسامة - فيسبوك)

يعد خالد إسماعيل من الأصوات الروائية والقصصية ذات الخصوصية الواضحة. ولا شك أن ذلك يرجع، عطفاً على موهبته، إلى البيئة الجنوبية المصرية التي تقع فيها غالب أعماله، وهي ثرية بمعارفها وتقاليدها. وتغلب على أعمال إسماعيل الكتابة الروائية، ففي الوقت الذي أصدر اثنتي عشرة رواية نجد فقط مجموعتين قصصيتين هما "درب النصارى"، و"غرب النيل"، بالإضافة إلى "مقتل بخيتة القصاصة" (دار ميريت). واللافت أنه يضع نوفيلا في عنوان "مذكرات رفيق" في منتصف المجموعة، وهو ما لم أجد له مبرراً، ناهيك عن أنه قطع تدفق السرد القصصي الذي كان يأخذنا فيه الكاتب من عالم إلى آخر. وربما كان الأجدى حذفها أو إثباتها إن كان لا بد، في نهاية المجموعة، خاصة أنها مجرد مذكرات ذات نزعة تسجيلية على لسان أحد رفاق اليسار المصري. ويبدو أن الكاتب حاول البناء الدقيق في المجموعة فجعل النوفيلا مسبوقة بأربع قصص ومتبوعة بأربع. على أن الأهم هو أن القصص الأربع اللاحقة تدور في فلك النوفيلا، وهو تعرية بعض قيادات اليسار المصرى في سوهاج بلد السارد .

 

تعد شخصية "فوزي الغندور" في "مذكرات رفيق"، التي يرويها "صابر نعمان" الشخصية الرئيسية التي تسحر مريديها وتخدعهم. يقول عنه صابر: "وأنا أكتب هذه السطور تذكرت أن يوم اللقاء الذي جرى بيني وبين فوزي الغندور كان مشحوناً بالمواقف والعبارات الدالة، لكنني في ذلك اليوم من العام 1983 دخلت حياة حديدة، فقد استطاع فوزي الغندور أن يجعلني أحلق في فضاء جديد، فضاء العدل والحرية وانعتاق الفقراء". لكن هذه اليوتوبيا التي بشّر بها "الغندور" تتكشف عن وهم ليس لعيب في هذه المبادىء بل لتوظيف "الغندور" لها في تحقيق طموحاته في الثراء حتى أصبحوا يطلقون عليه – سخرية – "الباشا المليونير المناضل". ونلاحظ في هذه المذكرات الحرص على التأريخ الذي يبدأ من "أول يناير/كانون الثاني"، وينتهي بـ "5 أبريل/نيسان"، وهو ما يوحي بأننا أمام بنية تعاقبية مطردة تتخللها بعض الاسترجاعات .

المرأة الصعيدية

"صابر نعمان"، كان، على النقيض من "الغندور"، مؤمناً حقاً بقيم العدل والحرية والمساواة ، ولا ينسى أن يذكر أمه، هذه المرأة الصعيدية الصلبة، حين يقول: "قصتي مع النضال لم تولد من الفراغ، بل كانت لها مقدمات تمثلت في أمي "صفية عبد العزيز نوح"؛ المرأة الأمية التي تولت تربيتي بعد أن هجر والدي قريتنا نزلة عمارة". رفضت هذه الأم الزواج مرة أخرى رغم سنها الصغير حتى لا يضيع ابنها، وهذا، كما اعتبره صاب، نوع من النضال اليومي الذي خاضته هذه المرأة وترك أثره واضحاً على ابنها. في البيئة الصعيدية يصبح الثأر عقيدة. ويمكن صاحب الثأر أن ينتظر سنوات طويلة حتى يثأر لنفسه. غير أن الغريب في قصة "قطار الليل" أن يقتل "مغازي عبد الرسول" على يد "الحمّار الطماوي" لادعائه، أي مغازي، أنه يعرف فتحي رشوان... "هكذا يتم الأمر سريعاً ". ولم تشعر أخت "مغازي" بالفقد الحقيقي إلا بعد أن يبيع أبناء "مغازي" بيته لأبناء "فتحي رشوان". وكأن لعنة "فتحي" وأبنائه تلاحق "مغازي" حياً وميتاً .

يبدو لي أن بنية التقابلات تهيمن على هذه المجموعة، وهي تقابلات أو مفارقات عبثية كما في "قطار الليل"، أو تقابلات مقصودة لتمرير أشياء أخرى، ومن ذلك اصطناع التناقض بين "الهوّارة" و"العرب". يقول "هيثم" شقيق "الآنسة سعاد"  في قصة "لعبة الرفاق"، للسارد الذي يريد خطبتها: "هناك عقبات كثيرة، زي مثلاً إحنا هوارة وانتو عرب". لكن لم يكن هذا هو السبب ولا حتى ما قاله "هيثم" بعد ذلك، إنه لا يريد أن يكون نسيب "حمدي يونس" – شقيق مجدي يونس السارد – وخصم "هيثم" السياسي. لأن هذا الخصم كان قد مات منذ عام. السبب أنهم كانوا يريدون زواج "سعاد" و"عزت عيسى" الذي رجع من موسكو ومعه دكتوراه في الصيدلة، فجعلوا من "حمدي" الطعم الذي يدفع عزت عيسى لخطبتها، وقد حدث كل ذلك بمعرفة "سعاد" وموافقتها.

إنه الزيف الذي يلف كل شىء، الشخصيات والمشاعر والمواقف. فلكل شىء ظاهر وباطن. وهكذا تتكشف الأمور عن نقائضها، فـ"قدري التوني" في قصة "سيرة مناضل"، الذي لقبه الرفاق بالشهيد وتنوي مجلة "المناضل" أن تقدم ملفاً عنه في ذكراه، فيسافر السارد إلى بلده ويصادف رجلاً فيحكي له عن أن قدري "ممثل كبير" و"نصاب" من الطراز الخطير جداً لدرجة "انه خلى بتوع مصر يصدقوا انه مناضل وبطل". ويوضح أكثر فيقول للسارد: "تعرف إن قدري التوني كان مقاطع أهله وإنه ضحك على أبوه وسرق ميراث إخوته من أبوهم بالعقود المزورة". يقول الرجل كل هذا وهو يعلم أنهم لن ينشروا منه حرفاً واحداً لتظل صورته المزيّفة ماثلة فى أذهان أتباعه .

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما قصة "مقتل بخيتة القصاصة"، فتعد من أبدع قصص المجموعة وأكثرها حرفية، حيث تستعرض حياة "بخيتة" منذ أن جاءت طفلة إلى بلد السارد وكان أبوها يعمل في قص شعر الحمير، ومن هنا جاء اسم شهرتها. وفي مرحلة الصبا مات والداها فظلت في البيت الذي منحه العمدة لأبيها للسكن فيه، وظلت تبيع "الطعمية" والبرتقال. هنا تبدو صورتها المكافحة، لكن الجميع يقولون إنها تبيع الخمر وتقرض المال بالربا. لكن السارد يقفز قفزة زمنية كبيرة فيقول: "على رصيف محطة السكة الحديد في جرجا أنا وزوجتي وعيالي ... رأيت امرأة عجوزاً فيها من ملامح بخيتة القصاصة". وبالفعل كانت هي بخيتة. كانت تتسول متسترة وراء بيع المناديل الورقية، بعد أن طردها أبناء العمدة. وبعد أن يعود السارد إلى الجيزة يفاجأ أثناء مشاهدته برنامج "وراء القضبان" بمقتلها في أبشع صورة بحيث قطعت جثتها ووضعت في أكياس بلاستيك.

وبسؤال المذيع لجيرانها لم تخرج إجاباتهم عن أنها "بتاعة سحر، معاشرة الجن، شغالة بالفايظ / الربا، وكل عريس لازم تاخد منه فلوس ليلة الدخلة، عشان يفرح ويتستر قدام مرته (زوجته)". والمفارقة الكبيرة بين هذه القصة وغيرها من قصص المجموعة تكمن في أن هذا "الوجه الخفي" لـ"بخيتة" كان معروفاً لدى الجميع، وأنها أخذت جزاءها القاسي، على خلاف الشخصيات التي عرضت لها القصص الأخرى الذين لم ينالوا عقاباً بل حققوا مكاسب كبيرة من وراء فسادهم.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة