نقولا دانيال... أنتظر نصوصاً تكشف وجوهاً جديدة عندي

كلما غاصت الدراما في محليتها وعالجت مواضيع عميقة تهمّ المواطن اللبناني كلما أصبحت عالمية

نقولا دانيال "كلنا مسؤولون عن الدراما اللبنانية وعن إيجاد جمهور لبناني يحمل هويتنا" (اندبندنت عربية)

نقولا دانيال ممثل من الطراز الرفيع، وكثيرون رأوا فيه نجم الموسم الرمضاني 2019، من خلال الدور المميز الذي قدمه في مسلسل "إنتِ مين" الذي كتبته وشاركت في بطولته كارين رزق الله إلى جانب عمار شلق. 

بداية، ردّ دانيال على هذا الثناء، قائلاً "هكذا قالوا عني وأنا كنت سعيداً بهذا الكلام، وأشكر كل من مدحني، خصوصاً من غاص في التفاصيل، وكان كلامه تحليلياً وليس مجرد عواطف. نجاح الممثل، لا علاقة له بقدراته، لأنها موجودة، ولكن الصدفة تلعب دوراً. الأساس هو النص، وأحياناً يجد الممثل نفسه مضطراً إلى لعب شخصيات متشابهة طوال حياته، ولكن إذا أتيحت أمامه الفرصة، من خلال النص، أن يبرز قدراته، بصوته وجسده وانفعالاته فهذا شيء عظيم. ما قدمته لي كارين رزق الله كان مميزاً جداً، ووضعني كممثل في مستوى مختلف عن المستوى الذي كنت عليه في أعمالي السابقة. وبالنسبة إلى مسيرتي المقبلة، فإنني أنتظر نصوصاً تكشف وجوهاً جديدة عندي، وفي حال لم أُوفق، فإنني سألعب إحدى الشخصيات المكتوبة- لكي أظل موجوداً، ويُعرف عني أنني أتقن الشخصيات التي ألعبها وأتعب عليها وأشتغل عليها بجدية وأحاول أن أعطيها أبعاداً ما بين الكلمات وما بين السطور، لكي تكون حلوة ولكي أكون فخوراً بها".

نساء في العاصفة 

بين الأعمال التي شارك فيها عن قناعة والأخرى التي  وجد نفسه مجبراً على المشاركة فيها بهدف الوجود، أجاب "أنا لم أُجبر على أي عمل، لأنني أملك حرية الاختيار، وعندما أقرأ يمكن أن أقول كلا وأحياناً أرفض هاتفياً. أنا لا أعيش من وراء مهنة التمثيل، بل أمضيت حياتي أستاذاً في الجامعة اللبنانية ولديّ مردود مادي يتيح أمامي الفرصة للاختيار، بينما زملائي الممثلين من ليست لديهم مهنة أخرى، يجدون أنفسهم مجبرين على القبول بخط معين أحادي الجانب على مستوى الشخصية. غالبية أعمالي لم أُجبر عليها، والنصوص التي أستلمها، ألعب فيها شخصيات رئيسة ولها وزنها. عندما بدأت في المجال وانتشر إسمي، عُرفت من خلال مسلسل "نساء في العاصفة" بدور راشد الحطاب، والد نهلة راشد الذي لعبته الممثلة رولا حمادة، إلى جانب عدد من كبار الممثلين. الشخصية كانت قاسية وتركت أثراً في المشاهد، ومن بعدها واظب الكتّاب والمخرجون على اختياري للشخصيات القاسية. مثلاً شخصية رستم التي كتبها الراحل أنطوان ريمي وأنطوان جبرايل، كانت قاسية أيضاً، وقبلت بها لأنها كانت بطلب من أستاذي أنطوان ريمي الذي كان يقدم سلسلة أعمال عن الريف اللبناني. واليوم،  أنا أًعجب بالمشاهد الخاصة بتلك الشخصية عندما أرى العمل، لأنني اشتغلت على بُعدها الآخر، وشاهد الجمهور وجوهاً عدة لها، وجعلت منها شخصية ملّونة بالمواقف الإنسانية مع الآخرين في البيئة التي يعيش فيها. أنا أوافق على أدواري ولا أحد يجبرني عليها، والشخصيات التي ألعبها أنا من يشتغلها، وربما لو لعبها غيري لكانت مرت مرور الكرام، ولكن إتقاني الشخصية وطريقة تقديمي لها يجعلها تعيش، حتى لو كانت  مساحة الدور صغيرة.  شاركتُ في الجزء الثاني من "الهيبة" من خلال شخصية أبو نضال وهي شخصية حلوة ولكن مساحتها ليست كسائر مساحات الشخصيات الأخرى في المسلسل، والناس قالوا لي إنهم كانوا يفضلونني بشخصية أقوى، خصوصاً أنني كنت قد شاركت قبله في "ثورة الفلاحين"، ولكني قدمتها كما يُفترض أن تُقدم وأضفت إليها من عندي، ولعبتها بمحبة وإتقان".

الهروب إلى الجميلات والوسيمين 

يشير دانيال إلى أن الدراما اللبنانية تعاني من أزمة نصوص، مضيفاً "عدد الكتّاب في لبنان قليل، وأزمة النصوص يمكن أن تُحلّ عندما يصبح هناك تنوع في الشخصيات والكتابة والمواضيع، ومن خلال ملامسة ما يريده الناس. يوجد في لبنان ممثلون جيدون، إناثاً وذكوراً، ويجب إعطاؤهم الفرص من خلال التنويع في الكتابة والفئات العمرية، وليس بوضع الممثل عندما يصبح في الستين على الرف. في دراما الدول الأخرى، يكتبون أدوراً خاصة للممثل الناضج، لأنه صاحب خبرة وموهبة كبيرتين كما أن الجمهور يحبه، ولا أعرف لماذا يهربون عندنا إلى الجميلات والوسيمين". 

ويحمّل دانيال المسؤولية في هذا الموضوع للمنتج، قائلاً "الإنتاج يتدخل في النص ويقترح أسماء معينة لأنها حلوة ويحبها الناس. المنتج كما الكاتب هما المسؤولان عن التنويع، والدراما اللبنانية يجب أن تكون كما اسمها، وهي كلما غاصت في محليتها، وعالجت مواضيع عميقة تهمّ المواطن اللبناني كلما أصبحت عالمية. إنها الحقيقة". 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عن سبب عدم رؤية المنتجين لهذه الحقيقة، يوضح دانيال "كلنا مسؤولون عن الدراما اللبنانية وعن إيجاد جمهور لبناني يحمل هويتنا اللبنانية العربية، ولكن مسؤولية المنتج أكبر لأنه المسؤول مادياً، ومن حقه تحصيل الأموال التي يدفعها، وهو عادة يتبع  موضة  معينة، كموضة الممثلة الجميلة والممثل الجميل وقصص الحب. لا أحد يمكن أن ينزع الحب من تاريخ الإنسان منذ الآن وإلى أبد الآبدين، ولكنه توجد جوانب أخرى إنسانية، يمكن أن يُعبَّر عنها كتابة، ومن خلال الاستعانة بممثلين في خريف العمر، يمنحون العمل مسحة إنسانية ويبرزون الحقيقة الموجودة في عمق النص. وهذا الأمر له علاقة بالكاتب والمخرج، بغية بناء دراما وطنية". 

إضافةً إلى ذلك، يؤكد دانيال أن تشابه المسلسلات هو أكبر دليل على هيمنة موضة معينة على الدراما المحلية، مشبّهاً واقعها بواقع الأغنية، ومعقباً "مثلاً، عندما تنجح أغنية في مصر، نسمع مثلها بعد فترة في لبنان لحناً وكلاماً. عندما يكون التأثر صحياً، فهذا أمر جيد، ولكن عندما يتحول إلى استنساخ، فهو مرفوض".

الدراما المشتركة 

ويشير دانيال إلى أن إطلالته المقبلة ستكون من خلال عمل محلي، ويتابع "لست ضد الأعمال المشتركة، ونحن كلبنانيين منفتحون على كل دول العالم وكل الثقافات والفنون، ولكني ضد الافتعال الذي نشاهده فيها. عندما نستعين مثلاً بشخصية مصرية أو سورية في مسلسلنا يجب أن يُكتب لها خصّيصاً، وأن تُفسر أسباب مشاركتها فيه، بمعنى أن يكون وجودها في الدراما عضوياً وغير مفتعل. في "الهيبة"، كانت التجربة ناجحة بينما في غيره، لم يصدق الناس ما شاهدوه وطرحوا تساؤلات كثيرة من بينها مثلاً لماذا يتكلم هذا الممثل بهذه الطريقة". 

وكيف يُفسر دانيال النجاح الذي تحققه الأعمال المشتركة، على الرغم من الانتقادات التي توجَّه إليها؟ يجيب "التلفزيون سرق من جمهور السينما والمسرح، لأنه جهاز موجود في كل مكان. النجاحات التي تحققها تلك الأعمال سببها تعلق فئة كبيرة من الناس ببعض النجوم، ونحن منفتحون على العالم العربي. يجب ألا ننسى أن أثر السينما المصرية لا يزال موجوداً في وجدان الناس، عدا عن أن عدداً كبيراً يعشقون النجوم السوريين. المشاهد يتابع نجمه المفضل، وهذا يعني أن نجومية الممثل تطغى على كل شيء، عدا عن وجود أسباب أخرى، تؤثر في الدراما في شكل عام". 

المزيد من نجوم وفن