Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

النفط العراقي مقابل الغاز الإيراني... مقايضة أصابها "التجفيف"

3 سقوف تحدد المعادلة السعرية ومتخصصون يتخوفون من التحايل على العقوبات الأميركية

مخاوف من افتقار بغداد لأي خيارات سوى قبول شروط استيراد الغاز الإيراني مقابل النفط العراقي (أ ف ب)

بعد مفاجأة أطلقها رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني، الثلاثاء الماضي، بالإعلان عن اتفاق جديد تتم بموجبه مقايضة النفط العراقي بالغاز الإيراني، لا يزال الغموض يحيط تفاصيل العقد الجديد، مع عدم إعلان أي من الطرفين الصيغة الكاملة له، فضلاً عن عدم الكشف حتى الآن عن الآليات التي تم اعتمادها للتوصل إلى الصيغة السعرية لهذا التبادل.

بعد أيام من التوتر الشديد الذي ساد الأجواء العراقية على خلفية تدهور منظومة الطاقة الكهربائية نتيجة قطع إمدادات الغاز الإيراني، عادت البلاد إلى هدوء حذر بعد إعلان "السوداني" استئناف تدفق الغاز إلى العراق من جديد.

ووقع مدير مكتب رئيس الوزراء العراقي إحسان ياسين العوادي، والسفير الإيراني في بغداد محمد كاظم آل صادق، على الاتفاق، في حين لم تعلن الجهات الرسمية أي تفاصيل إضافية حوله.

سقف المقايضة

المتحدث باسم الحكومة العراقية باسم العوادي، اكتفى في حديثه إلى "اندبندنت عربية" بالإشارة إلى العوامل الرئيسة التي ستحدد احتساب أسعار هذا التبادل، لافتاً الانتباه إلى ثلاثة سقوف ستحدد بموجبها المعادلة السعرية للاتفاق بين بغداد وطهران، تتمثل بـ"عدم تجاوز العراق لسقف "أوبك" المقرر له، حيث سيتم بيع النفط بمقدار النقص المحدد في حصته اليومية، فضلاً عن شراء الغاز بالمقدار المحدد والمرصود ضمن الموازنة العامة للسنوات الثلاث المقبلة، التي أقرها البرلمان".

وأضاف "أما السقف الثالث والمتعلق باحتساب أسعار النفط، فسيتم احتسابه وفق الأسعار العالمية"، لافتاً إلى أنه "ربما يكون فيها زيادة أو نقصان بقدر قليل وفقاً لظروف العقد وتقدير الشركات النفطية الرسمية التي ستوقعه".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولم يتم الكشف حتى نشر التقرير عن الصيغة الرسمية للمعادلة السعرية لعقد المقايضة، في حين أشار العوادي إلى أنها "لا تزال قيد التفاوض"، مبيناً أن "اجتماعات تجري حول ترتيب التفاصيل التي قد تأخذ وقتاً للوصول إلى الصيغة النهائية". وختم بقوله إن "الإعلان عن المعادلات حينها سيكون من اختصاص وزارة النفط العراقية".

كان رئيس الحكومة العراقية قال إن اتفاق المقايضة جاء "لإنهاء مشكلة موافقة واشنطن على المدفوعات لطهران"، لافتاً إلى أن بغداد تواجه صعوبات في سداد 11 مليار يورو (12.34 مليار دولار) إلى إيران بسبب العقوبات الأميركية.

ويأتي هذا الاتفاق بعد ساعات من إعلان العراق توقيع اتفاق مع شركة "توتال إنيرجيز" الفرنسية بقيمة 27 مليار دولار لتنفيذ استثمارات في قطاعات الغاز والنفط والطاقة المتجددة.

غموض يشوب الاتفاق

في المقابل، نقلت "أسوشيتد برس"، عن مسؤول بوزارة الخارجية الأميركية قوله، إن واشنطن ليس لديها أي تعليق على اتفاق المقايضة بين بغداد وطهران، في حين أشار إلى أن بلاده تتابع العقوبات الإيرانية بشكل منتظم مع بغداد.

ويدفع عدم الإعلان عن التفاصيل الكاملة للاتفاق بين بغداد وطهران المتخصصين في مجال الطاقة إلى الحديث عن احتمالات عدة تقف خلف ذلك، لعل أبرزها محاولة طهران "الالتفاف على العقوبات الأميركية من خلاله".

وقال المتخصص في مجال النفط والطاقة، حمزة الجواهري، إن "الغموض لا يزال يشوب اتفاق المقايضة بين العراق وإيران"، مشيراً إلى اتفاقه مع مساعي الحكومة لإتمام المقايضة، لكن  يجب في الوقت نفسه أن تتم "بموافقة أميركية لأن عدم الحصول عليها سيضر كثيراً بموقف بغداد".

وقال الجواهري في تصريح خاص، إنه لا بد  من "اقتصار المقايضة على النفط الأسود" الذي يمتلك سعراً رسمياً بناء على منصة دبي. وفي شأن الصيغة السعرية، اعتبر أن "الصيغة المقبولة لإتمام المقايضة هي أن تكون وفق السعر المعلن للنفط الأسود في دول الخليج وكذلك المعادلة السعرية للغاز".

وذكر أن، الكمية التي أشارت إليها المصادر البرلمانية "تصل إلى ما يقرب من 400 ألف برميل يومياً، وهي أكثر بكثير من مشتريات العراق للغاز، التي لا تتجاوز حدود 30 مليون متر مكعب".

لعل اللافت في هذا العقد، بحسب الجواهري، هو "موافقة إيران عليه، التي لطالما رفضت أي نوع من أنواع المقايضة، وهي تطالب دائماً بالدولار وليس غيره"، مبيناً أنه باستطاعة العراق "شراء ما تحتاج إليه إيران من الغرب لكنها ترفض ذلك".

وتابع أن المعادلة السعرية لشراء الغاز الإيراني "مجففة للعراق"، بخاصة أن سعره يصل إلى حدود تسعة دولارات للمليون وحدة حرارية بريطانية، في حين يبلغ سعره في الأسواق العالمية 2.6 دولار، مشيراً إلى أن طهران تعتبر ما يجري "فرصتها للضغط على العراق وبيع الغاز له بهذه الأسعار".

تحايل على العقوبات الأميركية

خلال الأشهر الماضية، أبدت واشنطن قلقاً متزايداً في شأن علاقة الحكومة العراقية مع إيران، خصوصاً مع النفوذ الكبير الذي تحظى به الميليشيات المسلحة الموالية لطهران، وهو الأمر الذي دفع وزارة الخزانة الأميركية إلى تشديد الرقابة على التحويلات المالية التي يجريها البنك المركزي العراقي.

وفرض بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي قيوداً واسعة على التحويلات التي يجريها العراق نهاية عام 2022، في مسعى منه للحد من تسرب الدولار وغسل الأموال والاستيلاء غير القانوني على الدولارات التي توجه إلى إيران وحلفائها في المنطقة.

يبدو أن "التحايل على العقوبات الأميركية"، بحسب تعبير المتخصص في مجال النفط والطاقة بلال خليفة، هو الذي دفع طهران التي تمتلك رابع احتياطي عالمي للنفط بالقبول بتلك الصفقة، مبيناً أن الغاية الرئيسة تتعلق بـ"تقليل التعامل بالدولار الأمر الذي يثير حفيظة واشنطن".

وتتمثل مخاطرة العراق في هذا العقد بكون العقوبات الأميركية على إيران "تشمل جميع القضايا المالية والنفطية وغيرها"، بحسب خليفة الذي يشير إلى أن بغداد ملزمة بـ"الحصول على رخصة أميركية قبل أن الشروع بتنفيذ تلك المقايضة".

ويتابع أن، هذا الاتفاق "لا يشكل ضرراً على اقتصاد البلاد"، بخاصة أن الاقتصاد المحلي "مبني تماماً على الاستيراد".

ويعزز "افتقار حكومة بغداد لأي خيارات أخرى سوى القبول بالشروط الإيرانية"، بحسب خليفة، احتساب طهران سعراً مرتفعاً للغاز، خصوصاً مع وصول تداعيات انقطاع الكهرباء إلى حدود أن إمكانية إشعال تظاهرات عارمة في البلاد.

وفي شأن إمكانية أن تقدم طهران ضمانات للحكومة العراقية بعدم قطع إمدادات الغاز مرة أخرى، يبين خليفة أن بغداد ليست في موقف يجعلها قادرة على إملاء شروطها، خصوصاً في ظل عدم توفر بدائل للغاز الإيراني في الوقت الحالي، لافتاً إلى ضرورة أن تضع الحكومة العراقية "جزاء مقابل أي إخلال في العقد".

ويختم حديثه بالقول إن، "القطاع النفطي في العراق يمول 90 في المئة من الموازنة العامة الاتحادية، وفي حال قامت واشنطن بوضع عقوبات على هذا القطاع، فإن الحكومة العراقية ستكون بمأزق كبير".

تمويل البتروكيماويات

في المقابل، يقول المتخصص في الاقتصاد همام الشماع، إن معرفة ما إذا كانت المقايضة مفيدة أم مضرة باقتصاد البلاد يتعلق بشكل مباشر بـ"الإفصاح عن شروط التبادل والمعادلة السعرية له"، مرجحاً أن يتم الاحتساب وفق متوسط سعر النفط الأسود لكل ستة أشهر، بخاصة أن أسعار الغاز العالمية معرضة للتقلبات.

ويذكر الشماع أن "تسريبات عدة أشارت إلى عدم وجود شروط جزائية على طهران في حال قطعها الغاز، في حين يخضع العراق إلى دفع غرامات إذا لم يقم بتسديد دفعات النفط الأسود إلى إيران في موعدها".

يبدو أن هذا البند "يضع العراق في مأزق"، بحسب الشماع، موضحاً أن "الحاجة الداخلية الإيرانية للغاز في أي لحظة ستمكنها قطع إمدادات الغاز عن العراق من دون مواجهة أي تبعات قانونية".

ونبه إلى أن ما دفع طهران إلى الموافقة على المقايضة هو "امتلاكها نحو 81 مجمعاً لصناعة البتروكيماويات، التي يقوم هذا النوع من الوقود بتشغيلها"، لافتاً الانتباه إلى أن طهران تخضع إلى نوعين من العقوبات الأميركية، الأول يتعلق بتدفق الدولار أما الثاني فيرتبط بالعقوبات على الصادرات. أما الاتفاق الأخير بالنسبة لبغداد يمثل "هرباً من النوع الأول للعقوبات لكنه لا يزال في حاجة إلى الموافقة الأميركية".

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات