Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"آرابيلا" بطلة ريتشارد شتراوس تستجيب لرغبات موسيقية عربية

ليست الأحداث ولا العلاقات هي المهمة بل الطريقة التي بها رسم الكاتب ثم الموسيقي سيكولوجية الشخصيات وخصوصاً الشخصية المحورية

ريتشارد شتراوس (1864 – 1949) (غيتي)

ملخص

ليست الأحداث ولا العلاقات هي المهمة بل الطريقة التي بها رسم الكاتب ثم الموسيقي سيكولوجية الشخصيات وخصوصاً الشخصية المحورية

في البداية كانت "آرابيلا" نصاً كتبه الشاعر والكاتب النمساوي هوفمنشتال، لكن العنوان سيرتبط بالموسيقي ريتشارد شتراوس بأكثر كثيراً مما يرتبط بهوفمنشتال حتى وإن كان النقاد والمؤرخون سيجمعون على أن الموسيقى التي وضعها شتراوس للعمل لم ترق كما سوف نرى إلى الموسيقى التي وضعها هذا الأخير لأعمال أخرى له. ولعل ما يمكن قوله في هذا السياق هو أن الأوبرا الشتراوسية التي حملت العنوان واقتبست النص الأدبي، إنما أتت مفتعلة بالنظر إلى أنها نبعت فقط من رغبة تشبه النزوة في إنجاز عمل فني بأكثر مما نبعت من رغبة فنية إبداعية حقيقية. فمنذ زار مصر بين عامي 1892 - 1893، خلال جولة قادته كذلك إلى اليونان وصقلية، وضع الموسيقي الألماني ريتشارد شتراوس في ذهنه أنه ذات يوم سيؤلف موسيقى عربية. بيد أننا نعرف أنه لم يفعل هذا أبداً، بل إنه حين كان يخيل إليه، في بعض الأحيان، أنه يطعّم بعض ألحانه بنكهة عربية، كان بالأحرى يحذو حذو الموسيقيين الروس من أمثال بورودين ورمسكي - كورساكوف، وربما أيضاً حذو النرويجي إدفارد غريغ، فيستخدم ألحاناً تركية أو حتى روسية – قوقازية، معتقداً أنها عربية، في أعمال له، تمت بصلة ما إلى الشرق الأوسط الغامض، مثل "سالومي" وبعض أجواء "دون كيشوت" كما صاغها على شكل قصيدة سيمفونية.

مصالحة ما...

ومن هنا سيكون عمل ريتشارد شتراوس الوحيد الذي سيراه الأقرب لديه إلى الروح العربية، أوبرا "آرابيلا" التي قدمها للمرة الأولى على المسرح الملكي في مدينة درسدن عام 1933، وإن كانت لا تعتبر، بالنسبة إلى الباحثين الموسيقيين والمؤرخين، من أعماله الكبرى. بل إن كثراً من هؤلاء يستكثرون عليها أن تصنف كأوبرا قائلين إنها، في نهاية الأمر، عمل حائر بين الأوبرا والأوبريت. ومهما يكن، فإن ريتشارد شتراوس نفسه، لم يتحدث كثيراً عن هذا العمل الذي اعتبره، مع هذا، نوعاً من المصالحة الموسيقية المتأخرة بين الشكل الفني المتوازن، على طريقة موتسارت، والتمرد الشكلي على طريقة فاغنر. والحال أن جزءاً كبيراً من عمل شتراوس الموسيقي يدين لهذين الموسيقيين الكبيرين. أما بالنسبة إلى "آرابيلا"، فإنها في الأساس تدين إلى هوفمنشتال، الذي كان صديقاً لشتراوس... وحين فاتحه هذا ذات مرة بأنه في حاجة إلى نص يحاول فيه وضع موسيقى ذات روح عربية، أهداه النص الذي كان كتبه بعنوان "آرابيلا" قائلاً له: "على الأقل ثمة في شخصية البطلة روح عربية واضحة تجعلها تبدو كفرس ذات دماء نقية. ومن هنا كان اسمها آرابيلا"، ولقد أراح هذا الكلام الموسيقي يومها فوضع ألحان العمل وهو فائق الحماسة. أما سكوته عن هذا العمل لاحقاً فيبدو أن له علاقة بما كان من ردود فعل نقدية عليه: تحدث النقاد عن سمات البطلة واسمها وصحراويتها، لكن أحداً منهم لم يعامل أي مقطع موسيقي في العمل على أنه على علاقة بأية موسيقى عربية.

شمس ساطعة وحياة عادية

والنتيجة أن "آرابيلا" لن يمكن اعتبارها من أعمال ريتشارد شتراوس الكبرى، فهي تقل قيمة وشهرة عن أعمال له مثل "هكذا تكلم زرادشت" و"الكترا" و"البورجوازي النبيل" و"سالومي"، تلك الأعمال التي جعلت كلود ديبوسي، الموسيقي الفرنسي الكبير معاصر شتراوس يقول عنه: "... أكرر أمامكم أن ليس ثمة من وسيلة لمقاومة الهيمنة الكاملة التي تمارسها موسيقى هذا الرجل علينا. إن ثمة شمساً ساطعة في موسيقاه". وعلى أية حال فإن هذه الشمس، ومهما كان رأي النقاد في "آرابيلا"، نرصدها ماثلة بقوة في موسيقى هذا العمل. فعلام يدور موضوع "آرابيلا"؟ إنه، موضوع أقرب إلى العادية يتحلق من حول أب أفلس يوماً وبات الفقر يهدده من كل جانب فلم يعد أمامه إلا أن يعثر على عريس غني لابنته الكبرى المسماة آرابيلا. وهو حين عثر على هذا العريس لم يدرك أول الأمر أن الزواج الذي كان يجب أن يكون مجرد زواج مصلحة، سرعان ما تحول إلى زواج حب. لكن الأمور لم تكن على مثل هذه السهولة، حيث أن الحبكة نفسها لم تواصل طريقها ببساطة، إذ إن ثمة هنا، في هذا العمل حكايات من النوع المعتاد: حلول أشخاص محل أشخاص آخرين. قطع علاقات. هجران. عودة ومصالحة، حتى اللحظة التي يحل فيها فصل الختام حيث النهاية السعيدة. والحقيقة أن كل ما في هذا العمل يبدو عادياً معتاداً، من النوع الموجود حتى كوميدياً، في نوعية "الكوميديا ديل آرتي".

سيكولوجية مدروسة

لكن المهم هنا ليس الأحداث ولا العلاقات، بل الطريقة التي بها رسم الكاتب، ثم الموسيقي، سيكولوجية الشخصيات، بل تحديداً سيكولوجية الشخصية المحورية آرابيلا، التي خلق شتراوس من أجل مشاهدها، موسيقى شديدة الخصوصية تحدث من خلالها عن شهامة هذه الفتاة وبساطتها، ما جعلها، على رغم خفة العمل كله، واحدة من أجمل الشخصيات العاطفية التي ابتدعت في زمانها. ومن هنا يكون لموسيقى شتراوس فضل كبير في إملاء هذا الشعور على المتفرج. فالموسيقى هنا، كما يؤكد معظم النقاد وفي مقدمهم ألبرتو سافينيو، في كتابه "صندوق الموسيقى" عرفت كيف تغلّف العمل كله ولا سيما سمات الشخصيات، معطية إياها أبعاداً في منتهى الرقة، محولة حتى أكثر المشاهد الكوميدية - والتي تعبر عن قلق العائلة إزاء حال الفقر المقبلة، وانعكاس هذا القلق على الابنة الطيبة آرابيلا - إلى مشاهد عاطفية حنون. ولئن كان النقاد أنفسهم يتفقون، وسافينيو في مقدمهم، على أن الجمل الموسيقية هنا قد لا تكون غنية غناها في أعمال مشابهة لشتراوس مثل "فارس الوردة" أو"آريان في شاكوس"، فإن إبداع شتراوس، الأوركسترالي والتلحيني، حوّل مشاهد الفقر إلى متعة حقيقية، حيث يشعر المتفرج المستمع، أمام كل لحن وجملة بأنه شديد التآلف معهما. هذا من دون أن ننسى الطابع الشعبي الذي يميز هذا العمل ويجعله قريباً من القلب، حتى وإن ابتعد بعض الشيء من العقل. وينطبق هذا في شكل خاص على الإيقاعات ثم على الأغنيات الفردية، التي سرعان ما تحولت لتصبح جزءاً من التراث الشعبي الألماني، يغنيها أناس لا يأبهون بكونها منتزعة من عمل أوبرالي، أمام جمهور سرعان ما يستعيدها كأغنيات مستقلة. باختصار يمكننا أن نقول إننا قد لا نكون هنا أمام عمل أوبرالي حقيقي من النوع الذي قد يروق لكبار الهواة، لكننا أمام عمل شعبي ملون وحر، صنع لريتشارد شتراوس سمعة جديدة في نهايات حياته، تختلف إلى حد كبير عن السمعة الجدية التي كانت صنعتها له سنوات حياته وعمله السابقة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سيرة فنان

فالحال أن ريتشارد شتراوس (1864 – 1949) كان حين لحن "آرابيلا" وقدمها للمرة الأولى، في التاسعة والستين من عمره، وكان يحمل وراءه مجداً فنياً كبيراً، بدأ في السنوات الفاصلة بين1874  و1882، حين لحن أعماله الصغيرة الأولى هو الذي تربى منذ صغره في بيئة فنية موسيقية، إذ كان أبوه مغنياً في أوبرا ميونيخ.  وهو - أي ريتشارد - بعد دراسة مكثفة للموسيقى الكلاسيكية عيِّن عام 1885 مساعداً في إدارة المسرح في بلاط ميننغن... ليعيَّن بعد ذلك، وبعد جولة قام بها في روما، مديراً لمسرح ميونيخ، ما جعله قادراً على البدء في تلحين أول أعماله، التي سترى النور فعلاً، وكانت عبارة عن أغنيات مبكرة لحنها متأثراً بفاغنر وشوبرت، كما بفرانز ليست، الذي كان مرجعه الأساس في ذلك الحين. أما العملان الأولان اللذان أطلقا ريتشارد شتراوس حقاً، فكانا القصيدتين السيمفونيتين "ماكبث" و"دون جوان". وقد عيّن بين 1889 و1894، رئيساً لأوركسترا مسرح فايمار، ما أتاح له هذه المرة فرصة كتابة بعض أعماله الكبرى، والتي صنعت شهرته كواحد من أكبر المؤلفين الموسيقيين في جيله، بل إن البعض اعتبره الخليفة الشرعي لفاغنر: مثل "الموت والتحول" وأوبراه الأولى "غونترام". وخلال السنوات العشرين التالية سيتنقل شتراوس، مع ازدياد شهرته وتعاظم مكانته في الموسيقى الألمانية والأوروبية عموماً، بين إدارة دار أوبرا ميونيخ ودار أوبرا برلين، وسيكثر تلحينه للنوع الذي كان قد صار اختصاصاً له: القصيدة السيمفونية، وصولاً إلى تلحين "سالومي"، التي عبر فيها عن تصوره الخاص جداً للعمل السيمفوني المسرحي. ومنذ ذلك الحين، سيواصل، وطوال أكثر من ثلث قرن، إنتاج أعماله الكبرى، في الوقت نفسه الذي برع كقائد أوركسترا، ما أوصله عام 1924 ليصبح مديراً مشاركاً لأوبرا فيينا.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة