Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"مصائد الموت"... فاجعة مصرية يتردد صداها قبالة سواحل اليونان

قرى اتشحت بالسواد بعد الحادثة وشهادات الناجين تكشف تقصير خفر السواحل اليونانية في إنقاذ المهاجرين وتعريضهم للخطر

عدد من الناجين من كارثة غرق القارب لدى وصولهم إلى ميناء كالاماتا اليوناني، في 14 يونيو الحالي (أ ف ب)

"نساء يتشحن بالسواد... وجوه يملؤها الحزن والأسى... رجال وشباب يترقبون بصمت الأخبار المتواترة عن الحادثة على شاشات التلفزيون ومحطات الراديو"، هكذا بدت حال أهالي وأسر المفقودين في حادثة مركب الهجرة غير الشرعية التي غرقت بالقرب من السواحل اليونانية، الأربعاء 14 يونيو (حزيران) الماضي، وكانت تحمل على متنها قرابة 750 مهاجراً غير شرعي، في حادثة صنفتها بعض المنظمات والمؤسسات الدولية المعنية بقضية الهجرة كـ"أسوأ المآسي في البحر المتوسط على مدى عقد"، بعد أن خلفت وراءها مئات الضحايا إما غرقى أو مفقودين في رحلة الموت والهلاك.
صدمة كبرى يعيشها أهالي مدينة مشتول السوق وقرى وأبراش والسعديين ومنيا القمح، بمحافظة الشرقية (شمال شرقي القاهرة)، منذ وقوع الحادثة المأسوية حزناً على فقدان ذويهم، الذين لا يعلمون مصيرهم حتى اللحظة الراهنة.
وتندرج واقعة غرق المركب قبالة سواحل اليونان ضمن سلسلة وقائع مأسوية، وسط انتقادات واسعة تعرض لها خفر السواحل اليونانيون بزعم عدم محاولتهم إنقاذ مئات المهاجرين قبل الغرق وتركهم عرضة لأن يبتلعهم البحر، في ظل حالة من الهدوء التزمتها السلطات المصرية، مكتفية ببيانات رسمية صادرة عن وزارتي الخارجية والهجرة لشجب الحادثة والتنديد بجرائم عصابات الهجرة غير الشرعية وسماسرة التهريب.

وحاولت "اندبندنت عربية" تقصي خيوط تلك القضية في محاولة لمعرفة ملابسات حدوثها. وكشف مسارات الهجرة التي تتبعها عصابات التهريب والهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر في تلك العمليات، ولماذا توجه أصابع الاتهام لخفر السواحل اليوناني؟

رسائل تهديد

في حديثها لـ"اندبندنت عربية"، تروي سعدية صلاح (36 سنة)، وهي ربة منزل مقيمة في مدينة "مشتول السوق" بمركز أبراش بالشرقية (شمال مصر)، مأساة نجلها محمود حنفي أمين (15 سنة)، أحد المفقودين في مركب الهجرة غير الشرعية قبالة السواحل اليونانية، إذ تقول، "لا أعلم شيئاً عن ابني منذ أن سافر إلى ليبيا وفشلت كل محاولاتي في العثور عليه". وتضيف بصوت متهدج، "لا أعلم إذا كان ميتاً أو حياً وأتمنى أن أطمئن وأسمع أي معلومة عنه".
وتكمل أن الظروف المعيشية والرغبة بالهجرة للخارج دفعت نجلها إلى السفر، موضحة أنه لم يكمل تعليمه لمساعدة والده في مصروف المنزل ومواجهة أعباء المعيشة وكان يعمل برفقته في ورشة الحدادة.
وكانت اللحظة الأصعب لسعدية، التي أثارت بداخلها مشاعر الخوف والقلق على حياة نجلها، هي تسلمها رسالة تهديد عبر تطبيق "واتساب" من قبل شخص مجهول في ليبيا، تقول "إما أن تدفعي أو لن ترى ابنك مجدداً"، وطلب مبلغ 140 ألف جنيهاً (4530.19 دولار) على أن يتم وضعها في مكان محدد على إحدى الطرق العمومية بالقرية، حتى يتسلمها شخص آخر مقابل كلمة سر.
ولم تجد سعدية سبيلاً سوى الرضوخ لطلبات المهرب أملاً في إنقاذ حياة نجلها. وقالت "حصلت على قرض من البنك وقمت ببيع عديد من المتعلقات المنزلية والاستدانة من أشخاص آخرين من أجل استكمال المبلغ لتسليمه للمهرب، وعلى رغم دفع المبلغ في الوقت المحدد لم أتلق أي معلومات عن نجلي حتى اللحظة الراهنة"، مضيفة أن نجلها من بين 36 شخصاً آخرين من نفس القرية مفقودين على المركب.
وأورد بيان صادر عن وزارة الهجرة المصرية، أن إجمالي عدد المهاجرين كان يتراوح بين 400 و750 شخصاً من جنسيات مختلفة، وبلغ إجمالي عدد المصريين الناجين 43 شخصاً (خمسة قصر، 38 بالغاً). وأوضحت وزارة الهجرة أن إجمالي من تم إنقاذهم بلغ 104 أشخاص بينهم أيضاً 12 باكستانياً، 47 سورياً، وفلسطينيين.

وأعلنت وزارة الخارجية المصرية أنها تنسق مع السفارة المصرية في أثينا وتتواصل مع الجهات اليونانية المعنية للاطمئنان على أحوال الناجين، والحصول على معلومات في شأن هوية المفقودين ومن تم إنقاذهم من الضحايا. وشكلت الخارجية المصرية مجموعة عمل خاصة للتعامل مع هذه الحادثة الأليمة، تتولى استقبال أسر الضحايا والمفقودين للتوجيه في شأن الإجراءات المطلوب اتخاذها في إطار جهود التعرف على جثامين الضحايا.

5 أيام في اليونان
جانب آخر من المأساة، يرويه محمد الشرقاوي (33 سنة)، الذي اضطر أن يسافر من إيطاليا حيث يقيم حالياً إلى دولة اليونان، واستمر في رحلة البحث طيلة خمسة أيام كاملة، أملاً في العثور على شقيقه وأقاربه وأصدقائه الذين استقلوا المركب الغارق. وحاول محمد أن يطرق كافة الأبواب وأن يبحث عنهم في أقسام الشرطة والمستشفيات اليونانية، لكنه لم يفلح في العثور عليهم بعد، ولم يجد وسيلة للبحث بعد أن أغلقت بوجهه كافة الأبواب، سوى عمل تحليل الصفة الوراثية "DNA" عند السلطات اليونانية في محاولة للعثور على أي بيانات تدل على هوية شقيقه وأقاربه المسافرين معه في نفس المركب الغارق.
ويضيف محمد خلال حديثه لـ"اندبندنت عربية"، أنه فوجئ بسفر شقيقه أحمد (28 سنة)، بعد أن فضل ترك عمله كـ"نجار مسلح" في ليبيا، ليستقل المركب القادمة من مصر رفقة أقاربه وأصدقائه للهجرة للخارج، قائلاً "فوجئت باتصال منه يقول لي إنه موجود في مخزن المركب ويطلب مني 40 ألف جنيه (1294.46 دولار)، لأن كلفة الرحلة كانت تقدر بـ140 ألف جنيه (4530.19 دولار)، ولم يكن بحوزته سوى 100 ألف فقط (3236.16 دولار) واضطر إلى أن يبيع ما يملكه لكي يهاجر".
ولم يخف محمد خلال الحديث حزنه وحسرته على فقدان شقيقه، إذ يقول "أخي تزوج منذ ستة أشهر وزوجته حامل حالياً ولا أعرف إذا كان حياً أو ميتاً حالياً. وودي أن أعرف شيئاً عنه يريح قلبي".

اتهامات بالتقصير وتحقيقات جارية

إلى ذلك، يقول الدكتور محمد الزفزاف رئيس اتحاد الجالية المصرية باليونان، إن "إجمالي المهاجرين على المركب الغارق بلغ 750 مهاجراً غير شرعي، والمركب غرق على حدود البحر الإقليمي المواجه لسواحل كالاماتا اليونانية، التي تعد من أعمق المناطق المليئة بالأسماك كبيرة الحجم"، موضحاً أن "التحقيقات الجارية أظهرت أن مركب الصيد خرج من مصر فارغاً وهو عبارة عن طابقين، علوي وسفلي. ويخصص الطابق السفلي في المركب للثلاجات والغرف وتخزين السمك، ودفع المهاجرون ما يتراوح بين ثلاثة وخمسة آلاف دولار، بحسب جنسية المهرب.
ويضيف رئيس اتحاد الجالية المصرية باليونان، أن "الواقعة بدأت مع رصد الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل (فرونتكس) المركب في تمام الساعة الـ10 صباحاً بتوقيت القاهرة، وكانت تعاني من مشكلات عدة في هذا التوقيت، وتلقى خفر السواحل اليوناني إشارة من فرونتكس تؤكد أن هناك مركباً في المياه الاقتصادية تواجه أزمة كبيرة، وفي تمام الساعة 2:17 بتوقيت القاهرة تلقى النظام الهاتفي التحذيري رسالة من المركب أن الماكينة معطلة ولا يوجد طعام على المركب منذ ثلاثة أيام، وتوجه مركب إليهم عند الساعة السابعة مساء ليعطيهم طعام ومياه، وفي تمام الساعة الـ10:30 مساء حضر مركب آخر وأعطاهم أغذية ومشروبات، وعقب ذلك بدأت تحدث اضطرابات داخل المركب وسادت حالة من الغضب الشديد بين المهاجرين، وبسبب الحركة القوية، وتعطل المحرك وتلاطم الأمواج، اختل توازن المركب، فحاولوا حفظ توازنه، ولكن شاءت الأقدار أن يغرق في النهاية".
وسجلت "فرونتكس"، وصول 330 ألف مهاجر غير شرعي إلى الاتحاد الأوروبي عبر جميع طرق الهجرة العام الماضي في أعلى رقم منذ عام 2016. وأكدت أنه منذ بداية العام الحالي ارتفع عدد الذين يحاولون الوصول إلى شواطئ أوروبا من شمال أفريقيا عبر طرق الهجرة صوب إيطاليا إلى أكثر من 42 ألفاً".
ولفت الزفزاف إلى أن "تلك الأزمة نتج منها اتهامات بالتقصير للسلطات اليونانية وأمر المدعي العام بفتح تحقيق في تلك الواقعة بإشراف نائب المدعي العام نفسه"، موضحاً أن "القوانين البحرية في المواد 53 وحتى 56 من قانون البحار، تقر بأن الدولة مسؤولة عن كل عمليات الإنقاذ في المنطقة الاقتصادية".
وفي بيان صحافي مشترك، شددت المنظمة الدولية للهجرة والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، على أن "إنقاذ الأشخاص الذي يطلقون نداءات استغاثة في البحر، من دون إبطاء هو أحد أحكام القانون الدولي للملاحة"، مضيفاً أن "أي أعمال بحث وإنقاذ يجب أن تتم تماشياً مع الالتزام بمنع فقدان الأرواح في البحار". ورحبت المنظمتان بإعلان اليونان فتح تحقيق في ملابسات الحادثة التي أدت إلى غرق القارب وفقدان عديد من الأرواح.
وأوضح الزفزاف خلال حديثه لـ"اندبندنت عربية"، أن "عدد الناجين بلغ 104 أشخاص من جنسيات مختلفة، بينهم 43 مصرياً و47 سورياً و12 باكستانياً وفلسطينيين، تم نقلهم جميعاً إلى مخيم اللاجئين بأثينا لحين البت في أمرهم ومن المرجح ترحيلهم مرة أخرى"، مشيراً إلى أن من بين الـ43 مصرياً الناجين يوجد خمسة تحت سن الـ18 سنة والباقين بالغين وتسعة أشخاص تم اتهامهم بالاشتراك في عملية التهريب بينهم قائد المركب، مؤكداً أن عدد الجثث التي تم انتشالها بلغ 82 جثة حتى الآن.
ويمثل تسعة مصريين متهمين بأنهم أعضاء في عصابة لتهريب البشر متورطة في واحدة من أسوأ عمليات تهريب المهاجرين في البحر المتوسط أمام محكمة كالاماتا جنوب اليونان، لاستجوابهم في شأن دورهم المزعوم في الكارثة. وقد وجهت اتهامات للرجال التسعة بتكوين عصابة لتهريب البشر ضالعة في الحادثة الأليمة. ويواجه هؤلاء سلسلة تهم، من بينها المشاركة في منظمة إجرامية، والقتل غير العمد، والتسبب بغرق زورق.
وقالت الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة في بريطانيا "أن سي أي"، الخميس، إنها اعتقلت مصرياً يشتبه في أنه ينسق لتهريب آلاف الأشخاص من شمال أفريقيا إلى إيطاليا عبر البحر المتوسط. وعبرت الوكالة عن اعتقادها أن الرجل (40 سنة) الذي اعتقلته في لندن، الأربعاء، "يعمل مع شبكات تهريب البشر بشمال أفريقيا لتنظيم رحلات للمهاجرين بالقوارب ثم التواصل مع شركائه المجرمين أثناء عمليات العبور".
وقالت إن "خفر السواحل الإيطالي أنقذ في حادثة أخرى 265 مهاجراً كانوا في قارب صيد طوله 20 متراً وعثر عليه في البحر المتوسط ​​بعد أن ضل طريقه عقب مغادرة ليبيا، كما عثرت عمليتا بحث وإنقاذ في أبريل (نيسان) الماضي، أعقبتا نداءات استغاثة، على أكثر من 600 مهاجر على متن كل قارب.
وأوجب القانون المصري رقم 22 لعام 2022 تعديل بعض أحكام قانون مكافحة الهجرة غير الشرعية وتهريب المهاجرين الصادر بالقانون رقم 82 لعام 2016، الذي نص على أنه "يعاقب بالسجن المشدد وبغرامة لا تقل عن 200 ألف جنيه (6472 دولاراً) ولا تزيد على 500 ألف جنيه (16 ألف دولار) أو بغرامة مساوية لقيمة ما عاد عليه من نفع أيهما أكبر، كل من ارتكب جريمة تهريب المهاجرين أو الشروع فيها أو توسط في ذلك".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


أصابع الاتهام

وكشف مؤسس مجموعة "الإنقاذ الموحد" المعنية بإغاثة المهاجرين، إيهاب الراوي (عراقي الجنسية)، المقيم في برلين، إنه "وفقاً للمعلومات الأولية والتقديرات غير الرسمية وشهادات الناجين أن عدد المفقودين بلغ 550 شخصاً تقريباً، فيما تم انتشال 82 جثة حتى الآن"، لافتاً إلى أن "أصابع الاتهام توجه إلى خفر السواحل اليونانية في تلك الواقعة"، موضحاً أنه تحدث إلى اثنين من الناجين وأكدوا أن خفر السواحل اليونانية كان يتعمد إغراقهم. وأضاف الراوي، أن "المركب انطلق من منطقة عين غزالة، التي تبعد عن ميناء طبرق بليبيا مسافة 70 كيلومتراً، الجمعة الثامن من يونيو الحالي في تمام الساعة الخامسة صباحاً بتوقيت ليبيا، وكان على متنه 750 شخصاً من جنسيات مختلفة، وتم نقل المهاجرين على المركب، وكان المتفق عليه أن يكون موعد الوصول المحدد بعد ثلاثة أيام، إلا أنه في اليوم الثالث نفدت كمية المياه الموجودة معهم وكانت وجهة الوصول بعيدة، ولكنهم واصلوا رحلتهم حتى اليوم الخامس لبلوغ نقطة الوصول وحينها أرادوا طلب المساعدة من السلطات الإيطالية ولكنها أبلغتهم أن الإحداثيات خطأ وأشارت عليهم بالابتعاد عن المكان المحدد مسافة 255 كيلومتراً. وأرسلت إيطاليا بالفعل طائرتين وقامت بتصويرهما ثم رحلتا. ولم يتحمل ستة مهاجرين بينهم سوري وباكستاني، العطش، فماتوا قبل غرق المركب".

4500 دولار ثمن رحلة الموت

وعن كيفية المواجهة، ترى رئيسة اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة ومنع الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر، السفيرة نائلة جبر، أن "سماسرة وعصابات التهريب أجبروا على تخزين المهاجرين وتجميعهم في دول بديلة لمصر ينطلقون منها في رحلة الهجرة غير الشرعية بعد أن اتخذت مصر خطوات جادة في مواجهة الهجرة غير الشرعية، وبرز ذلك جلياً من خلال المبادرات الرئاسية التي أُعلن عنها، وتغليظ العقوبات وتدشين اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة ومنع الهجرة ووضع استراتيجيات وخطط للحد من تلك المسألة، علاوة على ضبط الحدود". وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021 أعلن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي خلال كلمته في مؤتمر "قمة فيشغراد"، "لم تخرج مركب هجرة غير شرعية من بلادنا، ولكن كل الهجرة تأتي من الدول الأفريقية التي تعاني مشكلات، حيث تحتضن مصر ستة ملايين أفريقي". يشار إلى أن الرقم ارتفع حالياً إلى تسعة ملايين وفقاً لأرقام رسمية.
وتقول السفيرة نائلة جبر، إنه "يجب على الشباب أن يكونوا إيجابيين وألا يلقوا بأنفسهم في الهلاك"، متسائلة "كيف لشاب أن يدفع 4500 دولار في رحلة قد تكلفه حياته في حين أنه يمكنه إطلاق مشروع داخل بلده؟".
وخلال عام 2019، أطلق الرئيس المصري مبادرة "مراكب النجاة"، للتوعية بمخاطر الهجرة غير الشرعية، ووضعت وزارة الهجرة استراتيجية متكاملة لتنفيذ المبادرة، تضمنت التعريف بسبل الهجرة الآمنة، مع توفير البدائل الإيجابية من تدريب وفرص عمل بالمحافظات التي تنتشر بها تلك الظاهرة، والبالغ عددها 14 محافظة (الفيوم والبحيرة والغربية والمنوفية والقليوبية والدقهلية والشرقية وكفر الشيخ وبني سويف والمنيا وأسيوط والأقصر وقنا وسوهاج).

مراكب الصيد الفارغة

وعن دوافع الهجرة والسفر، قال الباحث المتخصص في السكان ودراسات الهجرة الدكتور خالد حسن، إن "سماسرة الهجرة غير الشرعية والتهريب وعصابات الاتجار بالبشر يحاولون دائماً اللعب على مشاعر الشباب الطامحين بالهجرة للخارج بإيهامهم بتحقيق الثراء السريع والهرب من الفقر". وأضاف أن "تلك العصابات عادة ما تلجأ لاستغلال المراكب المخصصة للصيد، التي تنطلق فارغة من الحدود المصرية وبمجرد خروجها من المياه الإقليمية، يوجهها المهربون إلى طبرق بليبيا التي تعتبر نقطة تجمع المهاجرين غير الشرعيين ومنها الانطلاق نحو إيطاليا أو اليونان، التي تعتبر وجهة الغالبية العظمى من المهاجرين".
وتوصلت دراسة بحثية أجراها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في القاهرة بين الشباب المصري الذي يرغب في الهجرة بصورة غير شرعية، إلى أن 11 محافظة تضم أكبر عدد من المهاجرين غير الشرعيين هي: الشرقية والدقهلية والقليوبية والمنوفية والغربية والبحيرة وكفر الشيخ والفيوم وأسيوط والأقصر والمنيا.

وفي تقرير آخر صادر عن الهيئة العامة للاستعلامات (هيئة حكومية مصرية)، في مارس (آذار) 2022، حمل عنوان "مصر وملف الهجرة غير الشرعية"، أورد العوامل التي تدفع إلى الهجرة غير الشرعية، متمثلة في البطالة وانخفاض الأجور وتدني المستوى الاقتصادي والمعيشي داخل البلدان المصدرة للمهاجرين، علاوة على العوامل الاجتماعية المتمثلة في ضعف أو انعدام الروابط الاجتماعية والأسرية، أما عوامل جذب المهاجرين فتتمثل في ارتفاع أجور العمال في البلد المراد الهجرة إليها، وارتفاع المستوى المعيشي بها ووجود خدمات اجتماعية وصحية أفضل مقارنة بدولة المهاجر.
وأوضح الباحث خالد حسن أن "الجانب اليوناني كان يجب أن يتعامل بلطف وإنسانية مع المهاجرين وألا يتركهم عرضة لخطر الغرق في البحر لأنه يتعارض مع أبسط مبادئ حقوق الإنسان"، مشيراً إلى أن "استمرار الفجوة في الظروف الاقتصادية والمعيشية بين الشمال الأفريقي والجنوب الأوروبي سبب من أسباب تفاقم ظاهرة أزمة الهجرة غير الشرعية، وهو ما يتطلب عمل برامج تنموية لتمويل فرص عمل للشباب الراغبين في الهجرة". وأوصى بتشديد الرقابة على مراكب الصيد التي تخرج فارغة بغرض الصيد خشية استغلالها في عمليات الهجرة غير الشرعية.

التوعية سلاح المواجهة

ويعضد الطرح السابق، حديث الباحثة في مجال العلوم السياسية، صاحبة كتاب "الهجرة غير النظامية بين التأريخ والتعقيد" نانسي طلال زيدان، إذ تقول إنه "دائماً ما يكون التركيز على المشكلات في قضايا الهجرة من دون طرح الحلول"، موضحة أنه "يجب النظر إلى عدة محددات رئيسة لمواجهة مخاطر تلك الظاهرة، تكمن في تكثيف رسائل التوعية الإعلامية، ونشر الوظائف وفرص العمل المتاحة للشباب على كافة المنصات الدعائية والمسموعة والترويج لها بصورة واسعة، وتوعية الفئات الشبابية بالدول التي ترحب باستقبال المهاجرين بطريقة شرعية مثل كندا وألمانيا ونيوزيلندا، إضافة إلى إعداد رقم خط ساخن في الحوادث الطارئة، التي تواجه الشباب بالخارج حال تعرضهم للاحتجاز أو الاختطاف، وإتاحة قروض للشباب بصورة ميسرة لإمكانية الحصول عليها، إضافة إلى وضع مكافآت كبيرة لمن يبلغ عن عصابات التهريب والاتجار بالبشر وسماسرة الهجرة غير الشرعية".

المزيد من تحقيقات ومطولات