Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مسلمون يهجرون بلدتهم في الهيمالايا خوفا من العنف

فيما يغادر المسلمون منازلهم ويتركون وظائفهم في نزوح جماعي، تواجه بلدتان أخريان في جبال هيمالايا توتراً دينياً غير مسبوق

انتشار مكثف للشرطة في بورولا في 15 يونيو قبل تحرك المهابانشايات المخطط له (اندبندنت)

ملخص

فيما يهجر مسلمون بلدتهم في الهيمالايا  ويتركون وظائفهم في نزوح جماعي، تواجه بلدتان أخريان توتراً دينياً غير مسبوق 

عندما سار متظاهرون غاضبون أمام منزل ناز وزوجها عرفان* في إحدى بلدات جبال هيمالايا في الهند، كان الزوجان كما غيرهما من السكّانٍ المسلمين الآخرين في المنطقة، مختبئَين في غرفة خلفية، تطغى عليهما حالٌ من الخوف والقلق، وهما يتوقّعان أن يتعرّضا للعنف في أيّ لحظة.

أرسلت ناز زوجها وأطفالهما إلى داخل المنزل، وأخذت على عاتقها حراسة الباب الأمامي، إذا ما حاول المتظاهرون الغاضبون اقتحام البيت. وعندما تلاشت الاحتجاجات في الخارج، سارع أفراد الأسرة لتفقد مصدر عيش العائلة - وهو متجر يبيع أغطية ووسائد، ومن الملكيّات القليلة الخاصة بمسلمين في تلك الناحية من ولاية أوتاراخند في شمال الهند - ليروا أن علامة "أكس" X سوداء قد دُمغت عليه.

يقول عرفان إن العلامة وضعها شبّان كانوا في مسيرة الثالث من يونيو (حزيران)، التي نظّمتها مجموعةٌ يمينية في بلدة باركوت، احتجاجاً على اختطاف فتاة هندوسية محلّية.

وقد تمّ تحديده هو وأسرته كهدفٍ محتمل خلال تصاعد موجة من التوتّرات الدينية التي أحدثت صدمةً في المنطقة، ودفعت بعددٍ من العائلات المسلمة إلى الفرار.

عرفان تحّدث مع "اندبندنت" عن التجربة التي مرّ فيها، وقال: "عندما تجاوز الموكب منزلنا، كنّا قلقين فقط ممّا إذا كان شيءٌ غير متوقّع قد حدث، أو ما إذا كان الوضع سيتحوّل إلى ما هو أكثر من مجرّد مسيرة".

أما زوجته ناز فقالت: "كان هناك الكثير من الضجيج. كنتُ حينها أعدّ الطعام في المطبخ. صحتُ بصوتٍ عالٍ بأفراد أسرتي وأنا أرى حجم الموكب. وطلبتُ من زوجي وأولادي التوجّه إلى الغرفة الداخلية والبقاء فيها. قلتُ لهم إنني سأبقى في الغرفة الخارجية، قرب البوّابة الرئيسية. فأنا لا يهمّني الموت، إذا ما اقتحم المتظاهرون منزلنا، لكنني كنتُ خائفةً للغاية على سلامة أفراد العائلة".

كان هناك أشخاصٌ في المسيرة تعرّف إليهم عرفان. ويقول في هذا الإطار: "عندما رأيت الجموع من خلال النافذة، فإن أكثر ما صعقني أن أناساً... أصدقاء لنا، أمضينا وقتاً معهم، يقومون الآن بوضع علاماتٍ على منازلنا، وتخريب المتجر. لقد أحسستُ فعلاً بالخوف".

هذا الرجل الذي نادراً ما يُشاهَد في أيّ مكان خارج متجره في أيام الأسبوع العادية، يمضي الآن أوقاته خائفاً داخل منزله. وقد بات يتعيّن عليه وزوجته اتّخاذ القرار المستحيل: البقاء أو طيّ فصل من حياتهما دام 40 عاماً في باركوت، والانتقال إلى مكان آخر حفاظاً على سلامة الأسرة.

عرفان ليس المسلم الوحيد الذي وجد نفسه أمام هذا القرار الذي من شأنه أن يقلب حياته رأساً على عقب. فقد بدأ التوتر بين الطائفتين الدينيتين في أعقاب اختطاف رجلين فتاةً قاصرا في السادس والعشرين من مايو (أيار) الفائت في بورولا، وهي بلدةٌ أخرى تقع على تلّة تبعد نحو 12 كيلومتراً عن باركوت. اتّخذت الشرطة إجراءاتٍ سريعة وألقت القبض على اثنين من المشتبه فيهم، وهما عبيد خان وجيتندرا سايني، ووجّهت الاتهام إليهما بموجب "قانون حماية الأطفال من الجرائم الجنسية" Protection of Children from Sexual Offences (Pocso) Act الذي يتّسم ببنوده الصارمة.

وشهدت مرحلة ما بعد الحادثة تزايد الحوادث التي ترتدي طابع رهاب الإسلام (إسلاموفوبيا)، بحيث يوجّه السكّان المحلّيون جام غضبهم نحو المسلمين المقيمين في المنطقة.

جماعاتٌ يمينية عدّة - بما فيها المنظمة الهندوسية البارزة "فيشوا هندو باريشاد" Vishwa Hindu Parishad - سارعت إلى وسم عملية خطف القاصر على أنها حالة "جهاد الحب"، وهي نظرية مؤامرة يمينية معادية للإسلام، تزعم أن الأصوليّين المسلمين يخطّطون لجعل النساء الهندوسيات والمسيحيّات يتحوّلن إلى الإسلام من خلال الخداع، أو حتى الزواج القسري.

أخذ الحادث هذا الطابع على رغم تأكيد عائلة الفتاة إنه ينبغي ألا يُنظر إليه من منظورٍ ديني. فقد قال عمّ الفتاة - الذي لم يشأ ذكر اسمه لأسبابٍ قانونية - لصحيفة "هندوستان تايمز"، إن "محاولاتٍ بُذلت منذ الساعة الأولى لجعل هذه القضية ذات خلفيةٍ مجتمعية. حتى أن ناشطي اليمين أعدّوا لنا بأنفسهم شكوى لتُقدّم إلى الشرطة، لكن الشرطة لم تقبلها".

وأكد أن "القضية لم تكن مسألة "جهاد حب"، بل هي جريمة عادية. وسيأخذ القضاء قراره فيها الآن".

يُشار إلى أن الحادث أعقبته سلسلةُ احتجاجات وتسيير مواكب في كلٍّ من بورولا وباركوت. ولوحظ وجودٌ مكثّف للشرطة الهندية في شوارع البلدتين عندما جالت فيهما "اندبندنت" الأسبوع الماضي.

ولم يكن لبيانٍ أصدره بوشكار سينغ ضامي رئيس وزراء ولاية أوتاراخند، الأثر الكبير في تهدئة الوضع. وقال المسؤول السياسي للولاية بعد اجتماع عُقد في التاسع من يونيو (حزيران) مع كبّار ضبّاط الشرطة، إن "على جميع الأفراد من مختلف الأديان أن يتعايشوا بسلام في أوتاراخند، لكن أفعالاً مثل "جهاد الحب" لن يتم التسامح معها".

وزعم أن "مثل هذه الجرائم كانت تُرتكب جزءاً من مؤامرة. لكن الناس يخرجون علانيةً ضدّ مرتكبيها الآن. إن الوعي بـ "جهاد الحب" آخذٌ في الازدياد. وهذا هو السبب وراء وقوع مزيدٍ من مثل هذه الحوادث خلال الشهرين أو الأشهر الثلاثة الأخيرة. وقد كان من أسباب تلك الممارسات، اعتماد قانون صارم ضدّ تحويل الديانة".

سلطات الولاية أصدرت تعليماتٍ للشرطة، بوجوب التعامل بصرامة مع المرتكبين في قضايا "جهاد الحب". وطُلب من عناصرها إجراء حملات تحقّق من وقتٍ إلى آخر، للنظر في سوابق الأفراد الوافدين من خارج الولاية للاستقرار فيها".

وكان رئيس الوزراء ضامي قد أكّد أنه لن يتمّ التسامح مع الاعتداءات التي يحظرها القانون، والتي تحدث تحت عنوان "جهاد الأرض"  Land Jihad (نظرية مؤامرة هندوسية يمينية أخرى تزعم زوراً أن المسلمين يحتلّون أراضي عامّة لبناء مزاراتٍ عليها).

ويقول عرفان إن صاحب المنزل الذي يسكن فيه مع أسرته، أصبح مرغماً الآن على مطالبته بالرحيل.

ويضيف: "مورس إكراه على مالك المنزل كي يخرجنا منه. لم يتم إبلاغنا بذلك بشكلٍ مباشر. تواتر إلينا عبر أشخاصٍ آخرين، أن عدداً قليلاً من الأفراد ذهبوا إلى مالك المنزل، وضغطوا عليه كي يدفعنا إلى المغادرة. لكن ليس لدينا في الواقع أيّ مكان نذهب إليه. ولا نعرف ماذا سنفعل".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

جار عرفان - وهو أيضاً مسلمٌ يبلغ من العمر 42 سنة فضّل عدم الكشف عن هويّته - تمّ دمغ علامةٍ على مصراع متجر ملابس يملكه، وغُطّي اسمه بطلاء أسود. ومنذ حدوث ذلك، تراجع دخله من متجر الملابس ليلامس تقريباً الصفر. ويقول عرفان إن الأمر ينطبق عليه هو الآخر، بحيث ابتعد الزبائن كلّياً عن المتاجر التي وُضعت علاماتٌ عليها.

أما في بلدة بورولا، فظهرت ملصقاتٌ تحمل رسائل مسيئة مثل "يا “جهاديّي الحب” مطلوبٌ منكم أن تتركوا المحل قبل تحرّك الماهابانشايات  Mahapanchayat في الخامس عشر من يونيو (حزيران) 2023"، في إشارة إلى تجمّع كبير من الناس من مختلف القرى. وتضيف: "إذا لم تفعلوا، فستتحمّلون التبعات والنتائج".

ويُنظر إلى التهديد العلني قبيل تجمّع ماهابانشايات، على أنه الدافع الرئيسي وراء نزوح عائلاتٍ مسلمة من المدينة. ففي البلدة التي يبلغ عدد سكّانها نحو 20 ألف نسمة، لم تكن توجد سوى 35 إلى 40 عائلة مسلمة، قبل أن تندلع هذه التوتّرات - ويشكّل عددهم 0.1 في المئة من مجموع السكّان – كما يوضح رئيس المجلس البلدي فيها هاري موهان سينغ نيغي.

من بين الأسر المغادرة، أغلقت 12 على الأقل متاجرها، وهربت من البلدة بشكلٍ دائم، كما قال سكّان محليّون، في حين أفاد مفتّشي الشرطة البارزين لـ "اندبندنت"، بأنه لم تبقَ عائلة مسلمة واحدة في المدينة في الخامس عشر من يونيو (حزيران) نتيجة الخوف من العنف.

محمّد زاهد هو أحد الأفراد الفارّين من بورولا، وينتمي إلى حزب "بهاراتيا جاناتا" (اليميني الهندوسي) الحاكم. تولّى منصب رئيس القطاع لمجموعة الأقليّات التابعة للحزب في المنطقة. وقال للموقع الإخباري الهندي "كوينت" Quint: "شعرتُ بقلقٍ على عائلتي، لذلك غادرنا". وأضاف متسائلاً: "إذا كان شخص يعمل لمصلحة الحزب يشعر بالتهديد، فمَن يجب أن يشعر بالأمان إذاً؟"

وتابع يقول: "كان هناك في هذه الحادثة أيضاً فتى هندوسي (اعتُقل بتهمة الخطف). فإذا كنتم تريدون منا المغادرة، فعليهم هم أيضاً أن يقوموا بالمثل، إذ يجب معاملة جميع المجرمين بالطريقة نفسها".

وبسبب الخوف من تصاعد العنف، أُغلقت جميع المحلات التجارية في البلدتين الأسبوع الماضي، في حين أسهم انتشار مكثّف للشرطة - وصل إلى 200 عنصر - في توفير حمايةٍ للمتاجر والمساكن الخاصّة بالمسلمين.

تم إلغاء تحرّك الماهابانشايات بسبب فرض إجراءاتٍ أمنية صارمة، بما فيها قرار يحظر التجمّعات العامّة في المنطقة، ويسري مفعوله حتى يوم الإثنين. ولم يمنع ذلك جماعات اليمين الهندوسية من التجمّع ومحاولة اجتياز حواجز الشرطة.

وقد تمّ قطع الطريق الوحيد الذي يربط بورولا بباركوت، حيث طالب المحتجون بالسماح لهم بمواصلة مسيرتهم. وقال ماهانت كيشافجيري مهراج، الذي يرتدي زيّاً هندوسياً دينياً بلون الزعفران، لـ "اندبندنت": "نحن هنا لإيقاظ الهندوس من أجل تحرك ماهابانشايات"، في حين واصل هو وأنصاره إغلاق الطريق لمدة 3 ساعات، قبل أن تقتادهم الشرطة.

ويقول إن "الإدارة تحاول قمع حريتنا في التعبير من خلال إيقافنا. ولو سُمح لنا بمواصلة الاحتجاج، لكنا عملنا على حشد جميع الهندوس ضد “جهاد الحب” و”جهاد الأرض”".

مانموهان راوات وهو متظاهر آخر غاضبٌ من التوقيفات التي تجريها الشرطة قال: "نحن هندوس. الغالبية.  فلماذا يتم منحهم الكثير من الحماية؟". وأضاف: "إذا تم منحهم مثل هذه الأهمية على رغم أعدادهم الصغيرة، تخيّلوا إذاً ما قد يحدث إذا زاد عددهم بشكل أكبر".

أما محمّد أشرف من بورولا، فأعرب عن خيبة أمله من تصاعد حدّة التوترات والتمييز الذي تواجهه الجالية المسلمة في المنطقة، وقال: "شخص واحد ارتكب خطأ، فألقي اللوم على مجتمع بأكمله. إن مرتكب الجريمة قد تلقّى عقوبته. فلماذا إذاً لا نزال نحن ضحايا فعلته؟"

وتساءل قائلاً: "أخبروني عن أي نص في القانون يقول إنه عندما يرتكب شخصٌ من المجتمع خطأ ما، يُضطر فيه جميع الأشخاص المنتمين إلى هذا المجتمع إلى الهجرة. هل هناك ثمّة قانون يبيح بذلك؟"

ويضيف أشرف: "ما كانت الأمور لتأخذ هذا المنحى التصعيدي إلى هذا الحدّ، لو أنّ الإدارة تداركت الأمر منذ البداية".

وختم بالقول: "أنا أعيش هنا منذ عام 1978. وُلدت هنا. أبنائي أيضاً وُلدوا هنا. حياتي كلّها هنا. منزلي هنا، وعملي هنا. أخبروني، إلى أين يمكن أن أذهب؟"

(* تم تغيير الأسماء لحماية هوية أصحابها)

© The Independent

المزيد من تقارير