كلفة إيواء اللاجئين تسبب أزمة جديدة بين العراق وإقليم كردستان

الصراع بين الطرفين يأتي في سياق تردي الأحوال الاقتصادية في البلاد

مخيم ليلان في كركوك بإقليم كردستان العراق (أ.ف.ب)

ضمن سياق المفاوضات والجدالات الاقتصادية والمالية المتبادلة بين الحكومة المركزية العراقية ونظيرتها في إقليم كردستان، برز النقاش بشأن تكلفة إيواء اللاجئين العراقيين في الإقليم العراقي طوال الأيام الماضية، بعد التقرير الذي أصدره مركز تنسيق الأزمات بين الطرفين، الذي أشار إلى أن حكومة الإقليم تتحمل 75 في المئة من مجموع تكاليف إيواء هؤلاء اللاجئين، بينما تتكفل المنظمات العالمية العاملة في الإقليم، لا الحكومة المركزية،  بـالـ25 في المئة المتبقية من تلك المصاريف.

أرقام مختلف عليها

ثمة تفاوت في الأرقام المتداولة بشأن المسألة المطروحة، إذ يقول البيان الصادر عن مركز تنسيق الأزمات إن حكومة إقليم كردستان تتحمل أعباء الرعاية الأمنية والصحية والتعليمية لحوالى 3.9 مليون لاجئ عراقي يقيمون على أراضيها، تصل فاتورة نفقاتهم الشهرية إلى أكثر من 115 مليون دولار، أي بمقدار 1.4 مليار دولار سنوياً.

تفاصيل التقرير ذهبت للإشارة إلى وجود أشكال من التعاون المالي بين الإقليم والحكومة المركزية، إذ إن هذه الأخيرة ظلت ترسل مبالغ خاصة بهذه المسألة منذ بدء أزمة اللاجئين العراقيين عام 2014، مع بداية احتلال تنظيم "داعش" لغالبية المحافظات الوسطى والغربية من العراق، وحتى عام 2017، عندما توقفت تلك المساهمة المالية المرسلة من الحكومة المركزية، ما أوحى بجنوح السلطة المركزية إلى فرض القوة على الإقليم، عقب إعادة السيطرة على محافظة كركوك، بعد إجراء الإقليم استفتاء الاستقلال. مركز تنسيق الأزمات، التابع لحكومة إقليم كردستان، أشار أيضاً إلى أنه حصل على موافقة الحكومة المركزية لإرسال مبلغ ضئيل، يقدر بمليار دينار عراقي (حوالى 800 ألف دولار) بشكل نصف سنوي، إلا أنها لم تلتزم حتى بذلك المبلغ.

مراقبون قريبون من الحكومة المركزية ذكروا أن الأرقام التي تصدرها الجهات العامة في إقليم كردستان مبالغ فيها للغاية. فاللاجئون العراقيون في إقليم كردستان في حدهم الأعلى لم يصلوا إلى هذا الرقم، إذ شكّل اللاجئون في الإقليم 40 في المئة فقط من مجموع اللاجئين والنازحين العراقيين وكانوا في مجموعهم حوالى ستة ملايين لاجئ ونازح، أي أن الذين في الإقليم لم يتجاوزوا مليوني نازح عراقي، في ذروة موجة النزوح العراقية.

إلى جانب ذلك، يذكر هؤلاء المراقبون أن النفقات التي تقول سلطة الإقليم إنها تصرفها على اللاجئين العراقيين مبالغ فيها أيضاً، لأنها تستند إلى آليات غير واضحة للصرف، وأنها تقديرية أكثر مما هي مرصودة بالتفاصيل.

قراءات متناقضة

على النقيض من ذلك، يقول المراقبون الأكراد إنّ تلك الأرقام هي بالحد الأدنى، لأنها لا تتضمن كثيراً من التفاصيل الأخرى التي تتحملها الخزينة المالية للإقليم. فهؤلاء النازحون واللاجئون يقدرون بحوالى نصف مجموع سكان الإقليم، وهم يؤثرون في شبكة البنية التحتية وفي المجالات كافة، وهي نفقات إضافية تتحملها الحكومة الإقليمية. إلى جانب ذلك، أشار المراقبون الأكراد إلى استفادة هؤلاء اللاجئين، سواء المقيمين في المدن أو المخيمات، من عملية دعم بعض المواد الأساسية التي تمنحها حكومة الإقليم لمواطنيها، خصوصاً الطاقة والنقل والمواد الغذائية، إذ يذهب أكثر من نصف هذه المبالغ الداعمة لهذه الكتلة السكانية اللاجئة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لا توافق الحكومة المركزية على هذه القراءة، موضحةً أن الغالبية المطلقة من المقيمين العراقيين في إقليم كردستان يعيشون خارج المخيمات، ولا تتحمل حكومة الإقليم أي مبالغ إضافية وثابتة نتيجة إيوائهم، بل تحصل الغالبية المطلقة منهم على موارد مالية ثابتة، تأتي من المناطق والمؤسسات العراقية خارج الإقليم، وبالتالي فإنهم يسهمون في تنمية الإقليم اقتصادياً. وبالنسبة إلى النازحين واللاجئين غير العراقيين، من سوريين وإيرانيين، فإن حكومة إقليم كردستان يجب أن تتكفل برعايتهم، لأنها تحصل على موارد مالية ثابتة من الميزانية الاتحادية العراقية، وفق الأوساط القريبة من السلطة المركزية.

تأتي هذه الجدالات ضمن سياق يتبادل فيه الطرفان تحميل المسؤولية إلى الآخر بشأن تدهور الوضعين المالي والاقتصادي في البلاد. فحكومة الإقليم تقول إن الحكومة المركزية تقطع مختلف أشكال الحقوق المالية للإقليم، ولا تمنحه سلطة التحكم بثرواته وإدارة شؤونه المالية، في الوقت ذاته الذي تمنع عنه حصته من الميزانية المالية العامة في البِلاد. كذلك، فإن الحكومة المركزية تتهم حكومة الإقليم بعقد شراكات اقتصادية ومالية مع عدد من المؤسسات الدولية، النفطية منها بالذات، بينما تطالب الحكومة المركزية بتعويضها وسداد حاجاتها المالية.

مسعيان لإقليم كردستان

في لقائه الأخير مع المدير الإقليمي لمنظمة صندوق الأمم المتحدة لشؤون السكان لؤي شبانة، في الأول من شهر أغسطس (آب) الحالي، أكد رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني أن هدف الإقليم هو إعادة اللاجئين العراقيين إلى مناطقهم، وذلك للتخفيف من حجم النفقات الواجبة على حكومة الإقليم، خصوصاً في القطاعات الخدمية، كما الصحة والتعليم والكهرباء وشبكات الأمان الاجتماعي.

إلى جانب ذلك، تسعى حكومة الإقليم إلى الحصول على مساهمة مالية واضحة من المنظمات الدولية والحكومة المركزية، وبشكل ثابت. فحكومة كردستان تتحسس من احتمال تأخر مسألة إعادة إعمار المناطق التي دُمرت، إضافةً إلى سوء الأوضاع الأمنية في تلك المناطق، ما قد يدفع هؤلاء اللاجئين إلى أن يبقوا في الإقليم، ويتحولوا إلى سكان دائمين.

المزيد من العالم العربي