Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"النانو تكنولوجي" تحول الخيال العلمي إلى واقع في الحياة

"التقنية" تحقق حلم المنزل والسيارة لمحدودي الدخل... وتحمي مرضى السرطان من مضاعفاته

عالم أحياء متخصص في تقنيات النانو يدرس خلايا الدماغ باستخدام المجهر (أ.ف.ب)

هل تخيلت يوما أن تمتلك منزلا وسيارة لا يتعدى ثمن كل منهما بضعة آلاف من الجنيهات؟، هل حلمت أن تكون جالسا بمنزلك وبيدك الريموت كنترول وبضغطة زر تغير ألوان دهانات الحوائط من حولك بتغير المناسبة؟، هل فكرت في ارتداء ملابس ضد البقع لا تحتاج لتنظيفها أبدا وصحية ضد الميكروبات والروائح الكريهة؟، كل هذا وأكثر صار في متناول اليد بعد ثورة النانو تكنولوجي التي اجتاحت العالم، وحولت معها الحياة إلى ما يشبه أفلام الخيال العلمي، لتحقق أحلام البسطاء في رفاهية العيش.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

منازل النانو

وقت أن باعت "أم فتحي"، ربة المنزل الخمسينية البسيطة القاطنة بقرية إبجيج بمحافظة الفيوم (شمال صعيد مصر) ذهبها بالكامل، وصفته بـ"تحويشة العمر" بهدف تجميع مقدم شقة لابنها الأكبر فتحي الذي بلغ عامه الثاني والثلاثين ولم يترك حياه العزوبية بعد خطوبة دامت 6 سنوات على وشك فسخها بسبب عجزه عن توفير عش الزوجية. وعلى الرغم من توفير مقدم الشقة بعد جهد شاق فإن مشكلة توفير "فتحي" لقسط الشقة المنتظرة لا تزال قائمة براتبه المتواضع الذي سيظل يثقل كاهله عشر سنوات على الأقل.

"أم فتحي"، لم تعلم بالطبع، أنه تم اكتشاف تقنية تسمى النانو تكنولوجي، كفيلة بأن تمنع وقوعها في هذا المأزق، فقد طبقت بالفعل تلك التقنية ببناء "منازل النانو" المصممة عبر التقنية من شركة تاتا الهندية، التي نجحت في حل أزمة السكن لمحدودي الدخل والفقراء بالهند ببناء منازل قليلة التكلفة، وشرع العديد من الدول في تطبيقها.

ليس أفراد الطبقة الكادحة وحدهم هم من بحاجة إلى دخول تقنية النانو تكنولوجي حياتهم، بل أصبحت تقنية ملحة لحل مشكلات العديد من الشباب الجدد من قاطني المدن الجديدة في مصر. فعلى الرغم من حصول البعض على شقة بالكاد في تلك المناطق المترامية على أطراف مدينتي القاهرة والجيزة، فإنهم باتوا يحملون يوميا عبء الانتقال منها إلى قلب العاصمة المصرية وصولا إلى مقر عملهم، علما بأن شركة "تاتا" الهندية تمكنت منذ عدة سنوات من صناعة أرخص سيارة في العالم بمبلغ 1979 دولارا بفضل تقنية النانو، وعلى الرغم من أن الشركة توقفت عن إنتاجها لأسباب بعيدة عن كفاءتها كسيارة، فإنها لا تزال حلا اقتصاديا.

حل اقتصادي لمعوقات الحياة

الآن تجاوزت تقنية النانو تكنولوجي فكرة الرفاهية، وأصبحت حلا للعديد من الأزمات الاقتصادية، لتقترن التكنولوجيا بمصطلح "النمو"، وتكون الدول النامية على رأس قائمة الدول الأكثر احتياجا لتبني تقنية النانو.

يقول الدكتور محمد عبد المطلب، الرئيس الأسبق لبرنامج النانو تكنولوجي بجامعة النيل، "النانو تكنولوجي ببساطة تقنية بواسطتها نستطيع تكسير المادة إلى أجزاء متناهية الحجم، فتتغير خصائصها، وتمنحنا خصائص جديدة تُستخدم في تطور كل شيء من حولنا".

يضيف عبد المطلب "على سبيل المثال استخدام النانو تكنولوجي في البناء نستطيع من خلاله إيجاد مواد للبناء أقل تكلفة وأكثر صلابة وكفاءة، فالأسمنت المعالج بالنانو تكنولوجي ضعف قوة الأسمنت العادي، وبالتالي نحتاج لكمية أقل، فتقل التكلفة"، مشيرا إلى "أن العلماء توصلوا بأبحاث النانو تكنولوجي في الحديد إلى إمكانيه معالجته ليصل قوته إلى 60 ضعف قوة الحديد الصلب وأقل سمكا، ويستخدم الآن في العديد من الدول وبالتالي نستطيع استخدام كميات أقل تعمل على التوفير في تكلفه البناء". وأشار إلى "أنه لم يعد استخدامه يقتصر على البناء فقط، بل استخدم في مجال صناعة السيارات".

 

 

دهانات وديكور وملابس لا تتسخ

تقنية النانو تكنولوجي لم تقتصر على حل الأزمات الاقتصادية الثقيلة، بل حققت حلم الكثير من السيدات في أشياء هي وحدها من تقدر قيمتها، المهندسة سهير كامل، الثلاثينية التي تعمل بشركة قطاع خاص بالعاصمة المصرية، لا يعنيها كثيرا آخر الأخبار العلمية بقدر ما يعنيها آخر خطوط الموضة والأكل الصحي الطازج لأولادها إلى جانب فوبيا النظافة، التي جعلتها تشبه آلة الرادار تجاه أي ميكروب في أي مكان بسبب الأمراض التي تلاحق صغارها، والحوائط التي أصبحت لوحات جدارية، على حد وصفها الساخر، وتتمنى أن يتم إنتاج المزيد من التطبيقات لتقنية النانو تكنولوجي بخلاف التطبيقات المحدودة لمساحيق التجميل والنظارات الشمسية.

خبراء النانو تكنولوجي أجمعوا على "أن هذه التقنية أوجدت حلولا لهذه المشكلات لكن لا تزال بحاجة إلى تسليط الضوء عليها، فقد نجحت التقنية في حل ذلك من خلال الملابس والجوارب المصنوعة التي لا تحتاج إلى التنظيف نهائيا، وإمكانية إدخال جزيئات لمواد نانونية مثل "نانو الفضة" على الأقمشة تجعلها ضد البقع وضد الميكروبات والروائح الكريهة، بإمكان التقنية أيضا جعل الأطعمة المعلبة دون مواد حافظة، بالإضافة إلى حماية الخضراوات والفاكهة أثناء زراعتها من المبيدات الضارة".

 يؤكد الدكتور محمد عبد المطلب "أن تقنية النانو تكنولوجي اقتحمت أيضا مجال الملابس، حيث عولجت الأقمشة بمواد نانونية تجعل النسيج لا يتأثر بالمياه أو البقع ومقاوم للميكروبات، بينها على سبيل المثال  مواد جزيئات نانو الفضة التي تكافح الميكروبات ولا تؤثر على نوع الأقمشة أو ملمسها حتى الحريرية منها".

يضيف "استطاعت أيضا حماية الأطعمة منذ مرحلة الزراعة وصولا إلى مرحلة التغليف"، مؤكدا "أنها تحمي المأكولات من خضر وفاكهة بترشيد استعمال المبيدات فلا تتأثر التربة، وكذلك لا تغطي الثمار بالمبيدات فيتم عمل حوصلة بتقنية النانو يخزن بها المادة الفعالة مهمتها توصيل المبيد إلى الجزء الضار ولا تؤذي الإنسان إذا تناولها".

الدكتور محمد النواوي، رئيس قسم العلوم الزراعية بمعهد البحوث البيئية وأستاذ بكلية الزراعة جامعة عين شمس، أضاف "نستطيع بواسطة النانو تكنولوجي الكشف على التركيزات القليلة جدا للمواد الملوثة بالأغذية، التي لا نستطيع بالطرق الأخرى الكشف عنها لأنه يستلزم وجودها بكميات أكثر كي تظهر لكن بالنانو نستطيع الكشف عنها أيا كان حجمها"، وأشار إلى "استخدام التقنية في التعديل الوراثي لبعض النباتات للحصول على محاصيل أكثر إنتاجية".

وبسؤال الدكتور أحمد خاطر، مشرف قطاع الاتصالات العلمية والدعم الفني بأكاديمية البحث العلمي عن موقع مصر من خريطة النانو تكنولوجي بالعالم، قال "على الرغم من تبني أكاديمية البحث العلمي لأنشطه النانو تكنولوجي في المجالات المختلفة ورعاية جميع الأبحاث والدراسات المتعلقة بها، وقيامنا بتبادل البعثات العلمية مع الدول المختلفة لمعرفة كل ما هو جديد عن أبحاثها، وإنشاء كلية للدراسات العليا في علومها، والتطور الملحوظ في هذا المجال داخل مصر، فإننا لن نستطيع مواكبة التطور السريع في هذا المجال"، وأشار إلى "ضرورة وجود المزيد من الدعم على مختلف الأصعدة خصوصا الدعم المالي للمراكز البحثية في مصر التي تعمل على تطوير ذلك ليخرجوا لنا جيلا جديدا من علماء النانو تكنولوجي"، لافتا إلى "ضرورة تشجيع وتدعيم الاستثمار في هذا المجال ليتم إنتاج تطبيقات أكثر في الأسواق المصرية بخلاف التطبيقات المحدودة".

لافتا إلى "أنه أصبح من الأهمية بمكان اعتبار النانو تكنولوجي مشروعا قوميا لمصر، لقدرته على حل العديد من الأزمات، وعلى رأسها أزمه المياه والسكن والكهرباء"، مؤكدا "وجوب دعمه بقوه لأنه يمثل ضرورة ملحه لنا كدولة نامية وليس مجرد رفاهية".

النانو تكنولوجي... الصناعة والإنتاج

وبالتواصل مع عدد من الشركات التي تعمل في مجال النانو تكنولوجي في مصر والوطن العربي أخبرنا مسؤولوها "أن منتجات النانو تكنولوجي أصبحت بالفعل في السوق المصرية والعربية، وإنْ لم نصل لمرحلة التصنيع بعد، إذ يتم استيرادها من عدد من الدول الأجنبية في مقدمتها ألمانيا ثم أميركا والصين، وأنهم ليسوا إلا وكلاء للشركات الأم في الخارج".

المفارقة التي اتفق عليها عدد كبير من مسؤولي تلك الشركات "أن تلك المنتجات والتطبيقات النانونية التي نستوردها من الخارج هي في الأساس مواد خام من صحراء سيناء في مصر، وصحراء الربع الخالي في الوطن العربي، وأننا أكبر مصدر لها لاستخراجها، تحديدا مادة السيليكا التي تستخرج من الرمال".

الدول العربية على خريطة النانو تكنولوجي

يقول الدكتور إبراهيم شرف، أحد مؤسسي جامعة زويل للعلوم والتكنولوجيا، وعالم في مجال النانو تكنولوجي، لـ"إندبندنت عربية"، "إن عدد الشركات العربية العاملة في هذا المجال ضئيلة، وللأسف الشديد معظم هذه الشركات دورها تسويقي فقط، أما الشركات التي تعمل في مجال التصنيع  لا يتناسب وكمّ الأبحاث التي أنتجها الباحثون، على الرغم من أننا على المستوى البحثي استطعنا أن نقطع شوطا طويلا، وأصبحنا على ساحة المنافسة الدولية لكن للأسف تلك الأبحاث لم تدخل حيز التطبيق إلا على مستوى ضيق لا يرقى إلى كمّ الأبحاث التي أنتجناها"،

وأضاف "أن عملية التصنيع لا ترتقي لأن نطلق عليها عمليات كاملة، إذ تقف عند مرحلة محددة فقط، في الغالب يقف عند تصنيع بعض المواد النانومترية وبيعها على هذا الشكل سواء لغرض الأبحاث لطلاب الدكتوراه والماجستير الذين بحاجة لتلك المواد، فبعض الشركات الموجودة في مصر تقوم بتحضير تلك المُركّبات وتبيعها بالجرام".

 

 

أعضاء بشرية وطفرة في علاج السرطان

يؤكد الدكتور إبراهيم شرف، "أن هناك أمثلة لمواد نانو مترية تُجرى التجارب عليها في المجال الطبي ستغير شكل الطب تماما الفترة المقبلة، إذ تساعد هذه المواد في التوصيل الذكي للأدوية داخل الجسم للمكان المراد علاجه بدقة شديدة تستهدف فقط الخلايا المريضة، فأي دواء في العالم هو عبارة عن مادة عمياء، لا تميز بين النسيج السليم والنسيج المصاب فتذهب في طريقها إلى الاثنين معا لذا توجد أعراض جانبية لأنها تتوجه للخلايا السليمة مثلما تتوجه للخلايا المريضة، وهنا تُحدِث المواد التي تساعد في التوصيل الذكي طفرة في علاج السرطان، فالدواء في مرض السرطان هدفه قتل الخلايا، ما يُحدث مشاكل جانبية كبيرة مع الخلايا السليمة، وهذا ما تعمل عليه التجارب".

وأشار إلى العمل على "بناء عضو بشري كامل من لحم ودم من خلايا المريض نفسه عبر هندسة الأنسجة، وهو إنجاز آخر أحرزته تقنية النانو في مجال زراعة الأعضاء، نظرا للمشكلات الخطيرة التي تواجه المريض في زراعة أعضاء من متبرعين غالبا يلفظها الجسم لأنها من جسم غريب عنه، المشكلة الأخرى الخطيرة أن ليس من السهل إيجاد متبرع بمواصفات معينة، فهنا استطاع النانو تكنولوجي تشكيل عضو من خلايا المريض نفسه بنفس الصفات والشكل، وعند زراعته في الجسم يتقبله بسهولة لأنه مصنوع من خلاياه. أيضا تطبيق مهم في المجال الطبي وهو المستشعرات التي تستطيع الكشف المبكر والدقيق لمرض السرطان".

معوقات وحل إشكاليات التطبيق والتصنيع

وأكد الدكتور شرف "أكاد أجزم أننا في تأخر شديد في النانو تكنولوجي، ولسنا مدركين لأهميته الشديدة بعد، وهناك معوقات كثيرة في إنتاج النانو تكنولوجي وخروجه إلى حيز التطبيق، وحل الإشكالية هنا تتمثل في حاجتنا لتشجيع الفكر الصناعي وتغيير فكر أساتذة الجامعة بحيث لا تكون الأبحاث لمجرد الأبحاث بل تخرج للتطبيق، ثانيا نحتاج نشر الوعي بأهمية النانو تكنولوجي وهذا دور الإعلام".

يختلف الدكتور شرف مع البعض في وضع الدعم المالي معوقا أمام الصناعة، مستندا إلى "أن من يريد يستطيع، فالإنسان نفسه هو الأساس والفكر هو المحرك"، وأخيرا يشدد على "أهمية إدراك رجال الصناعة في مصر والوطن العربي لأهمية النانو تكنولوجي في تطوير منتجاتهم، حتى لا يتجاوز الزمن منتجاتهم وتفكيرهم".

المزيد من جديد العلم