“رائع، حبي!” كيف صار أوستن باورز أعظم تكملة كوميدية في تاريخ السّينما؟

قبل عشرين عاماً، حقّقت تكملة ’أوستن باورز‘ ’الجاسوس الذي هزهزني‘ في أسبوعه الافتتاحي عائدات تفوق تلك التي حقّقها الفيلم الأول طيلة فترة عرضه. جايكوب ستولورثي يتحدّث إلى الممثلين وطاقم العمل عن كيف تحوّلت التكملة المتواضعة إلى نجاحٍ ساحق في فصل الصّيف

مايك مايرو هيذر غراهام في لقطة من فيلم "رجل الغموض الدولي" عام 1999 (نيولاين سينما ) 

الفضاء الخارجي. صوتُ تنفّسٍ متحشرج.كرسي يشغله كائنٌ لا يُرى.

"منذ سنوات"، يستهل راوٍ نذير، "وقَعت معركة واندثرت امبراطورية. والآن، الملحمة ستتواصل."

ثم فجأة، يستدير الكرسي بمن فيه.

"هل توقّعتم شخصاً آخر؟"

على وقع هذه اللّقطة بالذّات، قل اللقطة الأولى لدكتور إيفل (شر) وهو يجلس على كرسي افترضنا جميعاً بأنّه يخصّ دارث فيدر، بدأ فيلم "أوستن باورز: الجاسوس الذي هزهزني‘ (Austin Powers: The Spy Who Shagged Me)  – والذي بلغ 20 عاماً يوم الجمعة– مساره السّريع لتحقيقٍ نجاحٍ ساحقٍ وغير متوقّع.

"سأقول لك ما الذي فجّر نجاح هذه التكملة – أو بالأحرى، اللحظة التي اعتقدنا فيها أننا "مُقبلون على شيءٍ مهم" – إنّها فكرة مايك مايرز تصميم إعلانٍ للفيلم يُشبه إلى حدٍّ كبير إعلان سلسلة أفلام "حرب النّجوم"، يكشف المخرج جاي روتش للإندبندنت.

ففيلم “أوستن باورز 2" لم يتردد في الصّدور خلال فصل الصّيف وبالتّزامن مع عودة ملحمة جورج لوكاس الفضائية إلى الشّاشة الذهبيّة بعد غيابٍ دام 13 عاماً، على عكس معظم الأفلام الأخرى. والحقيقة أنّ قرار مايرز الاستفادة من حماسة الجماهير الزّائدة لمشاهدة "حرب النّجوم: الجزء الأول – تهديد الشبح"(Episode I – The Phantom Menace)  هو بالتّحديد ما أثار فضول النّاس وعزّز اهتمامهم بالفيلم. "لو أردتم مشاهدة فيلمٍ واحدٍ هذا الصيف، شاهدوا "حرب النجوم". ولو أردتم مشاهدةٍ فيلمٍ ثانٍ، شاهدوا " أوستن باورز"، تلك كانت عبارة الإعلان التي خلقت ضجة كبيرة وروّجت للفيلم بطريقة لا تحلم بها استديوهات الأفلام.

وهنا، يستذكر روتش تلك الفترة قائلاً: "آنذاك، شعر العاملون في فيلم لوكاس بالإطراء من التكريم (الذي خصّصناه لهم)".

وكان ’الجاسوس الذي هزهزني‘ تتمّة لـ’رجل الألغاز العالمي‘ (International Man of Mystery) الذي لم يُحقّق نجاحاً باهراً إبان إطلاقه عام 1997، مكتفياً بإيرادات لا تتعدّى الـ 53 مليون دولار أميركي ومرتبة ثانية على شباك التذاكر في أميركا الشمالية بعد فيلم التشويق ’انهيار‘ (Breakdown) لكورت راسل. وبعد مرور عام، انتشرت كالنّار في الهشيم عبارات مقتبسة من الفيلم (على غرار "بلى، حبي، بلى!"؛ "خطر هو اسمي الأوسط!") ودخلت الوعي العام. وعلى أثر ذلك، اتّسع جمهور الفيلم الذي بات أكثر مشاهدةً في المنازل ممّا كان عليه في دور السينما. ببساطة: لولا أقراص الفيديو الرّقمية، لما كان لفيلم "الجاسوس الذي هزهزني" أيّ وجود.

"لم يكن لدينا أيّ توقعات"، يقول سيث غرين متذكراً، وهو الذي لعب دور ابن الدّكتور إيفل، سكوت إيفل في أجزاء الفيلم الثلاثة. "كان الجزء الأول مستقلاً جداً لدرجة أنّه كان من الصّعب العثور على جهةٍ تُموّله. واقتصر عرضه في صالات السّينما على فترةٍ وجيرة لم يتمكّن خلالها من تحقيق نجاحٍ يذكر. لكنّ الفيديوهات المنزليّة أتاحت للناس فرصة مشاهدته، الأمر الذي أكسبه أهميةً استثنائية."

وفي خضم البحث في إمكانية تصوير تكملةٍ للفيلم، قرّر الكاتبان مايك مايرز ومايكل ماكوليرز، أنّ العودة إلى عالم أوستن المثير يُحتّم عليهما زيادة مضمون القصة وأحداثها إثارةً وتشويقا. وكان روتش من رأيهما طبعاً.

"قررنا أن نتخطّى كلّ العقبات ونمنح الجزء الثاني من الفيلم جرعةً زائدة كانت تلزمه من الجنون والسّذاجة"، يُخبر روتش الذي تضمّ باكورة أعماله فيلمي "قابل الوالدين" (Meet the Parents)، عام 2000 و"الحملة" (The Campaign)، عام 2012. "كنّا نعلم أنّ تحسين مستوى الجزء الثاني أمرٌ لا بدّ منه، لذا سعينا إلى تضخيم المشاهد وتوسيع كادر التّصوير، مع التّذكير بين الفينة والأخرى بسلسلة أفلام جيمس بوند"، على حدّ تعبيره.

الواضح أنّهم نجحوا في الوصول إلى مبتغاهم. ففي العام 2014، صرّح دانيال غريغ أنّ سلسلة  "أوستن باورز" هي السّبب وراء الطّابع الجديّ الذي يُخيّم على أفلام 007 اليوم مقارنةً بأيام بيرس بروسنان. "كان علينا أن ننسف الأسطورة لأن مايك مايرز مكر بنا."

كان الأمر بمثابة نفحة ثقة جديدة، ناهيك عن ميزانية مضاعفة بقيمة 33 مليون دولار أميركي، أتاحت للمبدعين الثلاثة بلورة أبرز مشاهد الجزء الأول على نطاقٍ أوسع بكثير. نعم، هذا صحيح. وإبان الافتتاح الكبير، تكرّر مشهد وجيز من "رجل الألغاز العالمي"، أيّ المشهد الذي يتجوّل فيه أوستن والعميلة فانيسا كيسينغتون (إليزابيث هيرلي) عاريين فيما تحجب الأغراض بطريقةٍ فكاهيّة الرؤية عن أعضائهما التناسلية. لكن هذه المرة، لا يجد أوستن نفسه عارياً في غرفةٍ في أحد الفنادق، بل في الشارع وبين الناس. وفي مرحلة من المراحل، نراه يُقحم نفسه في مأدبة. وفي لقطةٍ واحدةٍ طويلة، تتربّصه الكاميرا فيما يمشي على طول الطاولة والمأكولات الموجودة عليها - من طبق فاكهة وصدر لحم بقر - تُغطّي أعضاءه. إنّها لقطة مضحكة ومتقنة بشكلٍ رائع، لكنّها بنظر روتش، دليلٌ صارخ على يوم قاسٍ وعصيب في العمل.

ويروي روتش ضاحكاً: "في تلك الليلة، كان من المقرّر لزوجتي (المغنيّة في فريق "ذا بانغلز"، سوزانا هوفس) أن تخضع لعملية قيصرية وتضع طفلنا الثاني. "وكنا نعلم بأنّ المشهد الذي نُصوّره صعب ودقيق لكننّي لم أستطع أن أُبعد نظري عن الساعة. ’هذه اللقطة قريبة، قريبة جداً مما نريد‘. تلك كانت اللقطة الثالثة عشر وقد وجدتُها رائعة، لكنّ مايك لم يكن أكيداً منها. فقلتُ له حينذاك: ’مايك، عليّ أن أذهب. زوجتي تخضع لعمليةٍ قيصرية. إن أردتَ أخذ المزيد من اللقطات، لا مانع لديّ فقد أعددتُ لك كلّ شيء‘.قلتُ هذا وركبتُ السيارة لأعرف بعد وقتٍ قليل أنّ ابني خرج إلى الحياة."

لكن أيّ هذه اللقطات اختير للفيلم؟ وفقاً لروتش: "استمرّ مايك في تصوير المزيد من اللقطات، لكنّ اللقطة التي اعتمدناها أخيراً كانت اللقطة 13 التي أخذتُها بنفسي. 13 هو رقم حظّي."

وأغلبية الممثلين الذين شاركوا في العمل الأول عاودوا الظّهور في العمل الثاني، لكن بأدوار أقل أهمية بالنسبة إلى بعضهم. فهيرلي مثلاً، شاركت في تصوير مشهدٍ واحد فقط، مثلها مثل ويل فيريل الذي جسّد شخصيّة مصطفى، التّابع الأمين الذي لا يُقهر. ومع خروج هيرلي من الصّورة، برزت هيذر غراهام بدور فيليسيتي شاغويل، النّسخة المقلّدة من شخصيّة تيفاني كايس، فتاة بوند التي جسّدتها جيل سانت جون في فيلم "الألماس للأبد" (Diamonds are Forever) عام 1971 والتي لا تزال تُعتبر إلى اليوم امتيازاً بارزاً. ولو أمعنّا النظر في المشهد الذي ترقص فيه غراهام مع مايرز في الشّارع على أنغام أغنية "لن أقع في الحب مرة أخرى" (I’ll Never Fall In Love Again) لبورت باشاراش وإلفيس كوستيلو – لوجدنا فيه رقّةً وحنيّةً غير متوقعتين.

وكان كوستيلو، ومعه باشاراش الذي لعب دوراً في الفيلم الأول، من الوجوه المعروفة الضرورية لإتمام التكملة. ففي "رجل الألغاز العالمي"، كان هناك ظهورٌ عابر لعدد لا يُستهان به من الأسماء المهمة (مثال كريستيان سلايتر وتوم أرنولد وكاري فيشر). وكان لا بدّ لـ"الجاسوس الذي هزهزني" أن يسير على خطاه؛ لذا استُعين بخدمات كلّ من تيم روبن وودوي هاريلسون وريبيكا رومين وكريستين جونسون وروب لوو الذي جسّد الرّقم اثنين أو النّسخة الشابة من دكتور إيفل. إلى ذلك، وافقت مادونا وليني كرافيتز على إصدار أغنيتي "الغريبة الجميلة" (Beautiful Stranger) و"المرأة الأميركية" (American Woman) كجزء من الموسيقى التصويرية للفيلم.

"هذه واحدة من المميّزات الرائعة لتتمات الأفلام: الكلّ يرغب في أن يكون له حصة فيها. وبالنّسبة إلى أولائك الذين شاركوا معنا في تصوير (تكملة "أوستن باورز")، فقد فعلوا ذلك لأجل مايك"، يقول روتش.

وكان الأبرز بينهم من دون منازع: المقدّم جيري سبرينغر الذي ظهر في مشهدٍ  يُحاكي برنامجه الحواري "ذي جيري سبرينغر شو" بشكلٍ ساخر. ويبدو سبرينغر في المشهد إياه وكأنّه يُقدّم حلقةً فعليّة تدور حول الموضوع التالي: "والدي شرير ويريد إحكام قبضته على العالم". في البداية وبصورةٍ طبيعية جداً، تلعب شخصية مايرز الصّلعاء والشريرة دور البطولة. لكن بعد مرور دقائق قليلة فقط على وصولها، يذهب دور البطولة أدراج الرياح وتتحوّل الحلقة إلى فوضى عارمة فشجار بين سبرينغر وضيفه.

"كنتُ أتساءل ما إذا كان جيري سيقبل بالدّور لأننا كنّا نسخر بشكلٍ واضح من العرض الذي يقوم به. ولكنّه لم يقبل بالدّور وحسب، بل تحمّس جداً له وبدا لنا مقنعاً تماماً عندما بدأ يلكم مايك. ألا إنّ إحداث خرقٍ من هذا النّوع أمر مسلٍّ ومضحك لأنّه يتحدّى كلّ التوقعات."

وكان مشهد سبرينغر معدّ خصيصاً ليكون ردّاً على مشهدٍ من الفيلم الأول الذي يقوم خلاله الدكتور إيفل بحضور جلسة علاج أسري مع سكوت. بالنّسبة إلى غرين، كان المشهد الطريقة المثالية للغوص من جديد في عوالم الشخصيات وإعادة تقديم ثنائي الأب والابن غير التقليدي لجمهور المعجبين.

وعلى حد تعبير الممثل، "كانت ردود الفعل القوية في البرنامج فرصةً ذهبية لسكوت إيفل الذي يُعدّ أكثر الأطفال عرضةً للاضطرابات والصدمات النفسية. فكلّ ما يريده في هذه الحياة هو علاقة ودّ ومحبة تجمعه بوالده الشرير. لقد استمتعتُ جداً بأداء دور ذلك المراهق الجديّ والغاضب وسط صيحات استهجان المشاهدين."

هذا المشهد هو الأحبّ إلى قلب غرين لمجرّد أنّه يحتوي على إحدى عباراته المفضلة في الفيلم.

وبحسب رواية غرين، "على أثر مشاهدة مايك لفيلمٍ وثائقي عن محاكمة رجل العصابات جون غوتي ووقوعه على مقطعٍ وجيز يبدأ فيه المتّهم بالصّراخ على سبيل الإهانة قائلاً: ’أنت مولودٌ من مؤخرة أمك!‘، قرّر أن يُحيل هذه العبارة إلى الدكتور إيفل حتى ينطق بها لمّا يبدأ بمهاجمة جيري سبرينغر. المضحك في الأمر أنّ الدكتور إيفل حتى لحظة الشجار، لم يُبد لمقدّم البرنامج سوى كل الاحترام. ثم فجأةً ومن دون سابق إنذار، يبدأ برفرفة ذراعيه وقول تلك الإهانة. المشهد وما فيه مليء بالسخافات، وهذه حلاوته."

وفي "الجاسوس الذي هزهزني"، يتحوّل ثنائي الأب والإبن يتحوّل إلى ثلاثي مع انضمام فيرن تروير إلى طاقم الممثلين بدور "ميني مي"، مستنسَخ الدّكتور إيفل – "لكن بثُمُن حجم(ـه)" – الذي اتّخذ من سكوت عدواً لدوداً له منذ لحظة لقائهما الأولى. وعلى امتداد الفيلم، نرى ميني مي صامتاً، تارةً يُوقع سكوت بمقلب وتارةً أخرى يُحاول الضغّط على الزّر الذي سيدفع به نحو حفرةٍ نارية أسفل عرين الدكتور إيفل. وهنا، يتذكّر روتش الأوقات التي عمل فيها مع تروير الذي توفي في أبريل (نيسان) من العام 2018.

"كان "ميني مي" وكلّ ما يتعلق به إضافةً إيجابية للفيلم. ففيرن أبدع في تأدية الدور، وأفكاره المبتكرة وضعت بصمتها على كلّ المشاهد، حتى المعقّدة بينها، كمشهد التعامل مع قطة صغيرة من دون وبر. كان فيرن قادراً على الغوص في أعماق الشخصية والتعبير بشكلٍ رائع عن العدواة التي يكنّها لسكوت إيفل. أفتقد فيرن كثيراً."

ولم يكن "ميني مي" الشّخصية الجديدة الوحيدة في التتمة؛ كان هناك أيضاً "السّمين اللعين" أو "فات باسترد". وربما تكون شخصية – المجرم، صاحب الوزن الزائد الذي يُحاول في إطار مشهدٍ كامل الانقضاض على "ميني مي" و"تناوله" – قد فقدت رونقها في السنوات الأخيرة مع اعتبار البعض أنّ الفيلم يربط مباشرةً بين إطلالتها وخصالها السّلبية. لكن بالعودة إلى العام 1999، كانت الأمور مختلفة وكان "فات باسترد" محط إعجاب وترصّد. وأكثر ما يُثير الاهتمام في هذه المسألة هو مواجهة الفيلم الأول – الذي يُعتبر أكثر سلاسةً وبذاءةً من تتمّته – صعوبةً كبيرة في تلقّي ردود فعلٍ إيجابية من جماهير الاختبار قبيل إنطلاقته الرّسمية في دور العرض.

وبحسب روتش، "لم يؤتِ الفيلم الأول نتائج جيّدة في الاختبار وعلامته لم تتجاوز الـ55؛ وهذه علامة متدنية". الظّاهر أنه كانت لدى النّاس توقعات عالية بشأن مايك مايرز على خلفية أدائه في "ساترداي نايت لايف" (SNL) و"عالم واين" (Wayne’s World)، كما كانت لديهم شكوك حيال قصة الفيلم التي تدور حول الجاسوس، صاحب الجسد المشعر والأسنان التالفة، الذي يستهزء بشخصيّة العميل بوند. وإلى أن حان وقت خضوع التكملة للاختبار، كانت المشكلة قد تحوّلت إلى النّقيض من ذلك؛ بمعنى أنّ الجماهير كانت سريعة في تقبّل الفيلم لدرجة أننا لم نعرف ما الذي أعجبهم فيه تحديداً وبدا لنا أنّهم يضحكون على كلّ تفصيلٍ فيه."

وبعد نيل ""الجاسوس الذي هزهزني" علامة 90 تقريباً في الاختبار الأول، انكبّ مايرز ورفاقه على التدقيق في المشاهد واللقطات وتحديد ما سيكون عليه المونتاج النهائي. ولعلّ أحد أكثر الأمور إثارةً للتحدي في هذا الفيلم هو عنصر السّفر عبر الزمن. وفي هذا الصّدد، يُقرّ روتش بأنّ الأمر كان معقّداً جداً؛ ولأجله، فكروا في الاستعانة ببازيل اكسبوزيشين (مايكل يورك) ليكون الشخصية التي تُزوّد الجمهور بالمعلومات وتظهر في أحد المشاهد وهي تخترق الجدار الرابع لتقول للمتفرّجين "استمتعوا" بوقتكم ولا تشغلوا بالكم في محاولة استيعاب مفهوم السفر عبر الزمن وإعطائه تفسيراً منطقيّاً.

ويُتابع روتش حديثه بالقول: "لما تنوي العودة بالزّمن إلى الوراء وتغيير التاريخ على نحوٍ قد يخترق استمرارية الزّمان والمكان، من الأفضل أن تنفّذ المهمة بدقة عالية وفعالية متناهية. ولأننا لم نشأ أن نكون كذلك، ارتأينا الاستعانة بمايكل يورك حتى يشرح للجمهور ما يجري ويُطمئنهم. وقد توصّلنا إلى هذا الحلّ بعد اختبار الفكرة مرة بعد أخرى والتفكير في تأشيرة تضمن خروجنا من موضوع السّفر عبر الزمن ’مثل الشعرة من العجين‘."

وفي مقابلةٍ أجراها مايرز مع مجلة "رولينغ ستون"، أفصح أنّ أغنية "مظهر الحب" (The Look of Love) لداستي سبرينغفيلد هي التي أوحت له بشخصية أوستن باورز، واصفاً إياها بـ"نشيد الغريزة الجنسية". وأثناء محاولته تكوين الشخصية ونفخ الروح فيها، خطرت له فكرة تهيّئتها لتكون عربون تقديرٍ للأعمال الكوميدية البريطانية - بشخصيّ بيتر سلرز ومونتي بايثون. فمايرز تربّى على هذا النوع من الأفلام واعتاد على مشاهدتها مع والده إيريك الذي توفّي بمرض الألزهايمر عام 1991.

يُحكى أنّ ذكرى والد مايرز خيّمت على موقع تصوير التتمة. وبحسب ما نقلته "رولينغ ستون" عن غراهام، فإنّ الممثل لم يتوقف عن قول الدّعابات عن والده، لكأنّه يحاول من خلالها التخفيف من ألم فراقه عنه. "كانت هذه الدعابات من النّوع الذي يُحطّم القلوب. ولو صدرت عن شخصٍ آخر سواه، لأشعرتكم بالحزن والإحباط حتماً. لا أعلم كيف تمكّن (مايرز) من تحويل هذا الموضوع إلى فكاهة."

وليس من المستغرب أبداً أن يتسبب مايرز بإضحاك زملائه الممثلين وطاقم العاملين معه بطريقةٍ هيستيرية ومن دون توقف؛ وهذا ما كان يحدث كثيراً أثناء التّصوير. وعن هذه النّقطة بالذات، يقول غرين مستذكراً: "تمكّن (مايرز) مرةً من إخراجي من الشّخصية وإضحاكي. حدث ذلك عندما كان يؤدّي فقرة الدكتور إيفل التي حُذفت من الفيلم والتي كان يتكلّم فيها عن طفولته. ولمّا انتهى من فقرته، نظر في عينيّ وبدأ يتُمتم كلمات غير مفهومة. وهذا ما جعلني أفقد السيطرة على نفسي. وفي وقتٍ لاحق من ذلك اليوم، أوضح لي (مايرز) إنه فعل ما فعله عن عمد".

ويستتبع غرين روايته بشرحٍ مفصّل للطريقة التي كان يتّبعها حتى لا يضحك ويفقد رباطة جأشه أثناء التصوير: "كان من الأسهل عليّ ألا أضحك لو لعبتُ دور سكوت على أنّه شخصية في أحد أفلام "لايفتايم" (Lifetime) – فيلم جديّ عن صبي لم يعرف والده أبداً، ثم يكتشف فجأة أنّ هذا الأخير قاتل جماعي. وعلى الرّغم من أنّ الفيلم كوميدي بامتياز، فإنّ وجود سكوت إيفل بذاته دراميّ ولطالما فكّرتُ فيه بهذه الطريقة. وهذا برأيي ما أضفى على الدور مزيداً من الفكاهة."

وكما في معظم الأفلام الكوميديّة الصّادرة في تسعينيات القرن الماضي، ثمة لحظات في أفلام " أوستن باورز" تُثير الغضب العارم، كالأنماط العنصرية المتهوّرة واستخدام فيريل للمكياج البني. ولا يخفى على أحد، حتى على أشدّ المعجبين بأوستن، أنّ ثلاثية أفلامه تتضمّن دعابات لا يُمكن السّماح بها في الجزء الرّابع، لو تقرّر إجراؤه. وقد يكون "أوستن باورز 2" فيلماً عن جاسوس شهواني في رحلة بحثٍ عن جاذبيّته الضائعة، إلا أنّه ليس بالقذارة والبذاءة التي تخطر في بال الناس عند ذكره. ويُمكن القول إنّه أقرب إلى كونه مغامرة تحبس الأنفاس لشخصيّةٍ دافئة وساحرة ومراعية لمشاعر الآخرين. ولا خطأ لو اعتبرناه التتمّة الكوميدية الأعظم في تاريخ السّينما.

لكن ما كلّ النّقاد متّفقون على هذا الرأي. من وجهة نظر أنتونيا كويرك من الإندبندنت، "الفيلم خفيف ويُقلّد بشكلٍ صارخ فن المحاكاة الساخرة أو الپارودي"، "وتتمتّه لا تنطوي على "دعابات ذكية بقدر" الفيلم الأول. أما من وجهة نظر بيتر برادشو من صحيفة "ذي غارديان"، فـ"الفيلم هو الأكثر فكاهة وذكاء وابتذالاً بين الأفلام غير الصّائبة سياسياً والمنتجة عام 1999"، مشدداً على احتوائه على "كمّ هائل واستثنائي من النّكات".

وكان البروز المتقطّع لآراء نقدية إيجابية على غرار رأي برادشو، العنصر النهائي الذي أتاح للتتمة تحقيق أرباحٍ عالمية بقيمة 312 مليون دولار؛ وهذا بحد ذاته إنجازٌ ضخم لم يتوقّعه أحد لمّا اقترح مايرز للمرة الأولى ربط إعلان الفيلم بسلسلة "حرب النجوم". نعم، هذا صحيح. "حقّق الفيلم الثاني من "أوستن باورز" في أسبوعه الافتتاحي إيرادات أعلى من تلك التي حقّقها الفيلم الأول طيلة فترة عرضه"، يؤكد روتش الذي لا يزال مذهولاً إلى الآن.

والضّحكة الأخيرة بانت عندما أطاح "الجاسوس الذي هزهزني" بفيلم "تهديد الشبح" وحلّ مكانه في صدارة شباك التذاكر الأميركي عقب بلوغ مبيعات أسبوعه الافتتاحي ضعف مبيعات الجزء الأول من "حرب النجوم" – وهذا أمر جيد بالنسبة إلى فيلم لا تتعدّى ميزانيته الـ80 مليون دولار أميركي. وبعد الجزء الثاني، صدر الجزء الثالث عام 2002 تحت عنوان "أوستن باورز في غولدميمبر" (Austin Powers in Goldmember). أما الجزء الرابع، فلا يزال كبطل الفيلم أسير الزّمن.

"حاولنا الخروج بفكرة جيّدة تستحقّ أن تتحوّل إلى فيلمٍ رابع، لكنّ قرار التّنفيذ يتوقّف على مايك. صحيح أنّه لا يزال أمام الدكتور إيفل الكثير ليُقدّمه للجمهور، لكننا بصراحة لا نعلم كيف سنُصوّر جزءاً رابعاً من دون فيرن، لاسيما أننا فكّرنا مطوّلاً في سبر أغوار تفاصيل حياة الدكتور إيفل ونقل شخصيّته إلى بعدٍ آخر. في أيّ حالٍ من الأحوال، لمّا سيجد مايك ضالّته، سنصوّر الجزء الرابع تكريماً له. أنا عن نفسي جاهز وأنتظر إشارة منه"، يُعلّق روتش خاتماً حديثه.

© The Independent

المزيد من سينما