Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مزارعون في كينيا ينقذون فنجان الشاي في بريطانيا

تثبت العوائد على الاقتصاد المحلي وحياة أصحاب الأراضي الصغيرة أن المزارعين ينتصرون في المعركة ضد التغير المناخي. تلتقي هانا تويغز المزارعين في ميرو الذين تشكّل كل شجرة بالنسبة لهم سلاحاً لمقاومة الجفاف

 حقول من الشاي في باندونغ الاندونيسية (ويكيبيديا.أورغ)

"عاد قاطفو الشاي من الحقول وكانوا جميعاً يذرفون الدموع". هذا ما قاله فيستوس موغامبي ميموغا وهو يجول بناظريه في مزرعته الكائنة في الأراضي المنخفضة لجبل كينيا، ولن يلومّنك أحد إذا خطر ببالك أن هذا المكان الذي يرتفع حوالي 2000 متر عن سطح البحر لم يمسّه الجفاف أبداً.

وتمتد حقول الشاي الخضراء الوارفة على مد النظر وتعج بالحياة البرية. لكن الأمطار المتأخرة قد أدخلت هذه الجنة الاستوائية في أزمة.

إن "موسم الأمطار الطويل" في البلاد، المتمثل بهطول مطري سنوي لمدة 10 أسابيع بين مارس (آذار) ومايو (أيار)، قد تأخر عن موعده ستة أسابيع. فمستوى المياه في الأنهار منخفض والتربة قاسية جداً لزراعة المحاصيل. بالنسبة لنصف مليون مزارع شاي في هذه المنطقة الجبلية، لا يمثل هذا تهديداً لأمنهم الغذائي فحسب، بل يهدد أسلوب حياتهم بالكامل. ويقول ميموغا "نحن قلقون بشأن التغير المناخي... إنه يؤثر في الجميع، ليس في مجتمع المزارعين فحسب، لكن في البلاد بأكملها".

ويشتهر ميموغا بامتلاكه أفضل مزرعة شاي في إيمنتي الواقعة في الأراضي المنخفضة إلى الشرق من جبل كينيا، لأنه يمتلك شجيرات شاي ذات الأوراق الملساوات. يتطلب الأمر الكثير من العمل الشاق لأيام طويلة لجعل النباتات تنمو بهذه الطريقة - البراعم التي تحمل ورقتين هي الأفضل من حيث الجودة، ويجب قطف كل واحدة منها باليد - ولكن الطقس غير المتوقع يجعل الحفاظ على الجودة العالية التي يشتهر بها محصوله أمراً صعباً.

ويقول ميموغا "هذا هو اليوم الممطر الثالث فقط خلال الموسم الحالي، لكننا قلقون للغاية لشح المياه. كلما زاد هطول المطر أصبح القطف أسهل".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكانت كينيا توفر المناخ المثالي لزراعة الشاي: التربة البركانية الاستوائية الحمراء والأيام المشمسة الطويلة. وتنمو شجيرات الشاي بشكل أفضل في المناطق الجبلية، على ارتفاع 2000 متر، وفي درجات حرارة تتراوح بين 16 و 29 درجة مئوية، مع هطول مطري مستقر. قد يبدو هذا غريباً نوعاً ما في شرق أفريقيا، لكن لم يعد الاعتماد على هذه السمات ممكناً بشكل متزايد في السنوات الأخيرة.

"إن الأمر أشبه بسباق يجري في أعالي الجبال"، بحسب سايمون هوتشكين، رئيس قسم الاستدامة في شركة "تايلورز هاروغيت" التي تشتري أوراق الشاي من هذا الجزء من كينيا لإنتاج الأصناف المتنوعة من شاي "يوركشر تي" الخاص بها. وتوضح النماذج الحديثة للتغير المناخي التي تقدمها هذه العلامة التجارية أن الصعوبات تتعاظم في توقع الفصول الممطرة التقليدية وأنها قد تكون متقطعة أكثر وأقل وضوحاً مع قدوم عام 2030.

ويوضح قائلاً "المناطق المناسبة لزراعة الشاي حالياً تصبح أقل ملاءمةً في المستقبل ... ما حدث هو أن "حيّز الملاءمة" يدفع تلك الأراضي أكثر فأكثر نحو أعالي الجبال. وتصبح مناسبة أكثر في المناطق المرتفعة لأنها أبرد وما زال المطر يتساقط فيها... إذا استمر تغير المناخ على هذه الوتيرة، فإن الشاي في خطر حتماً".

في شهر مايو (أيار) في وقت سابق من هذا العام، توقع الخبراء أن تكون الغلال أقل وزناً بما يصل إلى 12 في المئة بسبب الأضرار التي لحقت بالمحاصيل نتيجة الجفاف. وأكثر من نصف الشاي البريطاني يُزرع في كينيا، حيث وصلت الكمية المستوردة في عام 2017 إلى المملكة المتحدة إلى 62 ألف طن، ويعادل هذا 165 مليون كوب شاي في اليوم - أي ما يمكن أن يملأ 20 حوض سباحة أولمبياً. في أوساط البريطانيين المهووسين بالشاي، فقد يترجم هذا إلى زيادة تصل إلى 40 في المئة في سعر المشروب التقليدي الأكثر شعبية والمعروف بـ "شاي الفطور الإنكليزي". أما بالنسبة لأصحاب المزارع الصغيرة الذين يزرعون أوراق الشاي اللازمة لهذه الخلطة، فإن التكلفة تفوق ذلك بكثير.

قبل خمس سنوات، بدأ ميموغا بزراعة الأشجار، فهي كما يقول موضّحاً "تمد لهم يد العون من خلال توفير ثمار الفاكهة لبيعها... نحن نقوم باقتلاع أشجار الكينا لأنها تستهلك الكثير من الماء، ونتحول إلى زراعة أنواع أخرى... لقد لاحظت فرقاً كبيراً من خلال القيام بهذا. بدأت التربة لدينا تتحسن. وتكوّن الأوراق المتساقطة من الأشجار التي نزرعها الكثير من النشارة (التي تحافظ على رطوبة التربة). نحن موجودون في مكان مرتفع هنا، والأشجار الأطول تحمينا من الرياح".

ميموغا هو واحد من بين 4000 مزارع من أصحاب الأراضي الصغيرة في كينيا الذين يستفيدون من مشروع لإعادة التحريج تديره شركة "يوركشر تي". ففي عام 2015، تعهدت الشركة التي تعد ثاني أشهر علامة شاي في بريطانيا بزراعة مليون شجرة بحلول عام 2020: نصفها على أيدي المدارس والمجتمعات المحلية في المملكة المتحدة، والنصف الآخر من قبل المزارعين في أربع مزارع شاي في كينيا وحولها، والتي تشتري منها الشركة غالبية خلطاتها.

ومن خلال العمل مع الوكالة الكينية لتطوير الشاي (KTDA)، والبرنامج الدولي لزراعة الأشجار الصغيرة (TIST) ومقره في الولايات المتحدة، يشجع المشروع مزارعي الشاي من أصحاب الأراضي الصغيرة على غرس الأشجار التي توفر فوائد لا حصر لها على مزارعهم على الأمد الطويل.

ويشمل هذا الأشجار التي تعطي محاصيل من أجل الطعام أو البيع، ومنها الأشجار المحلية التي توفر الظل والوقاية من الرياح، والأشجار التي يمكن تقليمها لإطعام الماشية، والأشجار اللازمة لإصلاح التربة أو توفير مغذيات لها أو مهاد النشارة للمحاصيل.

والأهم من ذلك تساعد الأشجار كينيا على مكافحة التغير المناخي، الأمر الذي يشكل تحدياً حقيقياً لصناعة زراعة الشاي هناك. كما أن غرس الأشجار والحد من إزالة الغابات يحمي أيضاً نوعية الأرض التي يعوّل عليها المزارعون لزراعة الشاي والمحاصيل الأخرى التي يعتمدون عليها في الإنتاج.

باتريك كيماثي البالغ من العمر 52 سنة، من كيانجوغو، وهو مشارك آخر في المشروع يمتلك مزرعة صغيرة تعرف محلياً بـ شامبا، قام بزراعة أشجار الموز طوال مدة عمله في الزراعة. ويقول "أحب زراعة الأشجار، لأنني أعلم أنها تغير البيئة... وبمجرد أن نغير البيئة، فإنها تمكننا من البقاء بصحة جيدة".

يشارك كيماثي في مشروع شركة "يوركشر تي" منذ حوالى 10 سنوات، وكان من أوائل المزارعين الذين اشتركوا في منطقته. خلال العقد الماضي، قام بزراعة حوالى 500 شجرة في مزرعته التي تبلغ مساحتها ثلاثة فدادين، وهو يخطط لزراعة 200 شجرة أخرى مع حلول نهاية العام. موضحاً "أنا أزرع قدر استطاعتي. ليس لدي مشتل في الوقت الحالي، لكن يمكنني الحصول على شتلات من اللذين يمتلكون واحداً".

أما بعض المزارعين، من أمثال يوليوس غيتوما كيوغو البالغ من العمر 60 سنة والذين شاركوا في المشروع لمدة عام واحد فقط، فيقومون بإنشاء "مزارع أشجار" حيث ينشئون مشاتل للشتلات التي يستطيعون زرعها بأنفسهم أو أن يبيعونها للمزارعين الآخرين. وقد تمكن كيوغو من زرع أكثر من 300 شجرة على مساحة ربع فدان.

ويقول "أنا أزرع الأشجار عموماً لأنها تستطيع استجلاب مزيد من الأمطار... وعندما تكبر، يمكنني بيعها والحصول على المال". ينتج كيوغو أيضاً العسل من خلايا النحل الملتصقة بالأشجار في أرضه.

وهو بدأ الزراعة هنا في 1982، وزرع آلاف الأشجار منذ ذلك الحين. وانضم إلى المشروع حتى يتمكن من كسب المال من أشجاره. ويقول "قام الجيران بتقليد ما كنا نفعله... كانوا معتادين على قطع كل الأشجار لاستخدامها كوقود، لكنهم جميعاً يقومون الآن بالزراعة". يستخدم كيوغو أحواض استنبات مرتفعة لتكوين براعم جذور على الشتلات، بالتالي يمكن إعادة غرسها في مكان آخر. كما أنه يحصل على أنواع هجينة من المزارع التي تديرها الحكومة والتي طُوّرت كي تنمو بصورة أسرع وتستهلك كميات أقل من المياه.

 

ويفسر ذلك قائلاً "لا بد للأنواع أن تتغير بسبب المناخ". وعلى سبيل المثل إن شتلة غريفيليا (نوع من البلوط) التي زرعها منذ 30 عاماً لم تصل إلى مرحلة النضج الكامل إلا الآن فحسب، في حين أن الأنواع الهجينة يمكن أن تصل إلى مرحلة النضج خلال 10 سنوات فقط. ويقول "لقد اضطروا إلى تكييف الأنواع للتأكد من أنها قادرة على مواصلة النمو بالوتيرة نفسها. إن تقنيات الزراعة تساعد في ذلك. بسبب التغير المناخي، يتم استخدام الأشجار الهجينة لأنها تنمو بشكل أسرع وتعطي ثمارها في وقت مبكر".

بطبيعة الحال، تكمن الخطورة في اضطرار كيوغو إلى مواصلة تغيير الأنواع لمواكبة التغير المناخي.

ويقول "إن الطقس يزداد سوءاً. لدينا جفاف كل عام تقريباً. لم يكن لدينا مثل هذا الجفاف في ما مضى. ولكن الآن، هناك جفاف كل عام. يفشل المطر في الهطول في الوقت المناسب، لذلك عندما نزرع، نقوم بذلك في فترة متأخرة جداً".

بالعودة إلى مزرعة كيماثي، فإن العديد من الأشجار المثمرة التي زرعها، مثل الأفوكادو والموز والتامريلو (طماطم الأشجار أو الطماطم الشجري)، التي يبيعها للمشترين المحليين والدوليين، تصل إلى مرحلة النضج في غضون بضع سنوات، وتستمر في الإنتاج على مدار حياتها. ويمكن لشجرة الأفوكادو إنتاج حوالى 500 ثمرة في السنة بعد مرور عامين إلى ثلاث سنوات فقط. بسعر 12 سنتاً أميركياً (ما يعادل 10 قروش استرلينية) لكل ثمرة، إنه مبلغ جيد.

يقول كيماثي "في بعض الأحيان، أزرع المحاصيل التي لا أحتاج إلى رشها بالمبيدات كي أتجنب استخدام المواد الكيماوية. لذلك أزرع الذرة الصفراء أحياناً في ظل الأشجار"، يقول ذلك وهو يشير إلى جزء من مزرعته تنتظم فيه المحاصيل الخفيضة، وإلى أجزاء أخرى تركها خاوية للاستصلاح هذا العام، ويتابع مشيراً إلى التلال الخلابة المحيطة بمزرعته "نحن في مكان مكشوف هنا... أنا أزرع أشجار الغريفيليا كمصدَّات للرياح حول مزرعتي لحماية شجيرات الشاي".

ويذكر أن الغريفيليا، وكانت في الأصل تنمو في جنوب شرقي أستراليا، أُدخلت إلى كينيا كشجر يوفر الفيء لمحاصيل القهوة في أوائل القرن العشرين. ومنذ ذلك الحين أصبحت نبتة مستوطِنة في البلاد ويشيع استخدامها كحواجز حول مزارع الشاي في ميرو وغيرها من مقاطعات منطقة المرتفعات الوسطى. إنها تحمي المحاصيل من الرياح والغبار، ولكنها تساعد أيضاً في التقليل من تآكل التربة وملوحتها.

وهناك منافع أخرى أيضاً لأشجار الغريفيليا. فكما يقول كيماثي "إنني أحصل على حطب للنار من خلال قطع أغصانها". كما يمكنه استخدام الأغصان المنخفضة كعلف للأبقار أثناء الجفاف. وبعض المزارعين، يستخدمونها لإبعاد الفيلة البرية.

من ناحية أخرى، تُتجنب زراعة بعض أنواع الأشجار، وغالباً ما تُقتلع، لأنها قد تؤثر في التنوع الحيوي للمنطقة وتتسبب بمشاكل لمزارعي الشاي. لنأخذ مثلاً شجرة الكينا التي كانت تُعتبر ذات يوم مصدراً للوقود لأنها سريعة النمو ودائمة الخضرة. لكن غالباً ما تُتجنب زراعتها اليوم لأنها تستهلك الماء بكميات كبيرة. كما أن الأرض المحيطة بقاعدة هذه الأشجار تتشقق وتجف، بالتالي يمكننا بسهولة أن نرى السبب الذي يجعل المزارعين في ميرو يختارون اقتلاعها لصالح الأنواع المفيدة أكثر.

وجني فوائد الأشجار مكّن كيماثي أيضاً من إضافة بعض التحسينات التكنولوجية على مزرعته، مثل حيازة آلة تقطيع العشب، وهي جهاز ميكانيكي لقطع العشب الكثيف الذي يستنبته في المزرعة لاستخدامه كغذاء للماشية، وموّلدة حيوية صغيرة للغاز تحول روث البقر إلى وقود يمكن للعائلة استخدامه في موقد الطهي.

ويقول هوتشكين إن أهم ما في المشروع هو أوجه تحسينه سبل عيش المزارعين من أصحاب الأراضي الصغيرة مثل كيماثي، مضيفاً "من المؤكد أن الأشجار التي نساعد على زراعتها توفر غطاءً حرجياً وهي شيء جيد للكوكب بالعموم، لكنها مهمة أكثر من ذلك بكثير بالنسبة للمزارعين... إنها أشجار المانغا والأفوكادو والماكاديميا، إنها مورد رزق إضافي لتغطية مصاريف المدارس والكتب، إنها تحسّن التغذية والصحة، وتقدم علفاً للأبقار، وتوفر العسل من قفر النحل، وتستطيع إبقاء المزارع خالية من الفيلة... إن هذا المشروع من أجل الأجيال المقبلة من مزارعي الشاي، ناهيك عن الأجيال القادمة من شاربي الشاي!".

لكن حتى في مزارع شرق أفريقيا المنظّمة والمثمرة مثل تلك التي يمتلكها كيماثي، فإن آثار التغير المناخي بدأت بالظهور. فمثل هذه المزارع كما يقول "مصدر قلق كبير... عندما تمر موجة جفاف، فإننا نواجه مشكلات عدة لأننا لا نملك ما يكفي من الغذاء لأنفسنا أو لحيواناتنا".

وتتزود معظم المزارع الجبلية في هذه المنطقة بالمياه المنقولة بالأنابيب من الينابيع الطبيعية، ما يعني أنها قادرة على الحفاظ على محاصيلها لمدة من الزمن من دون هطول الأمطار، باستخدام خنادق ومرشات الري. وبالنسبة لمزارعي كفاف عيشهم، مثل كيماثي، قد يكون نظام الري هذا شريان الحياة خلال الطقس الذي لا يمكن التنبؤ به، ولكن بعد ستة أسابيع من الانتظار الطويل لهطول الأمطار، تكون مستويات المياه أدنى مما كانت عليه لمدة طويلة، و"المياه غير كافية حتى لري المحاصيل التي نزرعها"، كما يقول.

إضافة إلى الفوائد الكثيرة التي تجلبها الأشجار لمزارعي الكفاف، فهي تساعد الكوكب أيضاً عن طريق امتصاصها ثاني أكسيد الكربون.

مثلها مثل أي شركة، تنتج "يوركشر تي" غازات الدفيئة في كل نشاط تقوم به، من تشغيل مفاتيح الإضاءة، إلى شحن الشاي من كينيا إلى إنجلترا وإيصاله بالحافلات من المصنع إلى المتاجر التي نشتري منها الشاي. ولهذا، ومن ضمن جهود هذه العلامة التجارية للحد من بصمتها الكربونية، كان التحول إلى استعمال الطاقة المتجددة بنسبة 100 في المئة، وضمان عدم وصول أية نفايات إلى المكب، واختيار ميناء على مسافة أقرب من مصنعها لتقصير المسافة التي تحتاجها لنقل الشاي الخاص بها.

وعلى الرغم من كل هذه الخطوات المتخذة، ما زلنا ننتج غازات الدفيئة عندما نحضّر كوب شاي في المنزل.

"في كل مرة نحضر فيها أنت وأنا فنجاناً من الشاي، نستخدم بشكل فعال كل الطاقة التي استُخدمت في مصنعهم لتجفيف الشاي وتخميره وفرزه وتعبئته ثم توزيعه ونقله من كينيا إلى المملكة المتحدة وما إلى ذلك"، وفقاً لجوناثان شوبلي، العضو المنتدب في "ناتشورال كابيتال بارتنرز" التي تساعد شركة "يوركشر تي" على تقليص كمية الكربون الناجم عن منتجاتها للحصول على "شهادة الكربون المحايد".

يساهم هذا المشروع في كينيا، والمشاريع المشابهة في ملاوي وأوغندا، في معالجة البصمة الكربونية التي تتركها "يوركشر تي" من المزارع إلى الرفوف في المتاجر، عن طريق زراعة الأشجار التي تمتص الكربون من الجو، أو عن طريق تقليل عدد الأشجار التي يتم قطعها لاستخدامها كوقود.

 وعلى الرغم من أن شوبلي يحتفي بتزايد الاهتمام والإجراءات التي لاحظها في ما يتعلق بحيادية الكربون، لكنه يقول إن تصفير الانبعاثات بحلول عام 2050، وفقاً لما تم تحديده في اتفاقية باريس للمناخ، سيكون أصعب من قيام كل شركة بإصلاح انبعاثاتها. موضّحاً "في عام 2008، كنا نحسب أن معالجة مسألة المناخ برمتها ستنجز من خلال اتفاقية كيوتو... لكن العالم السياسي فشل في حينها ولم يحدث ذلك. وعاد التغير المناخي الآن إلى جدول الأعمال".

ويقول شوبلي إن "يوركشر تي" ليست الشركة الوحيدة التي تحاول أن تصبح محايدة في إنتاج الكربون من خلال البرنامج الدولي لزراعة الأشجار الصغيرة، لكنها واحدة من أكثر الشركات الفريدة التي رآها. مضيفاً "في حين أن بعض الشركات تبحث حقاً عن النقاط المكتسبة من تقليص انبعاثاتها الضارة بشكل عام، فإنها في الواقع لا تقوم بالتغيير على قدر ما تفعل هذه الشركة... إنه مخطط متطور إلى حد كبير لأنهم بذلوا جهوداً لبناء مجموعات صغيرة ومباشرة في سلسلة التوريد الخاصة بهم... إنه تباين مذهل مع كيفية تقديم الكثير من الحلول المناخية. في العادة، سيقدم البنك الدولي قرضاً إلى حكومة ما، وستقوم الحكومة بتسديده. ولكن هذه هي الأرضية الصحيحة لهذا الأمر. إنه يحدث عندما يغير المزارعون ممارساتهم".

تقوم "يوركشر تي" بشراء نقاط الكربون، والتي تعمل بدورها على تحسين سبل عيش المزارعين من خلال السماح لهم بجني الأموال من الكربون الذي تمتصه أشجارهم، أو ستقوم بامتصاصه طوال فترة حياتها.

يقول هوتشكين "لا يوجد الكثير من الشركات الأخرى التي تقوم بتحييد الكربون بنفس الطريقة التي قمنا بها... غالباً ما تسمع عن الشركات التي تصبح محايدة في إنتاج الكربون ولكنها تفعل ذلك على أساس بصمتها التشغيلية. حقيقة أننا قررنا أن نصبح محايدي الكربون عن طريق رغبتنا في العمل مع المزارعين في سلسلة التوريد الخاصة بنا حتى يستفيدوا كجزء من العمل الذي نقوم به، وهو أمر استثنائي إلى حد ما".

بمجرد انضمام المزارعين إلى المشروع، وبدئهم في الزراعة، وبدء الأشجار في النمو، يتم قياس كمية الكربون التي تلتقطها الأشجار والتحقق منها ويتم بيع نقاط معتمدة للغازات الدفيئة. يحصل المزارعون على مدفوعات سنوية مسبقة للكربون عن كل شجرة تنمو ويُعتنى بها، وعلى حصة من الأرباح عند بيع النقاط.

بطبيعة الحال، فإن جعل مزارعي الكفاف يغرسون أشجاراً لن يحصلوا منها على غلال أو فوائد أخرى لعدة سنوات ليس بالأمر السهل. يقول جون أمبلر من البرنامج الدولي لزراعة الأشجار الصغيرة، وهو برنامج تشجير يشجع مزارعي الكفاف على إنشاء بساتين الأشجار على أراض متدهورة أو غير مستخدمة: "إنك تحصل على الكثير من الفوائد البيئية، والكثير من الفوائد الاقتصادية، لكنْ هناك تأخير... إنه جزء من تحدٍ أوسع يواجهه البرنامج الدولي، وهو أننا نطلب من الناس اتخاذ إجراء الآن للحصول على مزايا لن يروها قبل فترة طويلة".

يدير البرنامجَ الدولي لزراعة الأشجار الصغيرة ستة أشخاص من الولايات المتحدة، ولكن منذ إنشائه في عام 2013، عمل مع أكثر من 88 ألف مُزارع في أربع دول، الذين زرعوا أكثر من 18 مليون شجرة واحتجزوا ما يفوق 4.9 مليون طن مكعب من ثاني أكسيد الكربون.

ويساعد البرنامج على ربط مزارعيه بسوق الكربون العالمي ومع الشركات التي تحاول إصلاح بصمتها، ومن ضمن أكبر الأسماء بين عملاء البرنامج هم خطوط دلتا الجوية، وسيارات "هيونداي"، ومتاجر "ماركس وسبنسر" البريطانية، وشركة "مايكروسوفت".

ويقول أمبلر "إذا زرعتَ شجرة أفوكادو، فإنك تنتظر لسنتين قبل أن تبدأ الثمار بالنمو... وخلال السنوات الخمس أو الست الأولى، وقبل أن تقوم الأشجار باحتجاز ما يكفي من الكربون لتوظيفه في مشروع وتحويله إلى نقاط كربون، نريد إبقاء المزارعين في البرنامج والحفاظ على حماستهم".

يتعهد المزارعون بالعناية بالبساتين المشجرة لمدة 30 عاماً مقابل مدفوعات سنوية مسبقة من الكربون لكل شجرة حية، وحصة بنسبة 70 في المئة من صافي أرباح مبيعات نقاط الكربون. إضافة إلى ذلك، فإنهم يجنون أكثر من 7 دولارات عن كل شجرة لا تحقق فوائد كربونية.

بعد خمس سنوات من نمو الأشجار، يمكن حساب كتلتها وحجم الكربون المحتجز فيها، ويتم التحقق من الكربون الذي تم التقاطه وفقاً للمعايير الدولية، ويمكن طرح نقاط الكربون للبيع.

يوضح أمبلر "الدفع المسبق ضئيل جداً، لكنه يكفي لإبقاء الأشخاص مرتبطين بالمشروع... تم تصميمه كجسر وصل بين الإجراءات التي يتخذونها الآن والمزايا التي سيتلقونها في نهاية المطاف".

يتعرف المزارعون على البرنامج من جيرانهم والمزارعين الآخرين، وينضمون إلى مجموعات صغيرة من حوالى 6 إلى 12 شخصاً التي تشكل  بدورها "حلقات" تصل إلى 500 مزارع محلي. هناك حوالى 250 من هذه المجموعات في جميع أنحاء كينيا، وتجتمع مرة واحدة في الشهر.

تحتوي كل حلقة على خادم ومُحصٍ خاص بها، وهو مزارع مسؤول عن عد الأشجار ضمن الحلقة وحساب حجم الكربون المخزّن. يقول جون "طبيعة العمل كمزارع تجعل هناك أوقاتاً معينة خلال العام لا يكون لديك فيها الكثير من العمل وتقوم بالانتظار... ما يحدث عادة هو أن هناك مزارعاً متحمساً جداً يلتقي بالناس من خلال الوجود في الحلقة"، ثم يتابع العمل كي يصبح مُحصياً.

أحد هؤلاء المزارعين هو "ألفازارد موانغي كيماني"، الذي يعمل مع البرنامج الدولي لزراعة الأشجار الصغيرة منذ ندوته الأولى. ويقول لي متحدثاً عن البرنامج "إنه يغير حياة الآلاف من الناس... لقد جعل المزارعين قادرين على النمو في ما يتعلق بالقيادة، ومن حيث إحداث تغيير في حياتهم اليومية من خلال الزراعة الوقائية... يشعر الجميع بالفخر... الأشخاص الذين يعملون كمُحصين، مثلي، قادرون على إرسال أبنائنا إلى المدارس من خلال البرنامج. لا يمكنك اعتباره أمراً مفروغاً منه".

والتعلم المشترك على المستوى الشعبي هو جزء كبير من البرنامج. ويقول جون "بدأ البرنامج بالاستماع إلى المزارعين وسؤالهم عن التحديات التي يواجهونها والعمل معهم لتطوير استراتيجيات لمعالجة هذه المشكلات... أعتقد أنه خلال العامين الماضيين عندما لم يكن هناك بالفعل أمطار، فإن مثل هذه الظروف تغير حاجات المزارعين ونوعية التعليم والأدوات التي نستطيع توفيرها لهم".

ويدير البرنامج الدولي ندوات للمزارعين حيث يتلقون تدريباً على تقنيات حفظ ما يزيد من غلة المحاصيل؛ والقضايا الاجتماعية والاقتصادية مثل تنقية المياه والصحة والنظافة، وتنمية مشاتل الأشجار، ومواضيع مثل التغير المناخي وحماية التنوع البيولوجي وإزالة الغابات ودورة الكربون، للمساعدة في زيادة الوعي والحد من تدهور الأرض. ثم يحمل المزارعون ما تعلموه إلى مجموعاتهم ويعلّمون بعضهم بعضاً.

ويشرح جون قائلاً "تشكل الندوات فرصة للناس سواء من جميع أنحاء البلاد أو جزء منها للالتقاء معاً لبضعة أيام لتلقي التدريب لبضعة أيام واتخاذ القرارات والتعلم... ويقوم الأشخاص الأكثر خبرة بتدريب مَن يتمتعون بخبرة أقل... إن التحدث إلى هؤلاء الأشخاص يفسح لنا المجال لمحاولة فهم نوع التحديات التي يواجهونها بشكل أفضل، وأفكارهم حول كيفية تحسين البرنامج".

وتقوم مجموعة من المزارعين بالغناء والرقص تحت ظلال الأشجار في قرية أوكو في ميرو. وهم جزء من حلقة تجتمع مرة واحدة في الشهر في هذه المنطقة. وللمرة الأولى، تلقى عدد من المجموعات في هذه الحلقة التي يبلغ عددها 36 مجموعة، المدفوعات المسبقة عن الكربون المحتجز في أشجارها. وبعد ستة أشهر من زراعة الشتلات ورعايتها، بدأوا أخيراً في جني ثمار عملهم الشاق.

وتحتفل بالمناسبة إحدى المجموعات، تحمل اسم تيغيمو، وتتكون من سبع مزارع. لقد دُفع لهم مقابل زراعة 3114 شجرة، وهو أعلى رقم من بين كل المجموعات.

وتقول جوليا نكاثا التي تملك أكبر مزرعة في المجموعة "لقد بدأنا بالزراعة بسبب المطر وقضية المناخ ومن ثم الهواء النقي". وقد غرست في مزرعتها التي تمتد على مساحة فدان ونصف الفدان 2109 أشجار مؤهلة لإحصاء الكربون.

استفادت المجموعة من مشتل مشترك للشتلات، حيث يقوم المزارعون بجمع عينات من البرية، ويساعدون بعضهم البعض على تنميتها لتنبت شتلات يمكن أن تتقاسمها المجموعة وتزرعها. وتقول نكاثا إنهم تمكنوا بهذه الطريقة من زرع عدد كبير، مضيفة "لقد رأينا آثار التغير المناخي، بالطبع... الأنهار جافة. الحيوانات ليس لديها أي طعام. نحن أنفسنا ليس لدينا ما يكفي من الغذاء في مزارعنا. لأن المطر غائب". وتضيف إن هذه الطريقة تشجع المجموعة على زراعة مزيد من الأشجار. كما أنها تختار الأشجار لجمالها أيضاً. وتقول مبتسمة "عندما تكون شجرة الأفوكادو كاملة النضج فإنها تبدو جميلة للغاية".

ويعود الفضل إلى هذا المشروع في جعل مستقبل المزارعين، من أمثال نكاثا والآخرين في مجموعتها، أكثر أماناً الآن، لكن مستقبل الشاي والكوكب لم يتحدد بعد.

وستحقق شركة "يوركشر تي" هدفها بزراعة مليون شجرة بحلول نهاية العام، ومن المقرر إقامة احتفال بهذه المناسبة في نوفمبر (تشرين الثاني). بإمكانكم قراءة المزيد عن التعهد الذي قدمته الشركة على موقعها yorkshiretea.co.uk.

© The Independent