ليس مفروضاً على أوروبا أن يوجه دفتها اليمين المتشدد

مرت أوروبا بأزمات سياسية واقتصادية أسوأ

لا أحد غير اليمين المتطرف الضيق الأفق أو اليسار الغبي يطالب بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي منذ البريكزيت (رويترز)

تذهب الكتابات التي تتناول أوروبا منذ استفتاء بريكست إلى أن السياسات القارية تخطو خطوات كبيرة وسريعة نحو التطرف اليميني، في وقت خسرت المفوضية الأوروبية رباطة جأشها في عهد رئيس يستهويه التصفيق له أينما تسنّى وليس في المناسبات الاحتفالية فحسب. وتذهب القصص، المتداولة إلى أن ماكرون في ورطة، وأن مركل راحلة ويبدو ماتيو سالفيني [نائب رئيس الوزراء الإيطالي] في بعض الأحيان وكأنه وريث موسوليني، على رغم أنه يرفض بشدة هذا التشبيه وهو يختال على المنابر في الساحات الإيطالية. ويجر رئيس وزراء بولندا، ماتيوز مورافيكي، بلاده إلى الوراء، إلى الثلاثينات، حين كانت دولةً إكليريكية متشددة على رغم أن الدستور لا يلحظ هذا الدور. وتقول هذه السردية إن طيف فرانكو يخيم على إسبانيا، وإن أشباحه يفوزون بالمقاعد في جنوب إسبانيا.

وتمضي هذه السردية وتقول إن أعوام النمو البالغ 2 و4 في المئة انقضت، وإن أوروبا عاجزة عن حل أزمة المهاجرين إليها، وإنها تقف موقف المتفرج أمام مقاربة الرئيس ترمب مسائل التجارة الدولية والمناخ والسلاح النووي ومعاهدات الناتو، وتقول كذلك إن الرئيس بوتين يُطْبِق على قادة الاتحاد الأوروبي في وقت تملي قواته القواعد أو الشروط في أوكرانيا وسوريا وصربيا وجورجيا وترانسنيستريا، وفي وقت يد عملائه مطلقةٌ في القتل على الأراضي البريطانية وفي التدخل في البلقان لزعزعة استقرار جنوب شرقي أوروبا.

وتذهب التعليقات الرائجة إلى أن [أوروبا] تقف موقف المتفرج من سير اليمين الشعبوي المتطرف نحو الفوز بالبرلمان الأوروبي في مايو ( أيار) المقبل، ومن البريكست على رغم أنه أول ما سيحفر قبر خرافة المشروع الأوروبي.

ولكن هل كل ما تقدم فعلي أو مصيب؟ أوروبا مرت بأزمات سياسية واقتصادية أسوأ، وأزمات أفدح في العلاقات مع الولايات المتحدة وروسيا والعلاقات بين دولها.

وفي العقود كلها، منذ بدء التوسع (في 1973، حين انضمت بريطانيا وإيرلندا والدنمارك إلى المنطقة الاقتصادية الأوروبية) عرفت [ أوروبا ] لحظات عصيبة وقاتمة: في كل عقد على نحو التقريب، تنشب في فرنسا تظاهرات كبيرة، وغالبًا ما تكون عنيفة، وتؤدي إلى تراجع الحكومة. ولا جديد في احتجاجات الستر الصفر. وفي البرتغال، تزامن التضخم والصدمة النفطية في السبعينات مع بروز مخاوف جدية من بلوغ الشيوعيين أو اليسار المتطرف السلطة إثر تداعي إمبراطوريتها العسكرية المتهاوية، وتصدرت الحيز السياسي في السبعينات والثمانينات حوادث العنف الإرهابي في إيرلندا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا واليونان والجزيرة الإيبيرية.

وتتنافس نماذج اقتصادية متباينة [في أوروبا]. ونافست الصدمة الاقتصادية الناجمة عن العودة عن التصنيع الواسع نماذج السوق الاجتماعية الاقتصادية الأكثر اعتدالًا في ألمانيا وبيينلوكس [الاتحاد الجمركي بين بلجيكا وهولندا ولوكسمبرغ] ودول شمال أوروبا.

واقتضت التسعينات شن عملية إنقاذ شاملة لاقتصادات مريضة بالغرغرينا هي من مخلَّفات الإمبراطورية السوفياتية، وتنعمت ألمانيا الغربية في 1990 بالنمو، وإعادة توزيع اجتماعية واستخدام كامل لطاقة القوة العاملة... لكن هذا الوجود الهانئ تبدد مع اضطرار ألمانيا الغربية إلى نقل شطر ضخم من ثرواتها إلى اقتصاد ألمانيا الشرقية الشيوعية المفلس والعالم ثالثي.

وشهد هذا القرن أزمة الانهيار المالي المستوردة من أميركا، فشّقَّ الاقتصاد الفعلي، وقوامه وظائف مجزية الرواتب وموازنة مالية عامة سليمة ومعافاة، طريقَه بصعوبه طوال عقد سعيًا إلى التوازن. وإلى اليونان وجنوب إيطاليا، تعافت الاقتصادات الأخرى في ما يسمى دول بيغز (PIGS) [البرتغال وإيطاليا واليونان وإسبانيا مع نمو أكبر وبنوك غذاء ومشردين أقل في الشوارع مما هي الحال في بريطانيا.

وطوال هذا الوقت، صمدت أوروبا، وراوحت مكانها في بعض الأحيان وهي تتعرض لهجوم متواصل، سواء من شعبويي اليمين في حزب "استقلال المملكة المتحدة" (UK Independence Party) أو حزب "ائتلاف اليسار الراديكالي" ("سيريزا") اليوناني. وكانت هذه حالها إلى حين اضطرار "سيريزا" إلى تشكيل حكومة وعلو صوت أكبر منتقدي الاتحاد الأوروبي اليساريين، يانيس فاروفاكيس، وتحوله إلى نجم إعلامي، في وقت تعاون كل الراشدين في أثينا مع كل حكومة اشتراكية- ديموقراطية، ناهيك عن حكومات يمين الوسط في أوروبا، عوض الدخول في مواجهة معها.

وفي الأشهر الأخيرة، خبت أصوات الشعبويين الإيطاليين في نقد بروكسيل، وأنجزوا معظم ما طالبهم به الاتحاد الأوروبي وقطاع الأعمال الإيطالي، وقدمت بروكسيل تنازلات [حول معايير الاستقرار وشروطه] في ما يخص الموازنة في كل من روما وباريس.

ومنذ البريكست، لا أحد غير اليمين المتطرف الضيق الأفق أو اليسار الغبي يطالب بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي أو من منطقة اليورو، والناخبون والمتظاهرون في بولندا وبودابست يقولون من غير لَبْس إن تقدُّم اليمين القومي لن يدوم إلى الأبد. وتستقبل بولندا 1.7 مليون مهاجر أوكراني من دون أي احتجاج، وستستاء من المملكة المتحدة حين تنقلب على البولنديين الذين كدّوا في العمل، وسددوا الضرائب، وساهموا في نمو اقتصاد المملكة في هذا القرن.

ولا شك في أن أوروبا تخلو من الأبطال: وليس فيها ترمبويّون أو بوتينيّون أو مودويّون [نسبة إلى رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي] أو مادوريّون [نسبة إلى الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو]. ولكن هل هذا أمر لا يحتمل؟ ففي بعض الأوقات يبدو الاتحاد الأوروبي وكأنه سويسرا، أي في بحث أو سعي دائم وراء المساومة وتذليل المشاكل، ويفوز ضجيج غوغائية مارين لوبن وغيرت ويلدرز أو خليط من اليمينيين المتطرفين الألمان والنمساويين بصدارة العناوين ولكنه -الخطاب الغوغائي هذا- لا يفوز بالسلطة. وفي العام المقبل ستبقى الأمور على حالها هذه، ولن يهيمن أي حزب أو مجموعة على البرلمان الأوروبي، ورؤساءُ المفوضية الأوروبية أو المجلس الأوروبي أو البنك المركزي الأوروبي المقبلون سيكونون مرشحي تسوية.

ولكن إذا حدث وأقرت الطبقة السياسية البريطانية أخيرًا بالوقائع الجديدة، وبأن الناخبين الجدد هم من يقرر مصير المملكة المتحدة الأوروبي، وليس السياسيون أو النخب الإعلامية، انتهى 2019 إلى نهاية خيِّرة في أوروبا يعصى تخيُّلها على المتشائمين.

 

دنيس ماكشاين وزير بريطاني سابق لشؤون أوروبا وصاحب "بريكست: السبيل إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي".

© The Independent

المزيد من آراء