Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

زيلينسكي يزاحم كيسنجر مكوكيا

الرئيس الأوكراني قد يتفوق على ما أنجزه عراب الدبلوماسية الأميركي من رحلات في سنواته الذهبية

كل تفصيلة من تفاصيل رحلات زيلينسكي تجذب الاهتمام وتحرز هدفاً في مرمى الحرب الدائرة محققة نقطة إضافية لدى الرأي العام (أ ف ب)

ملخص

إن جاز التعبير فيمكن القول إن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد يتفوق مكوكياً على ما أنجزه ملك المكوكية كيسنجر وقت كان وزيراً للخارجية الأميركية بين عامي 1973 و1977 وهي السنوات الذهبية للإيقاع المكوكي في السياسة الخارجية.

آخر وربما أول سياسة مكوكية وسياسي مكوكي عرفهما التاريخ المعاصر وأدهشا سكان الأرض وأعجبا قادة دوله كانا على يد مستشار الأمن القومي الأميركي ووزير الخارجية الأيقوني الأسبق هنري كيسنجر.

وبينما يستعد كيسنجر ليطفئ شمعته الـ100 يوم 27 مايو (أيار) الجاري، ينظر إلى من يحاول منافسته ويجاهد من أجل سحب بساط المكوكية من تحت أقدامه وتسجيل رقم قياسي جديد في كتاب مكوكية الذهاب والإياب، والسفر والترحال، والاستعداد لجولة جديدة قبل أن تكون الحالية قد انتهت أو حطت رحالها أو كشفت عن نتائجها وإنجازاتها.

إن جاز التعبير

إن جاز التعبير، فيمكن القول إن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد يتفوق مكوكياً على ما أنجزه ملك المكوكية كيسنجر حين كان وزيراً للخارجية الأميركية بين عامي 1973 و1977، وهي السنوات الذهبية للإيقاع المكوكي في السياسة الخارجية.

أرشيف وزارة الخارجية الأميركية يحتوي على قسم ثري لتفاصيل وتواريخ الرحلات الخارجية التي قام بها كيسنجر في تلك السنوات. نسبة كبيرة من هذه الرحلات بدأت في اليوم الذي انتهت فيه رحلة أخرى. فعلى سبيل المثال، زار كيسنجر الاتحاد السوفياتي السابق بين 20 و22 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، ثم زيارة لإسرائيل يوم 22 ومنها إلى بريطانيا في اليوم ذاته. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1974، زار أفغانستان وإيران في اليوم نفسه. وفي اليوم التالي، كان في رومانيا، ثم يوغوسلافيا، وفي اليوم نفسه في إيطاليا والقائمة تطول.

طالت رحلات كيسنجر المكوكية ليعرف العالم في سبعينيات (وقت كان وزيراً للخارجية)، وكذلك ثمانينيات وجانب من تسعينيات القرن الماضي (وقت تقلد مناصب عدة تتعلق بالسياسة الخارجية والأمن القومي) المقصود بالمكوكية، بعيداً من مواكيك الفضاء أو حتى المواكيك التي كان يشرب فيها العرب قديماً أو مواكيك المكيال المتسعة لصاع ونصف الصاع.

الصاع صاعان

يتندر أو يتفكه أو يحلل البعض رحلات الرئيس الأوكراني المتواترة، الواقعية والافتراضية، في ضوء نظرية رد صاع الحرب والعدوان الروسي صاعين سفر وترحال وتعريف بالقضية وجذب لتعاطف الإنسانية واستمالة لرأي عام سكان الكرة الأرضية.

سكان الكرة الأرضية يتابعون هذه الأيام قدراً وافراً من الأخبار الساخنة وتطورات الأوضاع المتلاحقة في أرجاء شتى، بين انتخابات رئاسية تركية ملتهبة، وتحضير لانتخابات رئاسية أميركية مضطربة، وتحركات اقتصادية صينية غير متوقعة، وحرب أهلية سودانية متفجرة، وإعدامات إيرانية مفاجئة والقائمة طويلة وثرية. وعلى رغم تكالب الأحداث الساخنة وتنافسها على جذب انتباه الجميع، فإن زيلينسكي نجح في التسلل إلى القائمة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قائمة الحضور في القمة العربية الـ32 في جدة لا تحوي في أغلبها إلا أسماء مثل "محمد" و"محمود" و"عيسى" و"عبدالفتاح" و"أحمد" و"بشار" و"قيس" و"حمد"، إلا أن اسم "فولوديمير" يفرض نفسه فرضاً ويجذب الانتباه والاهتمام، وإن كان في قنوات تختلف عن القنوات الرئيسة التي تدور حولها القمة المحورية المفصلية.

القول الفصل في مكوكية الرئيس الأوكراني هو أنها أحد الأسلحة القليلة المتاحة له، التي تميزه أو تضعه في مكانة أعلى من قرينه اللدود الروسي فلاديمير بوتين. في البدء، أي في مستهل حرب روسيا ضد أوكرانيا، 24 فبراير (شباط) 2022، كانت مكوكية الحضور الافتراضي. في الأسابيع والأشهر الأولى لبدء المعارك، أدهش زيلينكسي العالم بظهور غير معتاد لرئيس دولة تتعرض لغزو عات وحرب مدمرة وصراع من أجل البقاء.

صفة المكوكية

بقاء زيلينسكي لأشهر طويلة حاضراً على أثر تطبيقات الاتصال عبر الإنترنت في أكبر وأهم الفعاليات الأممية والدولية اكتسب صفة المكوكية التي ذكرت الأكبر سناً بمكوكية كيسنجر غير المسبوقة، وأسعدت الأصغر سناً الذين رأوا في حضوره "الافتراضي" الطاغي بالصوت والصورة وتعبيرات الوجه و"التي شيرت الخضراء" في قاعات الاجتماعات الكبرى والصغرى تأكيداً لشعار عصرهم ومنهاج حياتهم أي الحياة على الأثير لا تقل أهمية عن الحياة في الواقع، وربما تفوقها.

تفوق زيلينسكي بعد مرور ما يقارب ثلاثة أسابيع على بدء حرب روسيا ضد أوكرانيا في إيقاع سياسته المكوكية وقدرته على الإدهاش على منافسه كيسنجر. فبعد 20 يوماً بالتمام والكمال على بدء الغزو، كان زيلينسكي يخاطب الكونغرس الأميركي عبر رابط رقمي. بعدها بأيام، كان حاضراً عبر وثائقي قصير موجه إلى هوليوود، حيث مشاهد درامية تراجيدية لأوكرانيا قبل وبعد الغزو الروسي. وفي اليوم نفسه، أطل زيلينسكي على الأميركيين من خلال رابط إلكتروني كذلك، إذ حل ضيفاً ضمن لقاء تلفزيوني.

مكوكية الزووم

مكوكية الزووم وتطبيقات الاتصال المرئي تواترت بعد ذلك لتصبح نشاطاً شبه معتاد للرئيس الأوكراني. اليوم في أميركا، وغداً في فرنسا، وبعد غد في مقر الأمم المتحدة وتوالت الجولات والمكوكية الافتراضية حتى أصبحت اعتيادية.

اعتاد المتابعون والمهتمون ظهور الرئيس الأوكراني بـ"التي شيرت الخضراء" التي تشبه ملابس الجنود في إشارة إلى حالة الحرب سواء عبر رسائل مصورة مسجلة أو مشاركة افتراضية حقيقية من العاصمة كييف، لدرجة جعلت البعض ينتقد تكرار الظهور الافتراضي بشكل أفقده عناصر الإثارة والغرابة والدهشة.

لذلك قامت رحلة زيلينسكي إلى الولايات المتحدة بمهمة إعادة إحياء الإثارة والدهشة. ففي ديسمبر (كانون الأول) 2022، أدهش الرئيس الأوكراني العالم مجدداً بزيارة حقيقية تمت عبر ركوب السيارات والطائرات إلى واشنطن. كانت هذه هي الزيارة الخارجية الأولى له منذ بدء الحرب.

حروب وصراعات

حروب عديدة وصراعات متفاقمة ومفاوضات ساخنة عديدة ضلع وزير الخارجية الأميركي السابق هنري كيسنجر في حلها أو التفاوض في شأنها على مدار سنوات بشكل مكثف ومتسارع.

مكوكية تنقلات وتحركات كيسنجر كانت مدهشة، لكنه ظل في كل رحلة، بما فيها الرحلات الملتصقة ببعضها البعض، يصل إلى مطار بسيارة، يركب طائرة، يترجل منها إلى سيارة أخرى تقله إلى وجهته بشكل سلس، حتى وإن كان متعباً ومنهكاً.

مكوكية منهكة

لكن رحلات زيلينسكي التي انتقلت من مرحلة الافتراض المكوكي إلى الواقع المكوكي أواخر 2022 ليست بهذه السهولة واليسر والسلاسة. حتى اللحظة، لا يعلم إلا أشخاص بأعينهم الكيفية التي انتقل بها الرئيس الأوكراني من بيته أو مقر الرئاسة إلى واشنطن.

نظريتان متداولتان الأولى ترجح أن يكون قد استقل قطاراً من العاصمة كييف إلى الحدود البولندية لمدة تسع ساعات، ثم استقل طائرة مروحية إلى مطار صغير ومنه إلى طائرة عسكرية أميركية نقلته إلى واشنطن. ويقال إن رحلته رافقتها مقاتلات أميركية انطلقت من بريطانيا، وأخرى استطلاعية من ألمانيا، وهو ما ظهر بعض منه على موقع "فلايت رادار" الذي يتتبع الطائرات على الإنترنت.

الاحتمال الآخر هو أن يكون زيلينكسي قد استقل القطار إلى حدود بولندا، ومنه عبر مروحية إلى جنوب هذا الجار الأوروبي لأوكرانيا، ومنها عبر طائرة عسكرية أميركية إلى ألمانيا، ثم إلى قاعدة جوية أميركية في الولايات المتحدة ومنها إلى واشنطن.

وبعد رحلة أميركا، توالت الرحلات الخارجية الحقيقية توالياً مكوكياً أيضاً. صحيح أن عدد الرحلات ليس كبيراً، لكنه متواتر وقادر على جذب الانتباه وناجح في الاحتفاظ به، لا سيما أن عنصر المفاجأة حاضر دائماً ومكون الدهشة متجدد في كل رحلة.

اهتمام يساوي 100 رحلة

في كل رحلة، يحظى زيلينسكي وتحظى كييف وتحظى القضية الأوكرانية باهتمام يساوي 100 رحلة ويزيد. فبين مخاطر التعرض للاغتيال، وسرية التحرك بدءاً من الخروج من مكان إقامته في البلاد مروراً بخط السير والإقامة والتحركات في الوجهة وانتهاء برحلة العودة، ناهيك بمجريات الرحلة وما يدور ويقال ويحدث تكتسب الرحلات صفة المكوكية من حيث الحدث والأهمية والجذب والرسالة والضغط وتشكيل الرأي العام ونوع الانطباع الذي يتركه والأهداف التي يتم تحقيقها والغايات التي يجري العمل على الوصول إليها وحجم النكاية والمكايدة والإغاظة الذي ينجم عنها ويظهر فوراً في العاصمة الروسية موسكو.

خيرسون وتركمانستان وقرغيزستان

في المقابل، فإن الرحلات الرسمية الخارجة من موسكو لا هي متواترة أو مكوكية فالخيارات محدودة والزيارات معدودة. الرئيس الروسي فلاديمير بوتين زار كازاخستان في أكتوبر الماضي، وحاول القيام بدور الوساطة بين رئيسي طاجكستان وقرغيزستان على خلفية التوترات بين البلدين، كما زار الرئيس الروسي تركمانستان، وكذلك بيلاروس وأكد لقيادتها أنه لا يسعى إلى "ابتلاع بيلاروس أو ضمها"، كما زار قيرغيزستان نهاية العام الماضي وشارك في أعمال قمة الاتحاد الاقتصادي الأوراسي.

زيارات الرئيس الروسي للخارج ربما ليست مكوكية أو متنوعة مثل نظيره الأوكراني، لكن يمكن اعتبار زياراته المتواترة لخيرسون ولوغانسك وماريوبول الأوكرانية مسرح عديد من العمليات العسكرية مكوكية بحتة. ويشار إلى أن وسائل الإعلام الروسية لم تصف هذه الرحلات بـ"الخارجية".

أما زيلينسكي فيمضي قدماً في مكوكيته التي تشير إلى تحرره النسبي من الرحلات واللقاءات والمشاركات الافتراضية عبر تطبيقات مثل "زووم".

محموم ومكوكي

فمن أميركا إلى بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا ثم السعودية حاملاً قضية بلاده معه، بات اسم الرئيس الأوكراني يذكر مرتبطاً بصفة واسم. الصفة هي "المحموم" والاسم هو المكوك. الأسبوع محموم لأن زيلينسكي ينتقل من مشارق الأرض إلى مغاربها بفوارق زمنية لا تزيد على بضع ساعات.

من السعودية وحضور لافت في أعمال القمة العربية إلى اليابان وحضور مفاجئ لقمة مجموعة السبع، إذ سبق وصوله فرض عقوبات جديدة على روسيا بهدف الحد من إمكانات تمويل حربها على أوكرانيا.

نتائج تسبقه وأخرى تنجم عنها رحلاته وقبلها ظهوره المتكرر عبر تطبيقات الاتصال الرقمي جميعها يضع اسم الرئيس الأوكراني في خانة المكوك جنباً إلى جنب مع "أبو المكوكية" هنري كيسنجر، مع اختلاف مجال المكوكية وأسبابها وأهدافها.

المؤكد أن مكوكية زيلينسكي هي جزء من تصور إعلامي وسياسي وتسويقي محكم. والمؤكد أيضاً أن صانعي التصور ومهندسي الظهورات الافتراضية وراسمي سياسات السفر والترحال يعرفون أن الدهشة عمرها قصير والمفاجأة أثرها سريع الانقشاع مهما بلغت في أولها من صدمة وأحدثت انتعاشاً واندهاشاً إيجابيين يصبان في مصلحة القضية، أي قضية لا سيما حين تكون إنسانية أو تتسم بالحاجة إلى المساندة لأغراض تتعلق بالعدل والحرية.

الوجود الجسدي

رئيس مجلس الأمن القومي والدفاع الوطني الأوكراني أوليكسي دانيلوف قال في تصريحات تلفزيونية، قبل أسبوع، إن "أشياء مهمة للغاية سيتم تحديدها هناك (في قمة السبع باليابان)، لذلك فإن الوجود الحقيقي (الجسدي) لرئيسنا مهم جداً للدفاع عن مصالحنا، وكذلك لتوضيح الحقائق وتقديم مقترحات واضحة وحجج حول الأحداث التي تجري في بلادنا".

كل تفصيلة من تفاصيل رحلات زيلينسكي تجذب الاهتمام وتحرز هدفاً في مرمى الحرب الدائرة محققة نقطة إضافية لدى الرأي العام في ما يختص بأوكرانيا. بحث عنكبوتي محموم دارت رحاه حول الطريقة والوسيلة وخط السير لرحلة الرئيس الأوكراني إلى جدة ومنها إلى هيروشيما. ووصل الأمر لدرجة أن "طائرة حكومية فرنسية" وصلت إلى "الترند" في خضم نزاعات العالم وصراعاته وقلاقله. إنها الطائرة التي أقلت زيلينسكي من بولندا إلى جدة ومنها إلى هيروشيما.

ترحيب من كيسنجر

كيسنجر نفسه قبل أيام، وصف أثناء حوار مع "إيكونيميست" الرئيس الأوكراني زيلينسكي بأنه "قائد غير عادي" و"حكيم" لأنه رحب بالجهود الدبلوماسية الصينية في أوكرانيا. ليس هذا فقط، بل قال رائد السياسة والرحلات المكوكية ثعلب السياسة الأميركية كيسنجر، إنه غير رأيه في ما يختص بعضوية أوكرانيا في حلف شمال الأطلسي "ناتو"، وأن ذلك لمصلحة أوروبا، إذ باتت كييف تمتلك أفضل الأسلحة (بفضل ما تزوده بها أوروبا) وأقل قيادة استراتيجية وخبرة في القارة العجوز.

وبرر كيسنجر ذلك بقوله إنه "في حال انتهت الحرب بخسارة روسيا –التي لم تعد تشكل تهديداً تقليدياً- سيكون لدينا روسيا غاضبة، وكذلك أوكرانيا غاضبة، لذلك من أجل أمن أوروبا، الأفضل أن تكون كييف في الناتو حيث لا يمكنها اتخاذ قرار خاص بمطالبها الإقليمية محلياً فقط". واستطرد كيسنجر قائلاً إنه لو أتيحت له فرصة التحدث مع الرئيس الروسي بوتين، فسيخبره أنه يؤيد انضمام أوكرانيا لناتو، وأن ذلك سيكون القرار الأكثر أماناً. ولم تفت على كيسنجر التلويح الصريح بأن الأوروبيين لا يريدون أن تكون أوكرانيا في الناتو، "يفضلون فقط تسليحها على أن تقوم هي بالدفاع عن نفسها".

ويبقى جزء من الدفاع التأثير على الرأي العام والمواقف السياسية للدول الكبرى والقمم الرئاسية للمجموعات الإقليمية والقرارات الأمنية والاستراتيجية للدول الأوروبية وجميعها يندرج في "برنامج الرحلة" وكل رحلة في نهج زيلينكسي المكوكي.

المزيد من تحلیل