Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأيادي الناعمة تغزو "المهن الخشنة" في مصر

يعملن في الحدادة والجزارة والتنقيب في الصحراء ومتخصصون: إحساس المسؤولية الاجتماعية يدفعهن إلى امتهانها

تعمل تقوى الحلواني في مهنة الجزارة منذ أكثر من 30 عاماً (اندبندنت عربية)

ملخص

مصريات يعملن في مهن رجال مثل الحدادة والجزارة والتنقيب في الصحراء... فما قصتهن؟

داخل ورشة لا تتجاوز مساحتها بضعة أمتار في مركز المنصورة بمحافظة الدقهلية (شمال القاهرة)، وبجسد لا تفارقه آثار الحريق نتيجة تطاير ألسنة النيران، ووجه يكسوه السواد بسبب الفحم الذي يملأ الأرجاء، تمارس بوسي سعد عملها في مهنة الحدادة، التي ورثتها عن أبيها، وهي في عمر السابعة.

"الحياة لم تمنحني خياراً آخر"

بإصرار وتحد تغلبت، ابنة الـ33 ربيعاً، على القيود المجتمعية المتعارف عليها في المجتمع المصري أو بالأحرى العربي، فامتهنت مهنة عرفت بأنها "للرجال فقط"، لكنها أكدت فيها جدارتها.

تقول الفتاة الثلاثينية، التي تذهب إلى الورشة يومياً وتعمل ما يقرب من 13 ساعة، "أعلم أن المهنة صعبة وشاقة، لكن الحياة لم تمنحني خياراً آخر، أقطع الحديد وأسخنه وأعيد تشكيله أمام النيران المنصهرة، وأطرق عليه بشاكوش ثقيل الوزن".

 

أكثر من 26 عاماً قضتها بوسي، في تلك المهنة الشاقة لمساعدة والدها في نفقات وأعباء المعيشة لتربية أشقائها، البالغ عددهم 11 شخصاً، لكنها لم تعبأ بنظرات من حولها أو سخرية البعض من وظيفتها، "أعلم أنها مهنة الذكور، لكني حريصة على استكمال مشوار والدي بعد وفاته، لم أكمل تعليمي، وتزوجت أحد أقاربي، وأنجبت أربعة أولاد، وتربيتهم جعلت المجهود مضاعفاً لمساعدة زوجي في نفقات المعيشة".

تجربة بوسي، واحدة من بين تجارب عدة، لمصريات قررن كسر التابوهات والقيود المجتمعية وتحدي الأعراف والتقاليد من أجل إثبات جدارتهن ومنافستهن للرجال في مهن عرفت طوال عقود ماضية بأنها "ذكورية" وكانت حكراً عليهم فقط.

الحفر في الصحراء

ومن أمام نيران الحديد وورشة بوسي إلى لهيب الشمس الحارقة في صحراء مصر، حيث سارة فخري التي قررت أن تلتحق بوظيفة الحفر والتنقيب عن البترول، الشغف بالالتحاق بوظيفة الحفر والتنقيب عن البترول ظل حلماً يراودها طوال حياتها، "حلمي لم يكن مفروشاً بالورود الرحلة مليئة بالتحديات، ومن بين تلك اللحظات الصعبة حينما قررت الالتحاق بقسم الجيولوجيا على رغم نصائح البعض بعدم اتخاذ تلك الخطوة، كون هذا القسم يـعرف بأنه للرجال فقط، ولا يضمن وظائف في المستقبل، إلا أنني استكملت طريقي، وأصبحت من أوائل الدفعة في الكلية، ما جعلني أفوز بمنحة الأمل للمتفوقين واختياري من بين 40 طالباً وطالبة للتدريب على وظيفة جيولوجية للالتحاق بإحدى شركات البترول الخاصة".

قصة سارة تتشابه مع فيلم "للرجال فقط" الذي أنتجته السينما المصرية في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1964، والذي يحكي قصة مهندستين (سعاد حسني ونادية لطفي) في الكيمياء، عينتا في شركة بترول في "القاهرة"، لكنهما كانتا ترغبان في العمل بالصحراء، في حين أن الشركة لا ترسل سوى الرجال فقط، فقررتا التنكر في ملابس رجلين.

واختيرت سارة ضمن 100 سيدة رائدة في مجالات العلوم والتكنولوجيا في منحة من السفارة الأميركية بالقاهرة لتمثل مصر ضمن 21 دولة من قارتي آسيا وأفريقيا لبرنامج "سيدات التكنولوجيا" التابع لوزارة الخارجية الأميركية، وتأهلت ضمن فريق يضم أفضل ست فرق على مستوى العالم، بعد الفوز بالمرحلة الثانية من مسابقة الجمعية الأوروبية لعلماء ومهندسي الجيولوجيا.

 

وعلى عكس المعتاد، كانت أسرة "سارة" داعمة ومحفزة لها في بداية رحلتها المهنية لتحقيق ما تصبو إليه، "كنت أسافر رحلات لمسافات طويلة للصحراء في الوقت الذي لا يسمح فيه لزميلاتي من أسرهن بذلك".

اللحظة الأصعب التي عاشتها الجيولوجية المصرية، تجلت حينما رفضت شركة بترول توظيفها بزعم أن الوظيفة للرجال فقط، ولا يسمح للنساء بالعمل فيها، وكان مبرر ذلك أن الرجال يتشاركون المبيت في عربات صفيح سوياً طوال أيام المأمورية، بالتالي لا يصح أن تشاركهم سيدة المكان نفسه، علاوة على الخوف من عوامل الأمان والسلامة كون أن العمل في مناطق نائية في الصحراء، وهو ما سبب لها شعوراً بالصدمة.

والتحقت بإحدى الشركات الخاصة بعد إجراء اختبارات لها، وأثبتت جدارتها لتعين جيولوجية تقوم باتخاذ قرارات بتحديد مواقع الحفر ومواعيد إنهاء نقاط الحفر ووصف وتحليل العينات، ثم تدرجت لتصبح نائب مدير الاستكشاف في إحدى شركات البترول الخاصة، وتكون أصغر من يشغل المنصب الذي يتطلب خبرة لا تقل عن 15 عاماً.

لم تخف سارة إعجابها بثناء المحيطين فيها بالعمل، "من أسعد لحظات حياتي حينما أسمع جملة (هايل يا باشمهندس)"، مضيفة أن حياتها الشخصية تأثرت كثيراً بسبب مهنتها والسفر إلى أماكن نائية لفترات طويلة، "فشلت تجارب ارتباطي للزواج، بسبب اعتراض من تقدموا إلي، لكني  أصريت على استكمال حلمي".

"الشقيانة كسبانة"

وفي حي إمبابة بمحافظة الجيزة، حيث تعيش تقوى الحلواني، التي تعمل في مهنة الجزارة منذ أكثر من 30 عاماً. تذهب السيدة المصرية يومياً إلى منطقة المنصورية، لشراء كل مستلزماتها من اللحوم، وعرض تلك المنتجات على طاولة جهزتها خصيصاً في الشارع، لبيعها للزبائن بعد تقطيعها وتغليفها، مشيرة إلى أن حكمتها في الحياة "الشقيانة كسبانة".

على رغم حصولها على شهادة بكالوريوس تجارة، وإتقانها اللغتين (الإنجليزية والفرنسية)، وعملها في عدد من الشركات الخاصة في مجال المقاولات والاستيراد والتصدير سنوات عدة، فإن تقوى (57  سنة)  ضحت بما حققته في مجالها التعليمي والمهني، من أجل العمل في تلك المهنة والسير على درب أسرتها، للإنفاق على أبنائها الثلاثة "باحب مهنة الجزارة ووجدت نفسي فيها، لأنها مهنة أسرتي التي ورثتها منهم".

 

"الشغل مش (ليس) عيب"، شعار رفعته تقوى في مواجهة الأصوات التي حاولت إبعادها من استكمال مشوارها في تلك المهنة. فلا تلتفت إلى تنمر وسخرية المارة أثناء عملها "العمل في الشارع مرهق وليس سهلاً، والمكسب يتفاوت يوماً عن الآخر، وفي أحيان كثيرة تفسد البضاعة بسبب التبريد واختلاف درجات الحرارة".

وطالبت اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، التي اعتمدتها الجمعية العمومية للأمم المتحدة عام 1979، بأن تتخذ الدول جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في ميدان العمل لكي تكفل لها، على أساس المساواة بين الرجل والمرأة، الحقوق نفسها، لا سيما أن الحق في العمل حق ثابت لجميع البشر، والحق في التمتع بفرص العمالة نفسها.

المسؤولية المجتمعية

وفي هذا الصدد، تقول عضو المجلس القومي المصري للمرأة رانيا يحيى، "لم يعد هناك حواجز أو تمييز بين المرأة والرجل في العمل، أصبحت المرأة تنافس الرجل في مختلف المجالات سواء المهن الشاقة أو على المستوى الإداري، فلم تعد هناك مهن للذكور فقط والحاجز الزجاجي بين المرأة والرجل انكسر".

وتضيف عضو المجلس القومي للمرأة لـ"اندبندنت عربية"، "المرأة المصرية في العصور والحضارات القديمة كانت تقوم بأغلب الأعمال والمهن الشاقة من بينها الزراعة على سبيل المثال، لكن تضاءل ذلك نسبياً، بعد أن باتت الغالبية العظمى من النساء يكتفين برعاية الأبناء إلى جانب لجوء بعضهن للمهن والأعمال الإدارية". مشددة على أن إحساس المسؤولية المجتمعية هو ما دفع المرأة المصرية إلى اقتحام تلك المجالات الشاقة، مثل الحدادة والنجارة والحلاقة ومبيض محارة والجزارة وورش السيارات.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات