Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مخاوف من تحويل تونس لحارس أوروبي لصد المهاجرين

مراقبون: إيطاليا تستغل الوضع الاقتصادي المتأزم للبلاد للضغط في ملف الهجرة

المهاجرون الأفارقة في تونس أمام خيارين أحلاهما مر إما ركوب قوارب الموت أو مواجهة واقع مرير بالبلاد (أ ف ب)

تقف تونس في وضع لا تحسد عليه بمواجهة واحدة من كبرى موجات الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، بعد أن لفظ البحر المتوسط جثث تسعة مهاجرين لقوا حتفهم جراء الجوع والعطش في ولاية القصرين المتاخمة للحدود الجزائرية، ما دفع السلطات القضائية للتعهد بفتح تحقيق في الحادثة.

وتزامناً مع الإعلان عن المهاجرين الموتى، كشف المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وهو منظمة غير حكومية تهتم بالهجرة وقضايا أخرى، أن هؤلاء المهاجرين توفوا بسبب الجوع والعطش والإرهاق، مديناً ما سماه "الصمت الرسمي تجاه التطبيع مع الموت براً وبحراً ومآسي الهجرة وعسكرة السواحل التونسية"، فيما تشن السلطات حملة أمنية قوية لترحيل المهاجرين غير النظاميين.

وتشهد السواحل التونسية باستمرار غرق قوارب للمهاجرين غير النظاميين، فيما بات البحر المتوسط، أخيراً، يلفظ جثث هؤلاء، وهو ما جعل أوساطاً سياسية ومنظمات يحذرون من تداعيات ذلك، خصوصاً في ظل غياب سياسات بديلة للمقاربات الأمنية التي تمت المراهنة عليها طيلة السنوات الماضية.

لا مأوى ولا مساعدات

تشهد الحدود الجزائرية- التونسية على مستوى ولايتي الكاف (شمال غرب) والقصرين (غرب)، توافد أعداد كبيرة من المهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء الذين يغريهم طموح العبور إلى الضفة الأخرى من المتوسط، وينتهي المطاف بكثيرين منهم غرقى في عرض البحر أو باعتراضهم من قبل الأمن في تونس.

وشددت تونس حملاتها للحد من توافد المهاجرين غير النظاميين، منذ أن أدلى الرئيس قيس سعيد بخطاب دعا فيه إلى التصدي لهؤلاء، وتحدث عن "ترتيب إجرامي" لتغيير التركيبة الديموغرافية لبلاده، وهو خطاب أثار جدلاً حقوقياً وسياسياً وتنديدات خارجية وضعته تحت ضغط كبير.

وقال رئيس المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية عبدالرحمن الهذلي، إن "حالات الضياع والجوع والبرد التي عاناها المهاجرون هي التي أدت إلى وفاتهم، في ظل غياب مراكز للإيواء"، مطالباً "بتوفير حلول مستعجلة وإنسانية لهم، ففي ولايات مثل القصرين لم يجد المهاجرون لا مأوى ولا حداً أدنى من المساعدة، والحقيقة الحادثة أليمة أن يموت بشر جوعاً وعطشاً".

وحول ما إذا كانت المنظمات الحقوقية ستقترح حلولاً على السلطات التونسية، أوضح الهذلي لـ"اندبندنت عربية" أنه "لا يوجد أي تواصل بيننا كمنظمات في المجتمع المدني والسلطات من أجل اقتراح حلول مستعجلة على الأقل لوضعية المهاجرين الذين في نهاية المطاف حلت بهم الكارثة في الأراضي التونسية".

ولفت إلى أن "الحلول المستعجلة قد تتمثل في إنشاء منظومة استقبال وتوجيه لتقديم المساعدة الإنسانية للمهاجرين، وهذا ما أكدنا عليه في بيان سابق لنا".

وقبل أيام، أعلنت السلطات التونسية إنقاذ واعتراض 14 ألفاً و406 مهاجرين غير نظاميين، بينهم 13 ألفاً و138 أفريقياً والباقون تونسيون، خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي وهو رقم كبير دفع السلطات الإيطالية إلى التحرك لتكثيف التنسيق مع نظيرتها التونسية.

وتسود في تونس مخاوف متنامية من أزمة إنسانية، لا سيما في ظل ما تشهده محافظة صفاقس التي تملك أطول شريط ساحلي في البلاد يقدر بـ225 كيلومتراً، من تكدس لجثث المهاجرين الذين غرقوا في عرض البحر.

تنسيق مع إيطاليا

حادثة غرق تسعة تأتي بعد أيام قليلة على زيارة وزير الداخلية الإيطالي ماتيو بيانتيدوزي إلى تونس ولقائه رئيسها قيس سعيد وعدداً من المسؤولين، مشيداً بما تبذله السلطات من جهود للحد من الهجرة غير النظامية.

خلال اللقاء الذي عقد في قصر قرطاج، قال الرئيس التونسي إنه "لا يمكن معالجة هذه الظاهرة وفق مقاربة أمنية فقط بعد أن أثبتت التجربة محدوديتها"، مقترحاً "عقد اجتماع دولي في أقرب الآجال على مستوى رؤساء الدول والحكومات أو على مستوى وزراء الداخلية تشارك فيه كل الدول المعنية بما في ذلك الدول التي يتدفق منها هؤلاء المهاجرون حتى يتم الاتفاق على صيغ تعاون تقضي على أسبابها".

لكن أوساطاً حقوقية وسياسية تونسية لا تزال ترى أن الاتحاد الأوروبي وإيطاليا يضغطان على بلادهم من أجل صد المهاجرين من خلال مقاربة أمنية تتمثل في اعتراضهم في البحر وإعادتهم إلى دولهم التي تشهد أزمات أمنية واقتصادية.

وقال الناشط السياسي التونسي والنائب البرلماني السابق المهتم بقضية الهجرة مجدي الكرباعي، إن "حوادث الموت التي راح ضحيتها مهاجرون قبالة سواحلنا فيها حالات مريبة وتستدعي فتح تحقيق بشكل عاجل، خصوصاً أن الحادثة الأخيرة شهدت أيضاً العثور على مهاجر متوفى في بئر عمقها ثمانية أمتار".

وتابع الكرباعي في تصريح خاص، أن "خطاب الكراهية الذي توجه به رئيس الجمهورية تجاه المهاجرين في وقت سابق أصبح يشكل غطاء، سواء لمجموعات ما أو للأمن من أجل التعدي على حقوقهم وحتى الاعتداء عليهم سواء في البحر أو في البلاد وهو ما يضع نظرية تونس بلد آمن للمهاجرين على المحك".

وترفض السلطات التونسية باستمرار البيانات الخارجية والانتقادات المرتبطة بتعرض مهاجرين إلى مضايقات، سواء من الأمن أو غيره، لكن البلاد شهدت موجة من الإيقافات من أجل إعادة المهاجرين غير النظاميين إلى دولهم، قوبلت بارتياح إيطالي، إذ يعني ذلك تخفيف الأعباء عن روما أمنياً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقال مجدي الكرباعي، إن "زيارة وزير الداخلية بيانتيدوزي كانت لوضع اللمسات الأخيرة فيما يخص برنامج روما لجعل تونس منطقة حدودية متقدمة من خلال تنسيق أمني ومراقبة مشتركة على الحدود وتسهيل العودة الطوعية لمهاجرين من جنوب الصحراء إلى دولهم، وهو أمر كانت تقوم به إيطاليا على أراضيها تريده اليوم يتم في تونس".

وشدد الكرباعي على أن "هدف حكومة روما ورئيستها جورجيا ميلوني أساساً جعل تونس منصة يتم ترحيل المهاجرين منها، ونقل زير الداخلية الإيطالي هذه المسألة للسلطات التونسية مقابل وعود بتوفير الإمكانات لخفر السواحل للقيام بالمهمة".

وأضاف "تونس أصبحت حالياً نقطة حدودية مباشرة مع أوروبا من خلال منع الناس من أن تدخل القارة العجوز، وترحل المهاجرين أو توفر لهم العودة الطوعية بالتالي هناك تحول في مواجهة الهجرة غير الشرعية".

استغلال الوضع الاقتصادي

ولا تتردد إيطاليا في التحرك على أكثر من صعيد من أجل دعم تونس اقتصادياً، خصوصاً في ظل المفاوضات العسيرة والمتعثرة مع صندوق النقد الدولي من أجل الحصول على تمويل جديد يقدر بـ1.9 مليار دولار، بينما تئن البلاد تحت وطأة واحدة من أسوأ أزماتها الاقتصادية.

وكان نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الإيطالي، أنطونيو تاياني، قد قال في أبريل (نيسان) الماضي، إن حكومة بلاده "تدفع نحو حل جيد بين صندوق النقد الدولي وتونس لإنقاذ اقتصاد الأخيرة العليل".

وهنا يعلق عبدالرحمن الهذلي بقوله إن "إيطاليا بصدد استغلال الوضع الاقتصادي المتأزم في تونس من أجل الضغط عليها لإعادة المهاجرين والتصدي لهم في عرض البحر". وتابع "الحقيقة أن تونس لم تتحول بعد إلى حرس سواحل للأوروبيين لكن بهذه الإجراءات فإن روما تسعى إلى تحويلها إلى ذلك من خلال الترحيل وغير ذلك".

وفي ظل غياب أي ردود فعل دولية على اقتراح الرئيس التونسي عقد اجتماع دولي لحل أزمة الهجرة من جذورها من خلال معالجة الأسباب الحقيقية التي تقود إلى هذه الموجات الكبيرة، فإنه من غير الواضح ما إذا ستفلح سلطات بلاده في إقناع الأوروبيين بتبني مقاربة جديدة لحل هذه المعضلة.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات