Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل بإمكان الأحزاب الوليدة في السودان علاج الأزمة المزمنة؟

محللون: "لا تصلح للمرحلة الراهنة بعد مشاركة بعضها بالحكومة الانتقالية الأولى الموصومة بالفشل"

دخان يتصاعد خلال القتال في العاصمة السودانية الخرطوم 3 مايو 2023 (أ ف ب)

ظل ضمور دور الأحزاب السياسية السودانية في التحول الديمقراطي محل جدل تاريخي، مصطحباً المشكلات البنيوية التي رافقتها منذ نشأتها الأولى وأثرت في ممارستها السياسية حاكمة كانت أو معارضة، فكيف تسهم الأحزاب الحديثة النشأة والأفكار في إصلاح الحياة السياسية في السودان؟

واجهت الأحزاب التقليدية، التي تحقق على يدها الاستقلال خلال فترة الحكم الوطني الأول 1953، اتهاماً بغياب المشروع الوطني المتوافق عليه طوال المراحل التي أعقبت ثورات وانتفاضات منذ أكتوبر (تشرين الأول) 1964 وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2019، مروراً بانتفاضة أبريل (نيسان)1985  التي أطاحت الرئيس جعفر نميري.

 انعكست الخلافات الحزبية منذ لحظة تشكيل أول حكومة وطنية عام 1953 في أزمة سياسية ممتدة ومتجذرة، وجسد الصراع الحزبي الصفري بين قوى اليسار واليمين جوهر الأزمة، مما أعاق أي توافق بينها بشكل عطل إنجاز تحول ديمقراطي حقيقي في السودان.

أحزاب حديثة

في سياق تنامي الوعي السياسي الباحث عن الخروج من حال الصراع وعدم الاستقرار نحو نظام ديمقراطي قابل للحياة والاستدامة بعد نحو 37 عاماً من الاستقلال، بدأ بروز عدد من الأحزاب الحديثة تستلهم الدروس والأخطاء التي ظلت تعيد إنتاج الأزمات السياسية الوطنية، ومنها حزبا "المؤتمر السوداني" و"البعث العربي الاشتراكي".

شهد يناير (كانون الثاني) 1986 ميلاد وتأسيس حزب "المؤتمر السوداني" على يد رئيس القضاء الأسبق عبدالمجيد إمام قبل أن تنتقل رئاسة الحزب بعد وفاته إلى إبراهيم الشيخ، الذي خلفه لاحقاً في 2016 الرئيس الحالي للحزب المهندس عمر يوسف الدقير.

وجد الحزب منذ ميلاده التفافاً كبيراً من الشباب وطلاب الجامعات الذين ضجروا من هيمنة حزبي "الأمة" و"الاتحادي الديمقراطي" التاريخيين التقليديين اللذين ترتكز قواعدهما الجماهيرية على طائفتي الأنصار والخامسة الدينيتين، مما جعل أبرز سمات القاعدة الجماهيرية لحزب "المؤتمر السوداني" من فصيلة الشباب المتعلم الذي جذبته حزمة أفكار وأطروحات الحزب المستمدة من واقع الخصوصية السودانية، وفق وثائق ومنشورات الحزب.

إعادة صياغة

وينادي "المؤتمر السوداني" بضرورة إعادة صياغة شروط التعاقد الاجتماعي للدولة السودانية وتعزيز مقتضيات الديمقراطية التعددية ولامركزية الحكم والإدارة، كما يعترف ضمن نظامه الأساسي وبرنامجه بالتمييز الإيجابي والعلمانية، وينادي بتنمية الهامش، ويقر مبدأ الفصل بين السلطات، وبدور البرلمان في مراقبة الجهاز التنفيذي، ويعتبر أن الانتخابات هي الوسيلة الوحيدة لانتقال السلطة.

في المجال الاقتصادي يطرح الحزب مفهوماً شاملاً يقوم على الاقتصاد التعاوني، ويعتبره أنسب الأطروحات التي يمكن تسهم في دفع عجلة الاقتصاد بالبلاد، بوصفه نظاماً ملائماً وجزءاً من إرث وجذور الثقافة السودانية المتمثلة في التآزر والتكافل بالمشاركة في حل المعضلات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي شأن رؤية الحزب على مستوى العلاقات الخارجية فإنه يرفض التدخل في شؤون الدول الأخرى، وهو بذلك لا يسمح بالتدخل الأجنبي في الشأن الداخلي السوداني، لكنه ينشد سياسة حسن الجوار، ويشدد على أن تقوم السياسة الخارجية للبلاد على أساس المصالح المشتركة واحترام السيادة الوطنية.

إلى جانب معارضته المزعجة لحكم البشير وتعرضه للملاحقات والاعتقالات، لعب الحزب لاحقاً دوراً بارزاً ضمن تحالف "قوى الحرية والتغيير" الذي قاد الاحتجاجات ضد نظام البشير في أبريل 2019.

لكن الحزب لم يسلم من داء الخلافات الموروث نفسه، خصوصاً بعد قرار مجلسه المركزي قبل أشهر قليلة حل الأمانة العامة وتجميد عضوية عدد من القياديين، وهو ما وصف بأنه صراع بين تيارات الشباب وكبار القادة حول التنافس الانتخابي، فضلاً عن تبيانات داخلية حول الموقف من الاتفاق الإطاري.

ووصف بيان لرئيس المجلس المركزي للحزب عبدالقيوم عوض السيد، ما يحدث داخله بأنه "تحديات ظل يواجهها باستمرار"، مؤكداً "تمسكه وتصميمه على الالتزام الديمقراطي والمؤسسي"، ومشيراً إلى "الإشاعات" التي تستهدف الحزب.

تصدعات البعث

من جهة أخرى ضربت التصدعات حزب البعث العربي الاشتراكي فانقسم إلى أربعة أحزاب، هي البعث العربي الاشتراكي برئاسة التيجاني مصطفى، والبعث العربي الاشتراكي الأصل الذي يترأسه علي الريح السنهوري، والبعث السوداني بقيادة يحيى الحسين، والبعث القومي ورئيسه كمال بولاد.

تحمل الأحزاب الأربعة تاريخ وملامح وأفكار الحزب الأم نفسها، من حيث شعارات الحرية والاشتراكية والوحدة بين الدول العربية، وتتقارب هذه الأحزاب إجمالاً مع أحزاب اليسار بشكل عام، سيما الحزب الشيوعي.

رئيس حزب البعث العربي الاشتراكي التيجاني مصطفى أرجع انشقاقات الحزب في السودان إلى خلافات القيادة القطرية في سوريا، ويشدد على ضرورة أن تبحث جميع القوى السياسية السودانية عن مخرج عبر مشروع وطني ينقذ البلاد من حال التشظي الراهنة، مشيراً إلى أن الإخفاقات التي لازمت الفترة الانتقالية باتت توفر مبررات لأعداء ثورة ديسمبر لإسقاط الديمقراطية الوليدة، فضلاً عن وجود قوى داخلية وخارجية تستهدف وحدة الدولة السودانية.

في السياق يعتبر المحلل السياسي أحمد زهير أن تنامي الوعي وتراكم أخطاء الأحزاب التقليدية وإدمانها الفشل في إيجاد حلول لأزمة البلد السياسية كان ضمن محفزات بروز رؤى وعناوين سياسية تتبنى الروح الجديدة وسط الشباب والمثقفين، وقد كان ميلاد كيان "المؤتمر السوداني" كحزب ناهض حقق جماهيرية ومكانة ووجوداً فاعلاً على الساحة العامة اكتسبها من معارضته الصلبة لنظام البشير.

لكن زهير يوضح أن رؤى كل من حزب "المؤتمر السوداني" ومجموعة أخرى من القوى السياسية الحديثة قد لا تصلح للمرحلة الراهنة، بخاصة بعد مشاركة بعضها في سلطة الحكومة الانتقالية الأولى الموصومة بالفشل قبل أن يطيحها الجيش في الـ25 من أكتوبر.

واعتبر أن كثيراً من الأحزاب التي تتدثر بعباءة الحداثة كـ"المؤتمر السوداني" و"البعث" بأقسامه المختلفة قد ارتكزت وتبنت فلسفة تقوم على المعارضة المحضة وتجاهلت رؤية الحكم، وهو ما ينطبق على أحزاب أخرى كالحزب الشيوعي.

وأوضح أن نظام البشير أسهم خلال 30 عاماً في إضعاف وتفتيت كل المنظومة الحزبية، مستغلاً تطلعها إلى السلطة وتضعضعها الداخلي، مما يجعلها تتهيب أي حديث عن انتخابات مبكرة لحسم الشرعية في الوقت الراهن.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير