Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تاريخ أحزاب السودان... تحالفات الأعداء وانشقاقات الأصدقاء

نشأ "الإخوان المسلمون" في أربعينيات القرن الماضي متأثراً بالجماعة التي أسسها حسن البنا بمصر

بعد استقلال السودان كانت الانشقاقات هي عنوان سعي الأحزاب السودانية من دون استثناء في إطار البحث عن السلطة

ساد بين صفوف الحركة الوطنية السودانية منذ منتصف أربعينيات القرن الماضي نشاط سياسي مغاير لما كانت عليه قبل تلك الحقبة وإن تساوت جميع القوى في مناهضة الاستعمار البريطاني.

في تلك الفترة نشأت الأحزاب السياسية السودانية بشكلها الحديث، أثرت في الساحة السياسية وتأثرت بالأحداث من حولها وبرزت كأحزاب تقليدية راديكالية تواءمت ضد الاستعمار.

لكن بعد الاستقلال كانت الانشقاقات هي عنوان سعيها من دون استثناء إلى البحث عن السلطة، يتمسك بعضها على رغم شعاراته الديمقراطية بأهداب النظم السياسية القائمة بما فيها الانقلابية.

صبغة طائفية

تأسس حزب "الأمة" في البداية تقليدياً عقائدياً على فكرة "المهدية" المبنية على الاستقطاب الأيديولوجي بضرورة اتباع كيان "الأنصار" المؤمنين بالدعوة المهدية وأولئك المستقطبين بالمال، أو خوفاً من البطش، نهج الإمام محمد أحمد المهدي قائد الثورة المهدية عقب الغزو التركي- المصري بقيادة محمد علي باشا.

وأدخل الإمام المهدي الدين كأداة لمقاومة الاستعمار عبر جهاده خلال الفترة من 1843 إلى 1885، أما سياسياً، فأسسه الإمام عبدالرحمن المهدي في فبراير (شباط) 1945، محافظاً على صبغته الطائفية وعمل مع مكونات سياسية أخرى تنادي بالاستقلال عن دولتي الحكم الثنائي بريطانيا ومصر.

لا يزال حزب "الأمة" القومي يمارس نشاطه السياسي من تصور أنه حزب "الدولة المهدية" التي تأسست في الفترة من 1882 إلى 1898، ففي كتاب كيم سيرسي الذي ترجمه بدر الدين الهاشمي ذكر المؤلف أن أنصار المهدي "صاغوا دعوة سلطتهم أساساً عن طريق استخدام الرموز وعروض الاحتفالات المأخوذة من جماعات الطرق الصوفية، وكذلك من سلطنتين إسلاميتين سابقتين هما سلطنة الفونج وسلطنة الفور".

وأكد سيرسي التأثير الكبير للثقافة الصوفية في مشروع "المهدية"، وعلى رغم محاولات زعيم الحزب السابق الصادق المهدي المحافظة على الأداء السياسي بعيداً من تصورات التابعين "الأنصار"، إلا أنه لم يستطع تصفية الحزب تماماً منها، فقد ظل يسيطر الخيال الشعبي وتؤمن جموع غفيرة من الأنصار بما كان يزعمه جده المهدي وخليفته عبدالله التعايشي من رؤى منامية للنبي محمد أو "هواتف" يستقبلها يقظاً تأمره بإدارة الدولة على نحو معين، ولكل هذا لم يخرج الحزب من الإطار العائلي واعتمد على التوريث وتنصيب الأقارب والأصهار على قيادة الحزب.

توريث "الأمة"

تزعم الصادق المهدي الحزب منذ وفاة والده الصديق المهدي عام 1961، وحتى وفاته عام 2020، كما تولى إمامة كيان "الأنصار" وقيادة الجبهة القومية المتحدة، وانتخب رئيساً لوزراء السودان بين عامي 1966 و1967 وعامي 1986 و1989.

بعد وفاة الصادق المهدي، تسلم نائبه فضل الله برمة ناصر رئاسة الحزب، بينما خلفه في قيادة كيان "الأنصار" عبدالمحمود أبو. وظلت ابنته مريم نائبته ضمن خمسة نواب آخرين من بينهم ناصر، لكن خلافات في الحزب حول محاولات التوريث والتفضيل بينها وإخوتها حالت دون تسلمها رئاسة الحزب.

 

 

في كتابها "الاختراق والانسلاخ في حزب الأمة 2001- 2002" ذكرت رباح الصادق المهدي أن "أول انقسام خطر حدث في الحزب كان عام 1966 حين وقع خلاف بين رئيس الوزراء محمد أحمد المحجوب رئيس الحكومة الائتلافية (حزب الأمة والوطني الاتحادي) والهيئة البرلمانية لحزب الأمة، نتج منه استقطاب حاد ما أدى إلى انشقاق الحزب إلى جناحين، جناح الهادي المهدي عم الصادق، وجناح الصادق".

كما انشق الحزب مرة أخرى بتأسيس مبارك الفاضل المهدي "حزب الأمة الإصلاح والتجديد" عام 2002، ثم عاد للحزب الرئيس عام 2010، ثم انسحب منه مرة أخرى ووصلت الانقسامات إلى ستة كيانات عن الحزب منها "حزب الأمة الفيدرالي".

نواة "الاتحادي"

 كانت نواة "الحزب الاتحادي الديمقراطي" في منتصف عام 1944، عندما أنشأ إسماعيل الأزهري حزب "الأشقاء" الذي كان يهدف إلى شكل من أشكال الوحدة مع مصر كوسيلة لإنهاء الحكم الثنائي (المصري - البريطاني) وطرح شعار "وحدة وادي النيل" التي فضلت عدم التدخل المباشر في العمل السياسي.

وفي مرحلة الحكم الذاتي في بداية خمسينيات القرن الماضي اندمج الحزب مع الجماعات التي كانت تدعو إلى "وحدة وادي النيل" وكان يهدف إلى الاستقلال أو الاتحاد مع مصر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

خرجت طائفة الختمية من الحزب عام 1957 وأسست حزب الشعب الديمقراطي، ثم توحدت مرة أخرى تحت "الحزب الاتحادي الديمقراطي" من اتحاد "الحزب الوطني الاتحادي" برئاسة إسماعيل الأزهري أول رئيس وزراء لجمهورية السودان بعد الاستقلال عام 1956، ورئيس السودان من عام 1965 حتى أطاحه جعفر النميري عام 1969، وحزب "الشعب الديمقراطي" برئاسة الشيخ علي عبدالرحمن.

بعد الاستقلال انغمس الحزب في الصراع على السلطة مع بقية الأحزاب الأخرى واندمج مع أحزاب اتحادية عام 1967. ومثل حزب الأمة، تسيطر عائلة الميرغني على الحزب الذي يرأسه محمد عثمان الميرغني مرشد الطريقة الختمية الصوفية عبر هيئة للقيادة تضم في عضويتها نواب الرئيس وفي مقدمتهم نائبه ابنه جعفر الصادق.

وكان الميرغني رئيس التجمع الوطني الديمقراطي المعارض الذي نشط بعد انقلاب حكومة "الإنقاذ" عام 1989 وضم تحت لوائه 11 تنظيماً وحزباً سياسياً سودانياً من بينها "الحركة الشعبية لتحرير السودان" و"الحزب الشيوعي السوداني"، وعاد مع بقية الأحزاب للعمل السياسي داخل السودان بعد توقيع اتفاق القاهرة مع الحكومة السودانية برعاية مصرية عام 2005.

انشق عنه "الحزب الاتحادي الديمقراطي المسجل" وترأسه الشريف زين العابدين الهندي، كما انقسم الحزب الآن إلى أجنحة عدة منها "الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل" والحزب الاتحادي الديمقراطي- القيادة الجماعية" و"التجمع الاتحادي المعارض".

أنشطة "الإخوان"

نشأت جماعة "الإخوان المسلمين" بالسودان في أربعينيات القرن الماضي متأثرة بالجماعة التي أسسها حسن البنا في مصر، ومع أنها تقف على الطرف الراديكالي الآخر منافسة للحزب الشيوعي السوداني، فإنهما وقفا معاً ضد حزبي "الأمة" و"الاتحادي الديمقراطي". استبعد الاستعمار البريطاني "الإخوان" و"الشيوعي" من العمل السياسي واقترب من الحزبين التقليديين "الأمة" و"الاتحادي الديمقراطي"، ثم اعترف بهما بعد الاستقلال.

اتخذت الجماعة نهجاً تنظيمياً اخترق المجتمع السوداني، خصوصاً الطلاب، وظهرت بتسميات عدة هي "جبهة الدستور الإسلامي" و"جبهة الميثاق الإسلامي" و"الجبهة الإسلامية القومية"، وصولاً إلى "المؤتمر الوطني"، ثم انشق "المؤتمر الشعبي" عنها وبعد ذلك تيارات عدة منها حركة "الإصلاح الآن".  

اعترضت بعض قيادات "الإخوان" التي كانت تصر على المضي في تنفيذ أفكار حسن البنا، على الأنشطة التي تبناها حسن الترابي في طريق "إرساء قواعد الإسلام السياسي"، فحدث الانشقاق الأول عقب مؤتمرها العام في فبراير (شباط) 1969.

واصل الترابي مسيرته ورأوه مصراً على "الخروج من حيز الالتزام بالنهج الإسلامي المستمد من أصول الدين إلى منحى المصالح والكسب السياسي الذي لا يتوخى في الحصول عليه ضوابط القيم وكوابح المثل العليا"، بينما مضت المجموعة في خط الحركة الأول المتبني لأفكار حسن البنا.

 

 

عارض الترابي نظام جعفر النميري ثم تحالف معه وفرضا "قوانين سبتمبر" (أيلول) 1983، ووقف مع النميري الذي أعلن أنه إمام المسلمين، ثم اندلعت الانتفاضة الشعبية عام 1985، وصعد الإخوان المسلمون إلى الحكم بعد إطاحة حكومة الصادق المهدي المنتخبة عام 1989 وفرض الترابي الإسلام السياسي مستفيداً من عجز الأحزاب.

في رمضان عام 1999 كانت "المفاصلة" الشهيرة التي أسس بعدها حزب "المؤتمر الشعبي"، وبعد تسلم حزبه الحكم وحتى وفاته اعتقل مرات عدة منها اتهامه بمحاولة الانقلاب على البشير.

وطوال حكم البشير عمل النظام على "سياسة التمكين" وعسكرة الدولة وفرض قوانين النظام العام والقوانين المقيدة للحريات، وتم التضييق على حرية التعبير، وأخذ البشير يقرب ويباعد بين أعضاء التنظيم الذين تململوا وحاولوا الانقلاب عليه، ثم أضعفت الانشقاقات دائرته المحيطة به حتى أسقطته ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018.

رافعة "الشيوعي"

تأسس الحزب الشيوعي السوداني بداية عام 1946 تحت اسم "الحركة السودانية للتحرر الوطني" متأثرة بالحركة الشيوعية المصرية بقيادة هنري كورييل والضباط الشيوعيين في الجيش البريطاني، ونادى الحزب بحق تقرير المصير للسودان ووقف ضد الوحدة مع مصر.

 ونسبة إلى ضعفه في مواجهة "الإخوان" من جهة والحزبين الطائفيين من جهة أخرى، ذهب إلى التحالف مع تنظيمات ثانية واندمج معها مكوناً تنظيم "الجبهة المعادية للاستعمار" التي نشطت أثناء أول انتخابات برلمانية جرت في السودان عام 1953 وأسفرت عن فوزه بمقعد واحد، ثم حاول عام 1955 ولكن لم يفز.

استجمع الحزب بعض قواه بعد انقلاب 17 نوفمبر (تشرين الثاني) 1958 الذي نفذه الفريق إبراهيم عبود، فوسع قاعدة نفوذه السياسي وناهض حكم عبود مع أحزاب المعارضة، مستفيداً من تجمع النقابيين والمهنيين الذين واصلوا الإضراب السياسي حتى اندلاع ثورة أكتوبر 1964، ومع ذلك لم يحصد في انتخابات مايو (أيار) 1965 سوى 11 مقعداً في البرلمان، كان أحدها من نصيب فاطمة أحمد إبراهيم التي كانت أول امرأة في الوطن العربي تدخل البرلمان.

جاء في مجموعة وثائق الحزب الشيوعي السوداني التي أصدرها "المعهد الدولي للتاريخ الاجتماعي" بأمستردام، "مثل الانقلاب العسكري الذي نفذه الضباط الأحرار في مايو 1969 الفترة الأكثر اضطراباً في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني، فقد أدى تباين الآراء في الموقف من الانقلاب إلى انقسام حاد للآراء داخل الحزب بحيث أيد بعض قادة الحزب ’حركة الجيش الثورية‘ معولين على تقدميتها ومعاداتها للطائفية".

وأضاف تقرير المعهد الدولي "تم تعيين عدد من رموز هذه المجموعة كوزراء في حكومة الانقلاب وساندت هذه المجموعة دعوة النميري إلى حل الحزب نفسه أسوة بتجربة الشيوعيين في الجزائر ومصر والانضمام إلى الاتحاد الاشتراكي السوداني الذي أسسته الحكومة".

 ومن قادة الحزب التاريخيين عبدالوهاب زين العابدين وعوض عبدالرازق وعبدالخالق محجوب الذي أعدمه النميري بعد انقلاب فاشل عام 1971، ثم بعد انقلاب 1989 حظر نشاط الحزب الذي انضم إلى "التجمع الوطني الديمقراطي" المعارض.

 تزعم الحزب بعد ذلك الأمين العام الرابع محمد إبراهيم نقد الذي توفي عام 2012، واختارت اللجنة المركزية للحزب محمد مختار الخطيب سكرتيراً عاماً له، ونشط الحزب تاريخياً في أوساط الحركة النقابية العمالية ولا يخفي "تجمع المهنيين" الذي نشط ضمن مجموعات ثورة ديسمبر انتماءه للحزب.

المزيد من تقارير