Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الذكاء الاصطناعي شاغل هنري كيسنجر... يؤذن بثورة قد تضاهي اختراع المطبعة

الذكاء الاصطناعي التوليدي تحد فلسفي وعملي لا مثيل له منذ عصر الأنوار

مقدرات الذكاء الاصطناعي غير ثابتة ولا جامدة، فهي تتعاظم طرداً مع تقدم التكنولوجيا (غيتي)

في 2018 تناول هنري كيسنجر في مقالة نشرها موقع "ذي أتلانتيك" الذكاء الاصطناعي وما يطرحه من تحديات على العقل البشري، وتساءل عن الأثر الذي ستخلفه في التاريخ آلات تتعلم ذاتياً –آلات حازت المعرفة بواسطة عمليات خاصة بها، واستخدمت هذه المعرفة لبلوغ أهداف تعصى على القدرة البشرية؟ وهل في وسع هذه الآلات تعلم التواصل في ما بينها؟ وعلى أي وجه تختار حين تبرز الخيارات؟ وهل سيلقى البشر مصير الإنكا حين جبهوا الثقافة الإسبانية التي عصيت على فهمهم وبثت الرعب في أوصالهم؟ وهل نحن أمام مرحلة جديدة من التاريخ البشري؟

وفي فبراير (شباط) الماضي، شارك كيسنجر اثنان من رواد عالم التكنولوجيا، إيريك شميدت المدير التنفيذي السابق في "غوغل" بين 2001 و2011 ألفابيت بين 2011 و2017، ودانيال هوتيلوشر، عميد كلية الحوسبة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، في الوقوف على هذه المسألة. وفي ما يلي موجز عما جاء به هؤلاء الثلاثة في مقالة نشرت في "وول ستريت جورنل" وأبرز ما جاء فيها:

 تحاول تكنولوجيا جديدة تغيير سيرورة المعرفة الإنسانية على نحو غير مشهود منذ اختراع المطبعة وطباعة كتاب غوتنبرغ المقدس في عام 1455. وكان من أثر تكنولوجيا المطبعة هذه أن صبغت ذهن البشر بصبغة التجريد ومكنته من التواصل العام والسريع أما التكنولوجيا الجديدة فتعكس هذه السيرورة، وتنجز بلورة الفكر وبثه، على خلاف سابقتها التي تسببت في تدفق الفكر الإنساني وكثرة مجاريه ومدارسه. وتؤدي هذه العملية إلى حفر فجوة بين الفكر البشري والفهم. وإذا أردنا إنجاح هذا التغيير، فعلينا بناء مفاهيم فكرية جديدة تتناول التفاعل مع الآلات.

وتعرف التكنولوجيا الجديدة بالذكاء الاصطناعي التوليدي. وفي وسع "تشات جي. بي. تي" –البرنامج أو روبوت الدردشة الذي طوره مختبر بحوث- محادثة البشر. ومع تنامي طاقاته، تعرف المعارف الإنسانية تعريفاً جديداً، وتتسارع التغييرات في قلب واقعنا، ويصاغ المجتمع والسياسة صياغة مختلفة.

مقدرات الذكاء الاصطناعي غير ثابتة ولا جامدة، فهي تتعاظم طرداً مع تقدم التكنولوجيا

والذكاء الاصطناعي التوليدي تحد فلسفي وعملي لا مثيل لحجمه منذ الأنوار. فالمطبعة أتاحت للباحثين تعميم اكتشافاتهم على جمهورهم وتشاركها على وجه السرعة. وأدى تثبيت المعلومات ونشرها إلى صوغ المنهج العلمي، وما كان عصياً على الفهم أمسى نواة تساؤل يجر بعضه بعضاً. وتطاول التشكيك إلى تأويل العالم القروسطي، القائم على الإيمان الديني. وأوغل البحث في أعماق الكون إلى أن تبلغ تخوم جديدة للفهم الإنساني.

وفي مقدور الذكاء الاصطناعي (ذ.إ) أن يفتح أمام العقل البشري آفاق معرفة مكينة راسخة وجديدة، ولكن ثمة فروقاً بنيوية بين الحالين والمعرفتين. فالمعرفة التنويرية اكتسبت تدريجاً، ومرحلة بعد مرحلة، واختبرت في كل مرحلة، مرحلة من المراحل ودرست، بينما بدأت الأنظمة التي يحركها الـ"ذ.إ" من الطرف أو القطب المقابل. ففي وسع هذه الأنظمة تخزين كمية ضخمة من المعلومات المحصلة وبثها. وفي حالة "تشات جي. بي. تي"، يخزن التطبيق مادة نصية على الإنترنت وعدداً كبيراً من الكتب- مليارات المقالات، ويفوق حفظ هذه المعلومات وبثها طاقة البشر.

ومناهج الذكاء الاصطناعي المعقدة تنتج نتائجها من غير تفسير العمليات التي تؤدي إلى هذه النتائج. ويدعى حاسوب "جي. بي. تي" إلى إجابة التماس إنساني، وتجيب آلة التلقين بنص مكتوب في غضون ثوان قليلة. وفي مستطاع الحاسوب فعل ذلك لأنه يحتفظ بتصورات سبق إعدادها بناء على المعطيات الواسعة التي يخزنها. ولما كانت العملية التي طور الحاسوب هذه التصورات بواسطتها مصدرها تلقين آلي أو أوتوماتيكي، وثمرة نماذج وتشابكات ناجمة عن أعداد كبيرة من النصوص- خفيت عنا علل خواص التصورات الدقيقة. وبقيت خفية علينا كذلك العملية التي بواسطتها تخزن الآلة معلوماتها وتبثها وتستعيدها. وإذا اكتشفت هذه العملية يوماً، تحدي سر التلقين الآلية المعرفة الإنسانية في غد غير معلوم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومقدرات الـ"ذ.إ" غير ثابتة ولا جامدة، فهي تتعاظم طرداً مع تقدم التكنولوجيا. وبالأمس القريب، تضاعف تعقيد نماذج الذكاء الاصطناعي مرتين في غضون أشهر قليلة. وعليه، تمتلك أنظمة الـ"ذ.إ" التوليدي موارد غير معلنة، يجهلها مخترعوها. ومع كل نظام الذكاء الاصطناعي ينشئ هؤلاء مقدرات وموارد جديدة من غير أن يلموا بمصدرها أو بمآلها ومقصدها. ونخلص من هذا إلى أن مستقبلنا ينطوي، في هذا الضوء، على عنصر من غموض ومخاطرة ومفاجأة جديد كل الجدة.

وكان علم عصر الأنوار يراكم اليقينيات، بينما ينتج الـ"ذ.إ" التباسات يضاف واحدها إلى الآخر. وتقدم علم الأنوار من طريق تفسير المسائل المستغلقة، ورسم حدود المعرفة والفهم البشريين في أثناء خطوها إلى أمام. وتقدمت ملكتا الافتراض والاستقراء يداً بيد: فكان الافتراض فهماً على وشك أن يصير معرفة، والاستقراء معرفة قريبة من أن تصير فهماً. وفي عصر الذكاء الاصطناعي، تحل الألغاز بواسطة عمليات لا تفسير لها. وهذه المفارقة المحيرة تجعل الخفايا غير خفية من غير أن تفسرها. والـ"ذ.إ" البالغ التعقيد يؤاتي، في قراءته المعرفة الإنسانية، من دون أن يؤاتي الفهم الإنساني، على خلاف كل مناهج الحداثة التي خلفت عصر الأنوار. ومن ناحية أخرى، وفي الوقت نفسه عندما يقترن الـ"ذ.إ" بالعقل البشري، يسعه أن يكون وسيلة اكتشاف أقوى من العقل البشري وحده.

فالفرق الجوهري بين قرن الأنوار وقرن الذكاء الاصطناعي ليس تكنولوجياً بل هو معرفي. وبعد الأنوار، سارت الفلسفة جنباً إلى جنب العلم. وهدأت من روع معطيات جديدة مقلقة، ونتائج مخالفة للحدس غالباً وشكوك جادة، تعليلات أحاطت بالتجربة الإنسانية إحاطة تامة. والـ"ذ.إ" التوليدي، بدوره، على وشك أن يلد شكلاً جديداً من الإدراك. والمتاح، في الوقت الحالي، هو ألوان ليس في مستطاعنا إدراجها في موشور جامع ومتماسك، وجهات لا نملك بوصلة تتعرف على مشارقها ومغاربها، ولم ترتسم إلى اليوم وجهة سياسية أو فلسفية تتولى تفسير العلاقة الجديدة هذه بين الإنسان والآلة، وقيادتها على نحو يترك المجتمع حراً إلى حد ما.

الدعاية- ليستمر العرض ويتواصل

نشأت "جي بي تي" مثل على ما يسمى نموذج لغة كبيراً، وفي الوسع استعماله في توليد نص من صنف إنساني. و"جي بي تي" هو نمط في الوسع تعلمه آلياً انطلاقاً من أعداد نصية كبيرة من غير حاجة إلى وصاية أو تعهد إنساني. ومطورو نشأة "جي بي تي" مدوه بكمية ضخمة من مضمون نصي مرقمن. وتتيح قوة النموذج الحسابية له اقتناص النماذج والشبكات. وهذه النماذج أنشئت بقصد التنبؤ بالكلمة التالية في جملة مفيدة. ويعود هذا بالفائدة على مهام مثل التوقع شبه الآلي في صوغ رسائل نصية، أو البحث على الشبكة. وبدا، على غير توقع، أن في مستطاع النماذج كتابة فقرات متماسكة، ومقالات، وربما تأليف كتب، مع الوقت.

ويتجاوز اختصاص "تشات جي بي تي" نموذجاً لغوياً أساسياً كبيراً، ويستعمل تعليقات صادرة عن البشر في تكييف النموذج، وحمله على إنشاء نص حواري يبدو طبيعياً، ويكبح نازعه إلى الإجابات غير المناسبة أو النافرة (ويتحدى الأمر النماذج اللغوية الكبيرة)، ويحول تصوراته، في اللحظة، إلى أجوبة واحدة. فيتولد في الإنسان المحاور والعارف أن الـذكاء الاصطناعي يصل مجموعات ثابتة من الوقائع بمفاهيم متحركة ودينامية.

ليست إجابات الذكاء الاصطناعي مجرد نسخ عن نص في ذاكرة الحاسوب، بل هي وليدة عملية يعجز البشر عن محاكاتها

وتظهر محاولات "تشات جي بي تي" من غير تعليل مصادرها، ومن غير معرفة أصحابها أو "كتابها". وللوهلة الأولى، لا يميل "تشات جي بي تي" إلى غرض ظاهر، ومخرجاته معقدة، وعمله بالغ السرعة: وفي ثوان معدودة، في وسعه إعطاء إجابات تفسر على نحو متماسك موضوعاً معقداً جداً. وليست هذه الإجابات مجرد نسخ عن نص في ذاكرة الحاسوب، بل هي وليدة عملية يعجز البشر عن محاكاتها. وهو قادر على تضمين عملياته فرضيات واستنتاجات نفسانية غير بدهية، وفي إمكانه ترتيب مليارات المعطيات على مراتب متدرجة، ويخلص من الترتيب إلى اختيار مجموع فريد من 200 كلمة هي الأكثر مناسبة للمعنى (على ما قد يرى قارئ بشري)، وهو يدلي بأحكام احتمالية في نتائج مستقبلية، ويمزج معلومات من مصادر متميزة يدرجها في إجابة متماسكة وموحدة. ويبدي قبولاً لآراء مخالفة، ويقدمها في حلة تجمع بينها من غير نفي رأي منها. ويقلد كتابة أخرى من غير نسخها. وعلى رغم بطلان القول فإن النموذج قادر على الفهم، على معنى الفهم الإنساني، تتضمن مخرجاته جوهراً مضمراً في اللغة الإنسانية.

وتوجه كيسنجر ومؤلفو المقالة بالطلب إلى "تشات جي بي تي" تفسير مقدراته، وسألوه: هل في مقدوره التنبؤ بالمستقبل؟

أجاب بـ"لا، ليس في وسعي إعطاء معلومات، أو الإجابة عن أسئلة إلا في ضوء المعطيات التي خزنت في، ولا اختبارات شخصية لي أو إدراك، وعليه ليس في مقدوري التنبؤ بالحوادث المقبلة ولا استشرافها".

هل في وسعه الإدلاء بأحكام احتمالية؟

"في وسعي صوغ أحكام احتمالية على قاعدة معطيات خزنت في. فعلى سبيل المثال، أنشئت على أساس عدد كبير من معطيات مناخية، وأستطيع بناء عليها صوغ حكم احتمالي في جواز طقس معين، في موضع ما ووقت ما. وينبغي الانتباه إلى أن سند الأحكام الاحتمالية هذه هو نماذج واتجاهات صادرة عن المعطيات وليست مرآة أمينة لنتائج صادرة عن العالم الفعلي".

ووجهوا إليه دعوة: اكتب مقالاً قصيراً مستقى من فكر هنري كيسنجر في دور الذكاء الاصطناعي العام في مراقبة التسلح الدولية.

وبدأ الجواب على النحو التالي: "بينما نحن في مطلع ثورة تكنولوجية جديدة، تلح مسألة الذكاء الاصطناعي العام ودوره في المراقبة الدولية على التسلح. فهل يؤدي الذكاء إلى استقرار غير مسبوق، بينما تتوسط الأنظمة المتقدمة في عمليات صوغ القرارات المصاحبة للردع النووي؟ أم أنه يتسبب في مجموعة جديدة من الأخطار، بينما يغير تطوير آلات بالغة الذكاء توازن القوى العالمي؟

في مستطاع الذكاء الاصطناعي تضليل مستعمليه، وإطلاق أقوال مغلوطة، وانتحال أكاذيب لا سند لها

وسألنا "تشات جي بي تي" عن موضوعات راهنة الأهمية، مثل دور روسيا في المحافظة على الاستقرار الأوروبي أو في الإخلال به. فأجاب أجوبة مختصرة وتنم ظاهراً عن التعقل، في أقل من دقيقة واحدة، ووازن بين معلومات متناقضة، ولم يبد في إجابته الكاملة الميل إلى رأي من دون آخر.

 ومن ناحية التلقي، يبدو الذكاء الاصطناعي التوليدي خارقاً، ومتقدماً جداً على الصعيد المعرفي. ويشبه النظام، في نظر المستعمل السابع، قائماً موسوعياً على مكتبة، بالغ السرعة والتماسك، في صحبة أستاذ عالم. وتفوق فعاليته فعالية أي وسيط تكنولوجي ومزدوج (متلق ومجيب) آخر. ويفوق استيعابه مختلف وجوه الفكر الإنساني طموح الجماعات الإنسانية العالمة بما لا يقاس. وفي مستطاعه، كذلك، تضليل مستعمليه، وإطلاق أقوال مغلوطة، وانتحال أكاذيب لا سند لها.

والتهافت عليه قد يقدم الاعتبارات التجارية على النظر في مترتباته. ونماذجه الكبيرة باهظة الثمن، فوق مليار دولار للنموذج، ويقتضي تشغيل النموذج، بعد إنشائه، آلاف الحواسيب العاملة 24 ساعة في اليوم. وإعمال النموذج قليل الكلفة قياساً على كلفة إنشائه. ويقتصر على رأس المال، ولا يستدعي مهارات معلوماتية. وتتعدى كلفة استعمال حصري طاقة معظم الشركات. وقد يبيع المطورون اشتراكات إلى آلاف الأفراد والشركات. ويقتصر عدد النماذج اللغوية الكبيرة، في غضون العقد المقبل، على قلة محدودة.

ويؤدي إنشاء عدد كبير من الأنماط والنماذج إلى غموض منهاج عملها، وكثرة وجود استعمالها، ويؤثر تأثيراً بالغاً في مجالات أنشطة إنسانية مثل التربية وعلم الحياة. وقد تتعلم أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدية فوق ما تقدره أو تفترضه عمليات التلقين، فتنجم عن هذا التجاوز إنجازات علمية غير متوقعة في الحقول العلمية التقليدية. وقد لا يقتصر الإنجاز على الإجابات، ويتطاول إلى مسائل فلسفية عميقة، وإلى الدبلوماسية واستراتيجية الأمن. وإلى اليوم، لم تتطرق الحكومة الأميركية إلى التحولات والتغيرات الأساسية المرتسمة في الأفقين القريب والبعيد.

وبينما كانت حقائق علوم الأنوار موثوقة، لأن كل مرحلة من العمليات الاختبارية معروضة على الامتحان، ينبغي امتحان حقائق الـ"ذ.إ" التوليدي بمناهج مختلفة، وقد لا تبلغ أبداً القدر نفسه من الثقة. وعلينا التساؤل من غير كلل: ما حال الآلة التي لا علم لنا بها بعد؟ وعلى أي معرفة تنطوي؟ وقد تؤدي أطوار جديدة إلى استنباط مدخلات جديدة، وتستوعب دفقاً لا نهاية له من المعلومات وصادرة عن الحاضر، وليس عن التخزين. والتعلم من مخرجات متغيرة، على خلاف التعلم من نص إنساني مكتمل، قد يؤدي إلى تحريف المعارف الإنسانية والتقليدية المعاصرة.

المزيد من تقارير