Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"ترانيم" تجربة موريتانية تستدعي آهات العبيد الغابرين

هدفها الحفاظ على جزء مهم من ثقافة البلد وإخراجه للعلن في حلة حديثة تتماشى مع الواقع المعاش

ملخص

أسهمت مجهودات الفرقة في حفظ وتثمين #تراث_فني عريق كادت معالمه تطمس بفعل #العولمة

مثلما يمسك الراقص في "لعب الدبوس" عصاه بإحكام من منتصفها تماماً من أجل توجيهها لعصا الراقص المقابل له على خشبة المسرح، يقوم مركز "ترانيم" للفنون الشعبية بالمهمة نفسها منذ تأسيسه قبل عقد من الآن، فهو يحاول أن يلملم شتات الموروث الفني لشريحة لحراطين (العبيد السابقين) في موريتانيا، ليبقى حياً نابضاً بالبهجة والفرح فتتعرف عليه الأجيال الجديدة ممن لم يكتووا بنار العبودية، وإن ما زالت آهات أغاني الآباء تختزل غصة عقود من الإذلال، قبل أن تقرر الدولة الموريتانية تحرير العبيد بأمر قانوني صدر مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وعملت الأنظمة الموريتانية المتعاقبة لاحقاً على تجريم الظاهرة بنصوص رادعة واستحدثت محكمة متخصصة في قضايا العبودية.

مهمة إنقاذ

في الذكرى الـ 10 لتأسيسها يتذكر مسؤول التنظيم في مركز "ترانيم" للفنون الشعبية محمد ولد سيدي الأهداف التي رسمها هو وزملاؤه لمركزهم بالقول، "صون الفنون الشعبية التي لم تحظ بالأهمية المطلوبة من طرف القائمين على الشأن الثقافي الوطني كان نصب أعيننا، إذ واجهت هذه الفنون كثيراً من الصعوبات والعراقيل".

ويضيف ولد سيدي "​ضاع كثير من هذه الفنون مما جعل ممارسيها يتخلون عنها، وجاءت ’ترانيم‘ لسد الفجوة الحاصلة في هذا الصدد والعمل من أجل إعادة الاعتبار لهذه الفنون وممارسيها من خلال توثيق ما أمكن ومواكبة ممارسيها من خلال التكوين والتأطير، وهو ما أسهم في خلق حركية خلاقة في هذا الميدان خلال الأعوام الأخيرة، كما أسهمت وبشكل كبير في الحفاظ على جزء مهم من الثقافة الشعبية الموريتانية المهددة بالاندثار مما جعل الجهات الوصية على قطاع الثقافة تلتفت أخيراً إلى بعض أنماط الثقافة الشعبية بعد أن كانت تمر عليها بصمت في الأمس القريب".

فنون تأبى الاندثار

وأعادت تجربة مركز "ترانيم" الروح لفنون ظلت مجهولة لعدد من سكان المدن الكبيرة في موريتانيا، فمنحت الفرصة لأجيال شابة للوقوف على أنماط فنية وثقافية لم يعرفوها من قبل.

ويعدد الإعلامي والناشط الثقافي أحمد ولد الحسن الأنماط الفنية التي أحيتها "ترانيم" خلال تجربتها الممتدة منذ عقد قائلاً "بفضل الفرقة تعرف الموريتانيون على فنون تقليدية مثل لعب الدبوس، وهي رقصة تميز بها أهل الجنوب الموريتاني، وتؤرخ لأيام سكان الريف في بحثهم عن الماء، إذ تحاكي حركات الراقص مبارزة متخيلة مع خصم يحمل عصا ويتمايل على أنغام موسيقى حماسية، ويدفع عنه الضربات تبعاً لحركات الخصم وتماشياً مع الإيقاع الموسيقي الذي يشتد بحسب مراحل الرقصة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتتميز حفلات الفرقة كذلك بتقديم رقصة "دكداكدة" التي يتحلق فيها الراقصون حاملين بنادق ويدورون حول بعضهم بعضاً على إيقاع الطبول التي تقرعها النساء، ويؤدي الراقص وصلة منفردة ويطوع بندقيته لتتناغم مع اللحن المميز للرقص.

وتحظى حفلات "بنجة"، بحسب الحسن، بشعبية كبيرة في أوساط الموريتانيات، وهي كورال نسائي يتغني بجمال المرأة ومناقبها وتنفرد النساء بالرقص على إيقاع موسيقاها، أما "النيفارة" وهي آلة نفخية قريبة من صوت الناي وترتبط بثقافة الرعاة، فينتشر استخدامها في الريف الموريتاني وتطبع حفلاتها أجواء الشوق للأهل واستذكار من رحلوا من الأحبة والأصدقاء، ولها جمهورها بخاصة من كبار السن.

وفي حين مثلت "ترانيم" همزة وصل بين ممارسي هذه الفنون والمتلقي الموريتاني، يرى ولد سيدي أن مركزهم "عمل من أجل الرفع من مستوى الفنون الشعبية وممارسيها، ويسعى جاهداً إلى ترسيخ قيم السلم والمسالمة من طريق فن يجد فيه الكل ضالته، فهو فن يجمع ولا يفرق ويضمد جراح الشتات في زمن كثرت فيه الفرقة والتشرذم".

ويضيف ولد سيدي "نحاول تجسيد رؤيتنا التي تقوم على مجتمع موريتاني متعايش ثقافياً ومتذوق للفنون، ومع الوقت برز دور ’ترانيم‘ كمؤسسة مهنية هدفها الحفاظ على جزء مهم من ثقافة هذا البلد وإخراجه إلى العلن في حلة حديثة تتماشى والواقع المعاش، وهذا ما يبرز بشكل جلي من خلال المادة التي يقدمها المركز في كل خرجة فنية ينظمها".

وأسهمت مجهودات "ترانيم" في حفظ وتثمين تراث فني عريق كادت معالمه تطمس بفعل العولمة، ويرى الإعلامي والناشط الثقافي أحمد ولد الحسن أن "برامج ’ترانيم‘ الثقافية استطاعت أن تكتشف مواهب في مختلف مناطق الريف الموريتاني، كما ساعدت برامج المركز مثل ’البواه‘ وتعني المستكشف باللهجة الحسانية، تقديم كثير من رواد فن المديح النبوي للجمهور الموريتاني من خلال مهرجان ’ليالي المدح‘ وهو واحد من أكبر المهرجانات الثقافية في البلاد".

ويضيف ولد الحسن "عمل مركز ’ترانيم‘ على الإسهام في حفظ واستدامة الفنون الشعبية من أجل التعريف بها عبر المنشورات والندوات وجمع المعلومات حول طبيعة الممارسة الثقافية الشعبية من أجل تكوين قاعدة من المعلومات حول هذه الفنون".

تراث إنساني

ويحدو الأمل القائمين على مركز "ترانيم" في أن تصل تجربتهم إلى أبعد مدى، ويعملون على نشر رسالة مركزهم في الحيز الإقليمي لموريتانيا، بخاصة أن عوامل منها اللهجة المشتركة التي يفهمها بعض سكان دول الجوار في مالي والجزائر والمغرب قد تساعد في إيصال رسالتهم الفنية.

ويطمح ولد سيدي في أن "تأتي الظروف المناسبة من أجل وصول الأنماط الفنية التي يعمل عليها المركز نحو العالمية، من خلال تصنيفها كتراث إنساني لهذا البلد من طريق منظمة الـ ’يونيسكو‘ ومثيلاتها حول العالم".

وتعرف أنشطة "ترانيم" إقبالاً واسعاً من الجمهور الموريتاني وبخاصة في شهر رمضان، إذ دأب المركز على تنظيم مهرجان للمديح النبوي تقدم فيه مدائح بأصوات موريتانية تمثل مختلف جهات البلد الذي يعشق مواطنوه هذا الفن المرتبط في أذهانهم بشهر الصوم.

المزيد من منوعات