هل أصبحت ليبيا مكبا للأسلحة الفرنسية؟

معدات عسكرية تهدد الأمن القومي وتصاريح متضاربة وضعت مصداقية باريس على المحك

المعارك في مدينة السواني جنوب العاصمة الليبية (أ.ف.ب)

على الرغم من صدور قرار مجلس الأمن في مارس (آذار) عام 2011، والقاضي بمنع بيع أو توريد الأسلحة إلى ليبيا، إلا أن الخروقات لهذا القرار لا تزال متواصلة، وتبرز مع تجدد اشتعال فتيل القتال بين الأطراف الليبية المتناحرة، التي أصبحت لا تفوت فرصة التباهي بتزودها بشحنات الأسلحة، ضاربة بعرض الحائط القرارات الأممية والدولية التي تمنع دخول الأسلحة إلى التراب الليبي تحت أي ظرف.

فرنسا كانت آخر من ثبت تورطها في اختراق قرار حظر التسلح أثناء سقوط عاصمة الجبل الأخضر غريان في يد قوات حكومة الوفاق برئاسة فائز السراج، والتي تتخذ من العاصمة طرابلس مقراً لها واسترجاعها من قوات المشير خليفة حفتر، التي كانت قد سيطرت على غريان كأول مدينة في الغرب الليبي منذ انطلاق معارك العاصمة الليبية في أبريل (نيسان) 2019، وركزت فيها غرفة عمليات لتسيير المعارك العسكرية.

مكب للأسلحة الحديثة

وتعد فرنسا حالياً آخر الدول التي اخترقت قرار مجلس الأمن بفرض حظر التسلح على ليبيا، حين أكدت أن ترسانة الأسلحة التي وجدت على الأراضي الليبية تابعة لها ولكنها معدة للائتلاف، وفق وزارة الدفاع الفرنسية.

تصريح وضع مصداقية الدولة الفرنسية على المحك، فمن جهة تقر بأنها لم تزود أي طرف ليبي بالسلاح، ومن جهة أخرى تقر بملكيتها لشحنة الأسلحة التي أثبتت التحقيقات العسكرية أن فرنسا سبق واشترتها من الولايات المتحدة الأميركية؟

وبحسب الخبير العسكري عادل عبد الكافي فإن "ليبيا أصبحت مكباً للأسلحة الحديثة لا القديمة، وذلك لتغذية فتيل الصراع في مختلف ربوع البلاد، لإلهاء أبنائه بنار الاقتتال مقابل نهب ثرواته المنجمية واستمراره في حلقة المراحل الانتقالية".

وأوضح الكافي أن "فرنسا تدعم حفتر منذ خمس سنوات، والاختباء خلف ذريعة الأسلحة المعطوبة أصبح مكشوفاً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واعتبر أن "سقوط طائرة فرنسية على متنها ضباط فرنسيون شرق البلاد، أكبر دليل على أن ليبيا أصبحت ساحة لأحدث الأسلحة الفرنسية، إضافة إلى القبض على مجموعة خبراء عسكريين على الحدود الليبية التونسية يحملون جوازات دبلوماسية، كانوا يستعدون لمغادرة التراب الليبي فور اندلاع معارك العاصمة الليبية طرابلس، بداية شهر أبريل 2019".

وخلص عبد الكافي إلى أن "فرنسا لم تخترق فحسب قرار حظر التسلح على ليبيا، بل إنها لم تحترم سيادة الدولة الليبية بإقرارها وجود خبراء في المجال العسكري داخل ليبيا، بحجة أنهم بصدد تجهيز منظومات دفاعية ضد الإرهاب، الذي من المفترض أن ينسق له مع "الأفريكوم" (USAFRICOM) التي تعترف بدورها بحكومة الوفاق فقط كجهة رسمية تمثل الدولة الليبية"، وهو دليل آخر وفق قوله، "على عدم جدية فرنسا في إنهاء الأزمة الليبية". فمن جهة يؤكد رئيسها إيمانويل ماكرون أن حكومة السراج هي الطرف الرئيسي في المباحثات الديبلوماسية، ومن جهة أخرى نجد أسلحة فرنسية بيد قوات الشرق الليبي أثبتت التحقيقات العسكرية أن فرنسا اشترتها من أميركا.

تجسس على ليبيا

تشير المواثيق الدولية كافة إلى أن "ليبيا دولة مستقلة ذات سيادة، وإرسال أية دولة أسلحة وضباطاً من الاستخبارات من دون التنسيق مع أجهزة ليبيا الرسمية المعترف بها دولياً، يعد تجاوزاً للقانون الدولي"، وفق قراءة القانوني الليبي عبد السلام أبو غالية، الذي أكد أن ملف وجود أسلحة فرنسية على الأراضي الليبية وبين أياد ليبية يشوبه الغموض وتحوم حوله شبهات قانونية، فمن ناحية تقر فرنسا بوجود ترسانة أسلحة فرنسية بليبيا ومن جهة أخرى تقول إنها "معدة للإتلاف".

ويتابع أبو غالية "الأسلحة وجدت في معسكر كان تابعاً لقوات حفتر وتشرف عليه الاستخبارات الفرنسية، وهو أمر مرفوض قانونياً في دولة مستقلة، ويفترض أن تكون فرنسا الآن أمام تهمة التجسس على الأمن القومي لبلد مستقل منذ عام 1951".

وأوضح أبو غالية أنه "عملياً لا يمكن تطبيق عقوبات قانونية على فرنسا بتهمة اختراقها قرار حظر التسلح المفروض على ليبيا منذ عام 2011 من قبل مجلس الأمن الدولي، بسبب عضويتها الدائمة في مجلس الأمن، فأية محاولة لإدانتها ستقابل بفيتو فرنسي".

تهديد للأمن الصحي

وتشير الإحصاءات الأخيرة الصادرة عن مركز أمراض الدم والأورام أن ليبيا تسجل سنوياً أكثر من ستة آلاف إصابة بمرض السرطان، خصوصاً سرطان القولون الذي استفحل إثر لجوء حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى استعمال الأسلحة المحرمة دولياً وتحديداً اليورانيوم المخصب في ليبيا عام 2011 .

ودعت منظمات حقوقية ليبية إلى إعلان السرطان كقضية أمن قومي، وفي السياق يشير الباحث في معهد الأورام في مدينة صبراتة خالد النوائلي إلى أن "إتلاف الأسلحة المعطوبة له تأثيرات جانبية خطيرة في البيئة والتربة الزراعية وجودة المواد الغذائية، التي أضحت ملوثة بسبب الإشعاعات النووية، لا سيما أنه لا يوجد أي اتفاقية دولية بين ليبيا وفرنسا في مجال إتلاف الأسلحة المعطوبة".

وتابع أن "الإتلاف يهدد المنظومة الصحية في ليبيا التي يجب أن تتعظ من العراق الذي يعاني سكانه من تشوه الأجنة وانتشار السرطان بسبب الأسلحة".

ولم يصدر أي موقف رسمي ليبي أو دولي ضد فرنسا، التي أكدت بتصريحاتها الأخيرة أن ليبيا هي عبارة عن ساحة لاستخباراتها ولإتلاف مخلفات أسلحتها المعطوبة التي لها تداعيات على الأمن الصحي للأجيال المقبلة.

المزيد من العالم العربي