Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ليست مجرد وجبة... الـ"فاست فود" وجدت لتبقى

خرجت من جائحة كورونا أقوى مما كانت والعالم يستثنيها من تداعيات الحرب ومعاول الاقتصاد ومقاصل الترشيد

نظريات المؤامرة تختص قطاع الـ "فاست فود" بكثير من جهدها ووقتها (أ ف ب)

الـ "فاست فود" أو الوجبات السريعة لم تعد اختياراً أو اختباراً بل هي فرض عين، شاء من أحبه وأبى من ناهضه باعتباره استنزافاً للجيوب واحتقاراً لـ "أكل البيت".

ويعتقد بعضهم أن الـ "فاست فود" اختراع غربي أو صرعة شبابية أو سمة من سمات الطبقات المخملية، لكن الحقيقة هي أنه قديم قدم التاريخ ومنتشر بطول الكرة الأرضية وعرضها، وليس حكراً على دولة من دون أخرى أو ثقافة وليس غيرها.

تغيرت ملامح الـ "فاست فود" ولا تزال تتغير، لكنه يبقى محتفظاً بتعريفه وإن اختلفت مكوناته، فهي الوجبات التي يتم إعدادها بسرعة وتقديمها للجمهور خارج البيوت في وقت قصير، وفي العصر الحديث بات الـ "فاست فود" مقترناً بمكونات مسخنة أو مطهية أو نصف مطهية مسبقاً يتم تحضيرها بكميات كبيرة وتعبئتها في عبوات جذابة.

الظهور الأول

الظهور الأول لمصطلح "فاست فود" كان في قاموس ميريام وبستر عام 1951، لكن تلك الوجبات السريعة التي تشتريها وتلتهمها على الواقف أو ربما جلوساً في البيت لكسل أو ملل أو كلل من قبل القائمين على أمر المطبخ أو رغبة في مذاق مختلف أو اتساق مع موجة عامة تميل إلى أكل الشارع، قديمة قدم الشارع.

أكل الشارع قديم قدم الشارع وما قبل الشارع، ويقال إن التاريخ الأول الموثق للوجبات الجاهزة، ولم تكن وقتها تسمى "فاست فود"، كان روما القديمة، إذ مباني التجمعات الحضرية وقتها لم تكن مجهزة بمطابخ وكان سكانها يشترون خبزاً مغموساً في النبيذ ووجبات من الخضراوات المطهية من مطاعم بسيطة.

وتشير وثائق تاريخية إلى أن عهد أسرة هان بالصين في القرن الثاني شهد وجود باعة "نودلز" (معكرونة) وفطائر ولحوم مطهية في الشوارع كان يشتريها الفقراء والمسافرون، وفي المناطق القريبة من السواحل كانت وجبات الشارع السريعة قائمة على المأكولات البحرية.

وفي مدينة "بومبي" الإيطالية التي اختفت معالمها بعد تفجر بركان عام 79 ميلادية، قال أثريون إن ما تم العثور عليه في أنقاض المدينة يؤكد أن صناعة الوجبات السريعة المبيعة للسكان في الشارع كانت مزدهرة، لا سيما الوجبات المصنوعة من اللحوم والدجاج، بل يرجح علماء آثار أن أهل بومبي القدماء من العاملين في صناعة الوجبات الجاهزة السريعة استخدموا وسائل تسويقية وترويجية لا تختلف كثيراً عن تلك المستخدمة حالياً، لكن مع مراعاة اختلاف الأدوات والإمكانات.

ومن إيطاليا إلى بريطانيا، وما دامت ذكرت بريطانيا و"فاست فود" في جملة، فإن الأكبر سناً يستحضرون صورة القرطاس الورقي المحشو برقائق البطاطا والسمك المقلي، ويعتقد أن أول محل باع هذه الوجبة البريطانية الشعبية كان في سوق توميفيلد بأولدهام في لانكشاير عام 1860.

دوائر التاريخ

وإذا كان التاريخ يصول ويجول في دوائر عمرها مئات السنوات ليؤرخ الـ "فاست فود" الموثق على الجدران بحضارات قديمة والمكتوب بلغات مندثرة خلال عصور ولت، فإن الهامبرغر الأميركي يفرض نفسه فرضاً على ساحة الوجبات السريعة المعاصرة، وأحياناً يعتقد بعضهم أن الـ "الفاست فود" مسمى آخر للـ "هامبرغر" والعكس.

قصص كثيرة متداولة حول أصل الهامبرغر إحداها يشير إلى أن رجلاً دخل مطعماً في نيو هافن بولاية كونيتيكت الأميركية عام 1900 وطلب شيئاً يمكنه تناوله وهو على الطريق من ولاية إلى أخرى، فتفتق ذهن صاحب المطعم عن وضع شرائح لحم بين شريحتين محمصتين من الخبز فكان الـ "هامبرغر"، وفيما يجري تداول قصص كثيرة كهذه فإن الراجح أن يكون الـ "هامبرغر" الأميركي ذائع الصيت غير أميركي، وهو ما يبدو من الاسم.

 

 

عدد من موسوعات تاريخ الطعام تشير إلى أن أصل الـ "هامبرغر" يعود لألمانيا في القرن الـ 12، حيث كانت تباع فطائر لحم معروفة باسم "فريكاديلين" وهي أصل الـ "برغر"، بينما شهد القرن الـ 19 هجرة كثير من الألمان إلى أميركا، وهناك فتحوا مطاعم تقدم شرائح اللحم المفروم المعدة بطريقة تعرف باسم "هامبورغ" نسبة على المدينة الألمانية الشهيرة وبات يعرف بالـ "هامبرغر".

ويشار إلى أن بعضهم، لا سيما من العرب والمسلمين، من كان يعتقد أن الـ "هامبرغر" بالضرورة معد من لحم الخنزير، إذ إن كلمة "هام" تعني لحم خنزير، لكن الـ "هامبرغر" هو الـ "بيف برغر" أي المصنوع من لحوم الأبقار.

الفول والفلافل حاضرة

يبدو الـ "فاست فود" وكأنه حديث غير عربي، والحقيقة أن العرب وأكلاتهم السريعة لهم فصول في كتب تاريخ وحاضر الوجبات السريعة، وعلى سبيل المثال لا الحصر آلاف محال الفول والفلافل المعدة بنكهات عربية مختلفة من بلد إلى آخر، والشاورما سواء المحضرة من الدجاج أو اللحوم أو حتى الأسماك، والفطائر والمناقيش التي تسمى بأسماء مختلفة من بلد عربي إلى آخر، وتلك التي مزجت أصالة الفطائر بمعاصرة البيتزا وحمص الشام وساندويتشات الكبدة والمخ والسجق التي تباع على عربات متنقلة أو في مطاعم متخصصة، والكشري الذي تمرد على حتمية تناوله جالساً في مطعم فبات منذ سنوات محمولاً في كيس بلاستيكي والقائمة طويلة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

طول قائمة الـ "فاست فود" العربي تحتاج صفحات وكتباً وأطروحات لسرد أسمائها وشرح مكوناتها وتتبع مسارها من محلية الأزقة والشوارع العربية إلى قلب عواصم العالم شرقاً وغرباً، ويشار إلى أن موجات الهجرة واللجوء العربية إلى دول غربية عدة أثرت إيجاباً في انتشار محال الأطعمة العربية في دول المهجر واللجوء بشكل عام، وفي القلب منها محال الـ "فاست فود" العربي.

خصوصية عربية

خصوصية الـ "فاست فود" العربي تنبع من تميز معظم هذه الوجبات العربية السريعة بخلوها من كثير من أضرار الوجبات السريعة المعروفة، بدءاً بالمواد الحافظة والدهون والنشويات والملح والسكر ومروراً بالزيوت المهدرجة والسعرات الحرارية المرتفعة وانتهاء بطريقة تصنيع المكونات، إذ إن الفول والحمص والدجاج والرز تظل مواد غذائية معروفة الأصل والشكل والمذاق، وليس اللحوم المصنعة وطبقات التتبيلات غير محددة المعالم أو المحتويات.

 

 

وبعيداً من مدى صحة أو ضرر الوجبات السريعة والمنافسة بين الفلافل والشاورما والمناقيش من جهة، وال "برغر" والـ "فيش أند شيبس" والبطاطا المقلية من جهة أخرى، تبقى صناعة الـ "فاست فود" إحدى أكثر الصناعات العالمية قوة وانتشاراً وتحقيقاً للأرباح ودقاً على أوتار الإدمان والسرعة والصرعة وأشياء أخرى كثيرة.

احتمالات الإدمان

علمياً تزخر أدراج ومعامل مراكز الأبحاث بدراسات وأوراق حول الوجبات السريعة "الشهية للغاية" وعلاقتها بالإدمان، ومعظمها يحلل ويفند مكونات هذه الوجبات الطبيعية والصناعية المعلنة والخفية لمعرفة إن كان أي منها يسبب شكلاً من أشكال "الاعتماد"، إذ يشعر الشخص بالعصبية أو عدم الراحة في حال توقف عن تناولها لبضعة أيام أو أسابيع.

إحدى هذه الدراسات وعنوانها "هل الوجبات سريعة تؤدي إلى الإدمان؟" أجراها الباحثان بقسم طب المراهقين في جامعة كاليفورنيا سان فرانسيسكو أندريا غاربر وروبرت لاستيغ، إذ أُخضعت العناصر الغذائية في عدد من هذه الوجبات وخصائص مستهلكيها لدراسات معمقة بحثاً عن علاقة تشجع اعتماد أشخاص بأعينهم على هذه العناصر.

مكون السكر المصاحب للمشروبات الغازية المرافقة لمعظم الوجبات السريعة يسبب إدمان السكر لكن في القوارض وليس البشر، كما وجدت علاقة واضحة بين الكافيين، حيث القهوة مصاحبة لعدد من هذه الوجبات كذلك، والإدمان، وهي إحدى المواد النموذجية لشرح معنى "الاعتماد"، أما تسبب المعدلات المرتفعة للدهون والأملاح في الإدمان فيبقى احتمالاً غير مؤكد بعد، فقد تهفو النفس إليها لكن المؤشرات الدالة على الاعتماد لا ترتقي بعد إلى درجة الدليل العلمي.

الدراسة أشارت كذلك إلى عاملين مهمين يرتبطان بالوجبات السريعة وهما درجات الإجهاد المرتفعة التي تدفع الشخص للبحث عن مكافأة تكمن في وجبة سريعة، وإعلانات هذه الوجبات التي تدغدغ مشاعر فئات بعينها في المجتمعات مثل الأطفال والمراهقين والباحثين عن مكافأة أو مهرب في وجبة سريعة شهية للغاية.

وتنتهي الدراسة إلى أن النتائج وإن كانت لا تبرهن على وجود مكونات في الـ "فاست فود" تؤدي إلى الإدمان بالضرورة، لكنها تخلق حالاً من الاعتماد لدى الفئات الأكثر هشاشة في المجتمعات.

هضم المليارات

مجتمعات العالم تشتري وتأكل وتهضم وتربح وتستثمر ما قيمته نحو 907 مليارات دولار أميركي، بحسب مؤسسة "آيبيس وورلد" المتخصصة في أبحاث الصناعات والأسواق، وتستحوذ الولايات المتحدة الأميركية وحدها على نحو 300 مليار دولار من حجم هذه الصناعة، وتحقق صناعة الوجبات السريعة في العالم ارتفاعاً سنوياً قدره نحو 2.1 في المئة منذ عام 2018، وذلك على رغم ما اعترى العالم من وباء وحروب وأزمات اقتصادية وغيرها، وتشكل صناعة الأطعمة بشكل عام سابع أكبر صناعات العالم.

العالم الواقع بين براثن حرب روسيا في أوكرانيا التي تلقي بظلال وخيمة على الجميع وتمضي قدماً في عامها الثاني بكل ثقة، وأزمة اقتصادية طاحنة تضرب الجميع، وآثار عامين من وباء "كوفيد-19" وتغير مناخي بات يؤثر في السكان بشكل مباشر في صورة ظواهر مناخية عاتية وعاصفة ومدمرة، يستثني وجباته السريعة سواء أكانت "برغر" وبطاطا أو فول وفلافل من معاول الاقتصاد ومقاصل الترشيد.

أقوى مما كانت

والمثير أن المخاوف التي توقعها بعضهم بدايات إغلاقات الوباء عام 2020 من أن صناعة الـ "فاست فود" ستنهار أو على الأقل تتأثر سلباً بشكل فادح قد تحقق عكسها، فتلك الصناعة لم تصمد فقط بل خرجت أقوى وأكثر قدرة على التأقلم مع المتغيرات.

وعلى رغم إلغاء خدمة تقديم الوجبات في المطاعم، فإن الـ "درايف ثرو" (طلب الوجبات من السيارة) وكذلك الـ "دليفري" والـ "تيك أواي" انتعشت بشكل لافت.

ويلاحظ أن عدداً من المطاعم العادية التي تقدم وجبات لا تندرج تحت بند "الوجبات السريعة" ذات السعرات الحرارية الفارغة أدخلت نظام الطلب من السيارة أو الـ "دليفري" بعد إلغاء الإجراءات الاحترازية.

 

 

إجراءات احترازية ذات أبعاد كيدية في مجال الـ "فاست فود" اُتخذت خلال العام الماضي في روسيا في أعقاب إعلان المجموعة الأميركية المالكة لـ "ماكدونالدز" أنها ستبيع محفظتها الروسية والبالغ عدد أفرعها 850 فرعاً، لكن تدخل رجل الأعمال الروسي ألكسندر غوفور المالك لترخيص "ماكدونالدز" في روسيا وقرر إعادة فتح الفروع باسم "فكونسو أي توتشكا" أي "شهي نقطة" (فقط)، وهو ما تم تفسيره باعتباره خطوة جديدة من خطوات المنافسة العالمية المحتدمة بين قوى العالم المتحاربة، سواء مباشرة أو غير مباشرة عبر الـ "فاست فود".

وألقى غوفور خطاب افتتاح "شهي نقطة" الروسي على أنقاض "ماكدونالدز" الأميركي في ساحة بوشكين، وهي الساحة التي شهدت افتتاح مطعم "ماكدونالدز" الأول في روسيا عام 1990، كخطوة لتحسين العلاقات الجليدية بين روسيا والغرب منذ سنوات الحرب الباردة.

مؤامرات ورقمنة

التنافس والصراع والاحتقان أمور لا تعترف بقيود أو قواعد، ولأن الغاية تبرر الوسيلة كما اقترح مكيافيللي، فإن نظريات المؤامرة تختص قطاع الـ "فاست فود" بكثير من جهدها ووقتها، وكأن الجدوى الغذائية والأضرار الصحية التي يعلمها القاصي والداني في تلك الوجبات، لا سيما الواقعة في خانة الـ "برغر" والمقليات والسكريات، ليست كافية، فإن بعضهم يتفنن في إطلاق وترويج نظريات مؤامرة تقف وراءها الشركات المالكة لهذه السلاسل ذائعة الانتشار، وأطرف هذه النظريات هي وجود قوى عظمى في العالم تخطط لإبادة سكان الأرض إبادة جماعية عبر "تسمينهم" بالوجبات الغارقة في السعرات، كما أن هناك من يروج بأن أعداء منظومة الأسرة التي تجتمع حول مائدة طعام بيتي واحدة يساندون مفهوم الـ "فاست فود" الذي يشجع تناول الوجبات بينما الشخص ينتقل من مكان لآخر أو "على الواقف" من دون الحاجة إلى العودة للبيت.

ومع زيادة عدد النباتيين في دول عدة وحاجة مطاعم الوجبات السريعة إلى مواكبة هذا التوجه، باتت قوائم الطعام تحوي وجبات نباتية تحظى بإقبال كبير مما دفع بعضهم إلى الترويج بأن هذه الوجبات النباتية الشهية تحوي لحوماً أو أجزاء من الحيوانات، لأن القائمين على أمر هذه الصناعة يعارضون مقاطعة اللحوم، وقائمة المؤامرات لا تنتهي ومعها جهود تعكير صفو الأرباح من قبل منافسين أو من قبل معارضين لمنظومة الوجبات السريعة.

منظومة الوجبات السريعة وجدت لتبقى إذ لم تعد فقط أطباقاً جذابة تحوي سعرات حرارية خاوية أضرارها تفوق فوائدها، كما لم تعد فقط عبارة أخرى للدلالة على الهوية والثقافة الأميركية، بل توسعت لتشمل وجبات سريعة صديقة للصحة، وهويات وثقافات عدة تنتقل بقوة المذاق وروعة النكهة من أقصى مشارق الأرض إلى مغاربها.

مستقبل الـ "فاست فود" العملي يحمل قدراً أكبر من الرقمنة والأتمتة حيث مزيد من تطبيقات طلب الطعام وإحلال العنصر البشري الذي يتلقى الطلبات وربما يجهزها ويقوم بتوصيلها بروبوتات، وهو ما يحدث بالفعل في عدد من الجامعات الأميركية ويلقى نجاحاً ورواجاً.