كتّاب عرب يستعيدون ذكرى هبوط أول إنسان على القمر... دهشة ورهبة وتمسك بالرومنطيقية

كتب الكثير في العالم عن حدث ابولو 11... روايات وقصص وقصائد

في مثل هذا اليوم 20 يوليو (تموز) قبل 50 عاما نزل أول إنسان على سطح القمر. كان الحدث بمثابة المعجزة البشرية المنتظرة، التي رسمت خطاً بين زمن وزمن، زمن ما قبل الهبوط على القمر وزمن ما بعده.  ولئن كان الحدث علمياً وتكنولوجياً وفضائياً، فهو كان أيضاً حدثا وجدانياً هزّ الذاكرة البشرية والمخيلة والقلوب والمشاعر... أذكر جيداً، كيف تجمّعنا، نحن صبية الحيّ، في تلك "الليلة"، وكيف صعدنا الى سطح بيتنا ورحنا نحدّق في القمر عسانا نبصر المركبة الفضائية "أبولو11" التي كنا نشاهدها على الشاشة الصغيرة بالأبيض والأسود... تطوف حول هذا الكوكب الصديق الذي طالما ملأ ليالينا بالظلال والحكايات. وأذكر جيداً خيبتنا عندما لم نبصر بعيوننا في تلك "الليلة"، المركبة تحط على القمر ولا الرائدين الفضائيين نيل أرمسترونغ وأدوين ألدرن، يمشيان على سطحه.

تلك الخيبة الطفولية البريئة، لم تتمكن من القضاء عليها المشاهد التي أبصرناها من ثم على الشاشة الصغيرة وصفّقنا لها كما لو أننا نصفّق لأبطال حقيقيين يغزون الفضاء أمام عيوننا. وأذكر أيضاً كيف أننا ظللنا نحدّق تلك الليلة الى القمر سائلين أنفسنا عمّا يفعل الرواد الفضائيون الثلاثة على سطحه، كيف يعيشون ويأكلون...

 في ذلك اليوم طلبت مجلة "لايف" الأميركية الشهيرة من الروائي الأميركي نورمان مايلر أن يواكب الحدث الفضائي ويجعل منه حدثاً روائياً. لبى مايلر الطلب وكتب روايته عن رحلة "أبولو 11" وجعل عنوانها "بيفواك على القمر".  في تلك الليلة كتب الشاعر اللبناني انسي الحاج نصا جميلا عن الحدث الذي كان يغطيه مع الصحافي غسان تويني، صاحب جريدة "النهار"  من باريس، وتمنى فيه لو ان الفريق الفضائي ضمّ شاعراً، فالمشهد يحتاج الى مخيلة شاعر كي يوصف بما يحيط به من سحر وغرابة.  الشاعر الأردني أمجد ناصر كتب نصا جميلا في الذكرى الأربعين للنزول على القمر قال فيه: "لو كنت شاعراً يوم هبوط أول إنسان على القمر، لما أعجبني الأمر ربما، لو كان قلبي يدق آنذاك، لسبب غير الخوف أو الهلع لما أعجبني الأمر أيضاً. فكيف يتحول القمر، مجاز الشعر الشهير ومجاز العشاق الأشهر، إلى كومة من تراب وصخور وتجاعيد؟".  وفي الذكرى الخمسين التي يحتفل بها العالم اليوم، صدرت في أميركا وأوروبا كتب كثيرة، علمية وروائية، وبعضها يحمل طابع المختارات التي تضمّ نماذج كثيرة مما كتب عن القمر من نصوص وقصائد وقصص. وهي تُضاف الى الروايات والقصص  والقصائد  التي كتبت سابقاً عن القمر، وكلها خيالية أو خرافية - علمية ومنها أعمال بديعة لكتّاب مثل جول فيرن وإدغار ألن بو وألكسندر دوما وبيار بول وسواهم.

في الذكرى الخمسين لهبوط أول انسان على القمر، توجهت "اندبندنت عربية" إلى كتّاب عرب طالبة منهم أن يستعيدوا هذا الحدث والأثر الذي تركه فيهم. 

ابراهيم عبد المجيد: حلم يقظة ... وأول جائزة

هذا الحدث ألهمني أول قصة أحصل عنها على جائزة. القصة كانت بعنوان "حلم يقظة بعد رحلة القمر". في صباح اليوم ذاته الذي نشرت فيه الصحف خبر هبوط أول إنسان على القمر، كنت في طريقي من الإسكندرية، حيث كنت أقيم إلى بلدة في محافظة البحيرة القريبة، حيث تعيش أختي مع زوجها. كانا على خصام وكان لا بد من تدخلي لأصلح بينهما. لكنني كنت أتساءل : "مالي أنا وتلك المشاكل؟". كنت في ذلك الوقت أعمل في الترسانة البحرية في الإسكندرية وأتردد على نادي الأدب في "قصر ثقافة الجرية" في وسط المدينة وكان يشرف عليه حينها الكاتب فتحي الإبياري الذي قرر إنشاء جائزة للقصة القصيرة يتنافس عليها كتاب من مختلف أنحاء مصر. وتزامن ذلك مع لقاء نظمته الترسانة البحرية مع السياسي السوري عبد الحميد السرَّاج الذي كان وقتها لاجئاً في مصر وأسند إليه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر منصباً اقتصادياً على ما أذكر. المهم أنه السراج تحدث في هذا اللقاء الذي حضرتُه مع زملائي في العمل، عن ضرورة تشجيع الناس على الادخار، فيما غالبية جمهور الندوة شبه مفلسين. أنا شخصياً كنت مفلساً تقريباً، ففكرتُ في ما قاله السرّاج وكتبتُ عقب الندوة قصة عن مفلس يذهب في رحلة إلى القمر. اشتركت بهذه القصة في مسابقة نادي الأدب، ففازت بالجائزة الأولى وقيمتها ثلاثة جنيهات. ثم نشرتها جريدة "أخبار اليوم" على صفحة كاملة بتقديم لمحمود تيمور وصفني فيه بأنني "كاتب موهوب". لاحظ تيمور كذلك أن تلك القصة كُتبت بتكنيك فني جديد يقوم على فكرة اللاشعور. ثم نشرت القصة ذاتها في كتاب بعنوان "طريق الشوك" يضم إلى جانبها قصصاً لكتاب آخرين، وفاتني أن أضعها ضمن قصص مجموعتي الشخصية الأولى، لكن الفوز بالجائزة شجعني على حسم أمر ترك الإسكندرية والانتقال إلى القاهرة، وشجعني أكثر على ذلك، تحويل تلك القصة إلى سهرة إذاعية، بواسطة فتحي الإبياري نفسه.

سيف الرحبي: ما أجمل زمن الخرافات القمرية

في ذلك الزمان الذي أضحى أكثر نأياً من القمر وسائر الأجرام السماوية التي ما زالت تضيء ليل البشر العابرين. عام 1969، حط آرمسترونغ رَحْله كأول كائن بشري على سطح الكوكب الذي كان بإشعاعه الغامض ولطخته المائلة إلى السواد، مثالاً للجمال ورفعته وضيائه. وبسبب هذا الفعل البشري الذي سيمضي قُدماً في اكتشاف الآفاق وأسرار الطبيعة وخوافيها، خفّت قليلاً رفعة الجمال القمري المعشوق وميتافيزيقاه.

فإذا كانت هذه القفزة العلميّة جاءت في سياق البلدان الممسكة بمفاصل العلم والطبيعة والتاريخ ، فماذا سيكون وقع الحدث على أبناء العالم الذي لم يكن يدخل تاريخ العصر الحديث من أي باب ولا نافذة، أو حتى خرم إبرة؟ ظل في نأيه غارقاً في تخوم المتوارث وما يشبه حياة الكهوف الحجريّة. 

تلك كانت حالة عُمان في تلك الفترة. كنتُ صغيراً بالكاد أسمع لغط أحاديث الكبار حول هذا الحدث الخارق. وكل أحداث العلم والاكتشافات خارقة، ولها مفعول السحر بالنسبة إلى بلد غارق بالكامل في الخرافة والأساطير. يتناهى الجدل في مجالس الكبار إلى سمع الطفل بما يشبه الهلوسات في تلك الهاجرة الكاسرة. وعلى الأرجح كان رفض الحدث ووقائعه كونه من صنائع "الكفار" وأكاذيبهم ، وهو المشترك الذي يتقاسمه الكثيرون في أنحاء العالم العربي والثالث.

كنت صغيراً ولا أتذكر إلا الحيرة والضياع وسط زوابع الكلام والهذيان الذي ولدّه الحدث الخارق وقتذاك. ولانعدام وسائل الإعلام بكل أنواعها عدا الترانزستور الذي يملكه قلة من الناس يستمعون فيه على الأغلب، إلى القسم العربي في الإذاعة البريطانية أو إذاعة صوت العرب المصريّة. وبما أن ذلك البعض الذي يستمع إلى الأخبار لم يتعود على لغة الخطاب الإعلامي يظل وعي الأحداث  لديه، ناقصاً نقصاً فادحاً، فيخضع إلى اجتهاد المستمعين القلة في أخبار بقية القوم في القرية أو القبيلة.

وكان فريق آخر لا يملك هذا الجهاز الإخباري الصغير أو أنه يحّرِمه كبدعة يمكنها أن تؤثر سلباً في دين المتدين وإيمانه المتماسك عبر القرون.

لكن أشباح الحدث الكوني مرّت على القوم وخلّفت بلبلة ولغطاً امتدا إلى سنوات لاحقة. وعبر السنوات اللاحقة، التحق "متعلمون" بالركب الرافض لحدث النزول القمري تحت ذرائع ومبررات "علميّة" هذه المرّة.

بمنحى آخر، هل قللّ الحدث حدّ التحطيم لشاعريّة هذا الكوكب الذي يستمد ضوءه من نجمته الأم الشمس، ليكون المرجع الجمالي الساحر، لجسد المعشوقة والمرأة الفاتنة على الخصوص وكل ما هو جميل؟

بالنسبة إليّ في ذلك الزمان، كانت كينونات السماء بمختلف نجومها، كواكبها وأجرامها وتلك النيازك والشُهب التي تتساقط في ليل القرية المحتشد بالأطياف، ملاعب طفولة ودهشة لا تضاهيها كائنات وحيوات على أرض البشر. لم أكن أعي وجودي الأرضي إلا في  ضوء حيوات السماء أو الفضاء المترامي بالسحر والتعالي والغموض...

هذه القفزة العلميّة المزلزلة من الأرض إلى الفضاء، ربما لا تعني شيئاً حتى لفلاسفة غربيين (روسو) على سبيل المثل العابر في جانب رؤيته "إنسان الطبيعة"، بل ستكون مثل سائر إنجازات العصور الحديثة، وما قبلها، فساد حياة وأخلاق وعبث لا طائل من ورائه.

جودت فخرالدين: أرْضٌ وقمَر (قصيدة)

خطوةٌ، خطوتان، ثلاثٌ ...

برفْق ٍتُلامِسُ وجْهَ القمَرْ.

لا كما لامستْ قبْلُ أرْضاً،

غدا وجْهُها مثلَ وجْه ِالأسير ِ،

لكثرة ما فعلتْهُ جموعُ البشَرْ.

خطوةٌ، خطوتان، ثلاثٌ ...

وإذْ بالأساطير تغدو قفاراً،

وإذْ بالقفار على الأرض تغدو بلا أمل ٍ.

عُرْيُها في الليالي حيالَ الضياء غدا خجلاً،

لم يعُدْ نشوةً ...

خطوةٌ، خطوتان، ثلاثٌ ...

وها هو من بعدِها قمَرُ الناس ِ،

يكبو وينهضُ عبْرَ الليالي،

يُجرجرُ خيْبتَهُ ...

بات في فلك ٍجاحد ٍ.

والبشَرْ.

جاحدونَ،

يُضيعونَ في الكوْن أقمارَهمْ،

حين يتّبعونَ الإشارات ِ( تأتي إليهمْ

من الغيْب حيناً، من العلْم ِحيناً ) .

يظلّونَ يتّبعونَ الإشارات ِنحو الأقاصي،

فلا يحْفَلونَ بشمس ٍتُهدّئُ من روْعهمْ

أو قمَرْ.                                          

 علوية صبح: قمر فيروز والمنام

 خمسون عاماً هي مسافة بعيدة في الذاكرة  حتى أنني أبدو كأنني أستعيد ردّ فعلي حيال نزول أول انسان على القمر وكأنه شيء يشبه المنام. أذكر حينها أنني انحزت إلى قول المطربة الكبيرة فيروز حين سألوها عن رأيها بالحدث فقالت: "يصطفلو، القمر بالنـــسبة لي رح يضل القمر اللي غنيتو". لقد صدقتها لأنني أصـــدق فيـــروز أكثر مما أصدق العلم. رحت أستعيد كل ما غنته عن القمر، ووجدت وما زلت أجد، أن قمر فيروز وعاصي ومنصور هو قمري. القمر الذي غنته فيروز بألحان وكلمات الاخوين رحباني في أغنيات عدة، هو جزء من ذاكرتنا ومن تذوقنا الأول للعالم والحب والطفولة وأشياء كثيرة من بينها القمر. انني استعيد دائما اغنية "يا قمر مشغرة" و"القمر بيضوي ع الناس" و"طلع القمر غفي حبيبي"...

وجدي الاهدل: سيصبح  القمر متنزهاً للعائلات

ولدتُ بعد ذلك الحدث الجلل ببضعة أعوام، لذلك عشتُ فترة الطفولة مع أقراني في حال من الهوس بكل ما له علاقة بالفضاء والكواكب والنجوم. ولو سُئلتُ في تلك السن عن توقعاتي بشأن المستقبل، لقلت من دون أدنى تردد إن البشر سينشئون المستعمرات في كل كواكب المجموعة الشمسية، وسيكون بإمكان أيّ شخص شراء شقة للعيش في الكوكب الذي يناسبه، وإن القمر سيصبح متنزهاً للعائلات ومحطة مزدحمة بحركة المرور من وإلى الأرض والكواكب الأخرى.

ما كنت أفكر فيه وقتها أن مسألة غزو الكواكب – بعد إنجاز هبوط الإنسان على سطح القمر- هي مسألة وقت لا غير، أمر مفروغ منه، ويأتي في سياق التطور الحتمي للحضارة البشرية، وكنت أترجى أن تحدث هذه القفزات العلمية الضخمة في المدى المنظور لحياتي وحياة جيلي... لكن يتبين اليوم أن قادة العالم في الغرب والشرق آنذاك قد خذلوا أطفال العالم، ولم يكونوا بعيدي النظر بما يكفي لفهم حلم كل طفل في العالم! لقد أنفقوا تريليونات من ثروات الأمم في سباق التسلح والحروب الساخنة والباردة والصراع على النفوذ السياسي، ورموا الفتات لبرامج غزو الفضاء! فخسرت البشرية أزهى وأجمل أحلامها، وبدلاً من توحيد البشر بكل أعراقهم وأديانهم وأجناسهم للتطلع نحو هدف مشترك هو الفضاء الكوني، انحدر القادة إلى صراع بائس محدود النظر، أغرق الجنس البشري في الوحل.

هاشم شفيق: هذا جيمس بوند أرسلته الاستخبارات الأميركية

كنت صغيراً في طور المراهقة، حين غزا الأميركيون والروس القمر. كان في بيتنا تلفزيون، دون بقية الزقاق، أهل الجيران وبناتهم وفتيانهم تجمعوا في بيتنا لرؤية الإنسان النازل على القمر، وكأنه سينزل على سطح بيتهم. بعض الناس البسطاء قالوا: هذا كذب وافتراء ولعب بعقول الناس وحرام، ليس بمستطاع الإنسان النزول على القمر. وقالوا: إنها فبركة من أجهزة الاستخبارات الأميركية وجيمس بوند بالذات. الناس الواعون وبالأخص الناس الذين ينتمي بعض أبنائهم إلى الأحزاب العلمانية، كالشيوعية والبعثية، كانوا يقولون: العرب أيضاً يستطيعون الذهاب إلى القمر، فنحن اكتشفنا كل شيء، ويمكننا اكتشاف القمر وأخواته من النجوم، ونستطيع أن نكتشف المريخ كذلك، ألم يكن لدينا في الماضي البعيد فلكيون وعلماء؟ فنحن نستطيع الوصول إلى كل السماء، والسكن في الأعلى.

بعد ذلك قال الناس: ألم تشاهدوا صورة الزعيم عبد الكريم قاسم في القمر، بعض حرّاسه وضعوا صورته هناك، وسيقوم هو بزيارته مع كوكبة من علمائنا، وسيصير القمر تابعاً لنا. فأميركا ليست أقوى من إرادة الزعيم، وسيوزّع الزعيم بعض قطع الأراضي على الفقراء أولاً، ويحرم الأغنياء منها، فهم لديهم المزيد منها في الأرض التي أفسدوها. زعيمنا معنا، والقمر سيكون النزهة القادمة لنا. أنا من طرفي كنت حائراً، وكنت أفكر أني سأسبق الجميع، سأذهب إلى أميركا بالأوتوستوب، فهي مكتشفة حديثاً، مثل اكتشافهم للقمر، ومن هناك سأذهب بالطائرة، وبطريق الأوتوستوب أيضاً إلى القمر، ولسوف أكف عن التفكير فيه، وكتابة القصائد البدائية التي تتغزل به، خصوصاً بعد رؤية الناس أكوام الحجارة هناك. 

شاكر نوري : لحظة انتهت أسطورة القمر

ما الذي كان يفكرُ به الإنسان عن القمر قبل خمسين عاماً؟ هل تغيرت صورة  القمر أم صورتنا بعدما لامس الإنسان ذلك السطح الموحش بحواسه؟ في الواقع أن أسطورة القمر انتهت منذ ذلك التاريخ وما عاد الخيال يغذي الأوهام والتعاويذ والصلوات عنه. وإذا بنا نتساءل: هل يمكن أن نشبّه القمر بفتاة جميلة كانت تخفي مفاتنها طوال هذه السنوات؟ وهل كفّت عن إخفائها بعد لحظة الاكتشاف؟

القمر امرأة، ألهذا عشقته الذئاب؟ إن كثرة النظر إلى وجه القمر تجعل الإنسان يستذئب. وما عاد كذلك يحدث بعد اكتشاف القمر. لطالما عبدت بعض الشعوب الغابرة القمر من إيمانها المفرط بأسطورته. وبعضهم رأوا وجوه قادتهم المحبوبين في نصف القمر، وبعضهم الآخر رأوا آلامهم في النصف الآخر. ومن ثم، دجّن الإنسان الطبيعة من أجل أن يتحداها. ولم يفعل هذا التحدي سوى بغية إبطال هذا السحر.

بعد مرور خمسين عاماً على اكتشاف القمر، لم نعد ننظر إليه كما كنا ننظر إليه في الماضي. لقد أدى شغف المعرفة بالإنسان إلى مغامرة الموت. ولكن الرجل الذي وطأ سطح القمر بقدميه، لم يمت بل أماط اللثام عن حب فضول أو إثارة. هل كان علينا نحن البشر أن نصعد إلى القمر على متن مركبة أبولو،  إله الشمس والموسيقى والشعر. ننسى القمر ونتذكر اسم نيل أرمسترونغ، أول مَنْ وطأت قدماه سطح القمر، وأنشد إلى إله الإغريق.

لكن المسألة لم تنته، بل بدأ صراع البشر على الأرض وسرعان ما انتقل إلى القمر، وبدأت الأمم تنشر أقمارها الاستطلاعية لتطل علينا برؤوسها من الأعالي. ثم توقف الشعراء عن مغازلة القمر بعدما فاضت قصائدهم فيه حباً وهياماً وتوجعاً وسؤالاً. ما الذي حصل يا ترى، بعد خمسين عاماً؟ لا شيء، القمر هو ذاته لم يتغير بل نحن الذين تغيّرنا. وهنا تكمن المفارقة. أي أن المعرفة مزقت الرومنطيقية، ونخشى من كثرة التحديث في القمر أن نتحول إلى ذئاب. ألم تجنّد الأمم كل أقمارها الاستطلاعية بغية القضاء على تطرف الذئاب في حياتنا الحالية؟ يكفي أننا ندور في فلك القمر كل يوم، شروقاً وغروباً. ألا يكفي ذلك أن يفتخر القمر بوجوده حتى بعدما اكتشفنا حقيقته؟!
 
نبيل سليمان: لا تصدق الخبر

هي قرية شقّ أهلوها – وليس الدولة - الطريق التي وصلتها منذ سنة بمدينة جبلة. بيتٌ طيني رحب، راديو وحيد ومهيب، شيخ سبعيني هو جدي، وأنا ذو الاثني عشر عاماً، حامل السرتفيكا، والوقت نهار خريفي طار بي من الدريكيش البعيدة البعيدة، حيث أتعلم تحت جناح والدي الدركي زوج "التنتين".

ربما كانت عطلة مدرسية طارئة في ذلك النهار الخريفي الذي ناداني فيه الراديو وهو يعلن أن كلبة قد نزلت على القمر. ناديت جدي مبهوراً وهلوعاً في آن معاً. كان ضوء القمر في ليالي الصيف يلفحني بالدوخة. ومنذ تنبهت إلى أن جدّي يبتهل إلى القمر، تشوشت الدوخة اللذيذة بالخوف.

لكن سبوتنيك 2 حملت الكلبة لايكا يا جدي من موسكو إلى القمر. ولايكا تعني النباحة كما سأعلم كبيراً، وجدي الذي يؤلّه القمر كما سأعلم كبيراً، يصغي ويغمغم، وحين يكتشف فجأة أنني بجانبه يعبس، فيتنغص فضولي، وفجأة تداهمني فرحة، وأصحو على كف جدي تمسح على شعري، وعلى أن الراديو ما عاد يتحدث عن القمر والكلبة.

لأمرٍ ما تحاشيت الراديو مثل جدي، وما كانت أصابع لغيرنا تلامسه. وعندما سطع ضوء القمر، وكنا نسهر أمام البيت، أشار جدي، فتبعته حتى نهاية كرم المشمش. ثم توقف، وشبك كفه بكفي، وطارت عيناه إلى القمر، وجاءني صوته محشرجاً: لا تصدقهم يا ابني، حاشاك يا مولاي.

في الخريف التالي، وكانت إقامتنا قد انتقلت إلى طرطوس، سأستعيد صوت جدي بينما الراديو يخبرنا أن محاولة لونا 1 للنزول على سطح القمر قد فشلت. وسأحتار بين الفرحة رأفة بجدي، وبين الحسرة. وفي شتاء تلك السنة الأولى من قيام الجمهورية العربية المتحدة (الوحدة السورية المصرية 1958) سيتكرر فشل لونا 1. وبعد قليل، سيرحل جدي.

في 13/9/1959 تنجح لونا 2، وتنطلق فرحتي حرّةً من ظلال جدي، لكن ذكراه ستحضرني كلما جدَّ جديد قمري: لونا 3 والرحلة إلى ما بعد القمر، فالنتينا تيرشكوفا، نيل أرمسترونغ... وكم تمنيت لو أن جدي عاش ليقرأ كتاب الشيخ أحمد حيدر "ما بعد القمر" الذي زلزل في الساحل والجبل الاعتقاد بألوهة القمر، ما جرّ على الرجل تكفير خصومه.

كم تمنيت لو أن جدي عاش ليقرأ ما قرأت كبيراً عن عبادة القمر لدى شعوب كثيرة... والحسيون والسومريون والبابليون والنبطيون والكنعانيون واليابانيون والهنود و... ألا يكفي أن أساطيرنا العربية تحدثنا عن زواج الإله القمر بالشمس وإنجابهم لللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى. كم تمنيت لو أنه عاش لأحدثه عن صورة الوجه التي تملأ القمر الساطع، وجه يشبهه هو، ولا يشبه وجه صدام حسين ولا غير صدام حسين، من الذين تردد عقب موت أي منهم أنه قد حلّ في القمر، وهذا وجهه لو كنتم تعلمون.

لا، هذا وجه جدي. هذا قمر جدي، أي هذا وجه فيروز، هذا قمرها، وفي الآن ذاته، بصراحة، هذا وجه من أحببت من النساء، ولأنهن كثيرات، يتخلّق القمر أقماراً كلما رنوت إليه.

علي عبدالله خليفة: صورة لن تتبدل

ظل القمر في عليائه المبهرة مادة ثرية لإلهام المبدعين عبر آلاف السنين، تلك الاستدارة الذهبية المتوهجة والمتحولة، وهذا البعد المترامي للرائي إليه من على الأرض أوجدا شغفاً إنسانياً حميماً بذلك المصباح الكوني المنير وتركا في النفس البشرية نزوعاً لاستكناه ماهيته؟ وما الذي وراء هذا الضياء العبقري الذي ينير الليالي مؤنساً ومسامراً لطيفاً من بعيد؟ وكيف يغيب ناشراً العتمة؟ وكيف يعاود الظهور التدريجي المبهر على استحياء.

قرأت كثيراً عن القمر في بداية شغفي المحموم بالقراءة عن كل شيء، وأتذكر مقالاً علمياً بديعاً نُشر عن القمر في مجلة  Knowledge الواسعة الانتشار وقتها، عندما كنت طالباً في الثانوية العلمية العامة عام 1960، تلك المقالة المصورة قدمت مادة علمية وفنية وأدبية، كُتبت بعناية شفافة شدتني كثيراً لمتابعة القراءة في مصادر أخرى حول القمر ومكوناته الجيولوجية.

كانت كل تلك الحقائق العلمية المبرهنة عن هذا الكوكب في جانب وكان القمر في بهائه الكوني الجميل في جانب آخر، لم تتأثر صورته في المخيال، ولم يخبو سحره الجمالي الشاهق علي وظل هو هو كما رأيته وتأملته طفلاً صغيراً من بعيد عبر الحكايات والأشعار والأزجال الشعبية وفي تعابير الحب والعشق والغرام في الأغاني وتداول المواويل والأبوذيات وتعابير عامة الناس في الحواري والأزقة.

وعندما شاهدت بذهول منجز وصول بشر إلى القمر وتحرك إنسان على سطحه لأول مرة، أدركت قيمة الإصرار البشري على تحدي المستحيل والوصول بالطموح الإنساني إلى أبعد منتهى، وقد أُعجبت كثيراً بالتخطيط والعمل المتقن الذي قاد البشرية إلى تلك اللحظة التاريخية العظيمة، ليس بالوصول إلى ذلك المكان فقط وإنما أيضاً بالنقل التلفزيوني الحي المباشر للحظة الوصول. من وقتها، تابعت بإعجاب وانبهار ما تنشره الصحف والمجلات عن المركبات الفضائية التي تتالى وصولها إلى القمر لأخذ عينات من التربة والصخور للتعرف على جو ذلك الكوكب ومكوناته والمناخات التي تحيط به، إلا أن شيئاً بداخلي جعل القمر الذي أعرفه منذ أن كنت طفلاً هو قمر آخر غير الذي أرى وأسمع وأقرأ عنه بعدما داست أقدام على سطحه.  في مخيالي الشعري وبصورة عفوية بحتة، ظلت صورة القمر الجميلة المبهرة والموحية هي هي لم تتغير، وظل ذلك الشغف الشفاف الذي تملكني منذ البداية بكل ما يعنيه القمر في موروثاتنا وفي كل التراث الإنساني لم تتغير... وستظل.

هناك الآن ترتيبات لرحلات بشرية سياحية إلى القمر، فهل سينقل الإنسان صراعاته وحروبه وعداواته إلى القمر؟ أم أن عالماً جديداً سيُستحدث على سطح هذا الكوكب؟؟

 

هالة البدري: أتمنى أن أتواصل مع كائنات الفضاء

أرى عكس كثيرين رأوا في مسألة هبوط أول إنسان على سطح القمر أنها ستهدم فكرة الرومنطيقية عند المحبين وما يشع هذا الكويكب في النفس من جمال ليلي يأخذها إلى مسارب كثيرة في الحب والصفاء الروحي، ومشاركة المحبين في السُهد والسهر والمواعيد الجميلة. لم تختلف نظرتي إلى القمر. لم يتحول إلى حجارة، أبداً، على الرغم من أنني لم أنس مطلقاً الحماسة التي صاحبت نزول نيل أرمسترونغ على القمر ببدلته المنتفخة وحركته العشوائية بسبب انعدام الجاذبية. حتى إنني في أول زيارة لي إلى الولايات المتحدة الأميركية، ذهبتُ إلى متحف الفضاء في واشنطن دي سي، ودخلتُ لأرى مركبة الفضاء التي وصلت إلى القمر. كانت المفاجأة الحقيقية لي أنني رأيتُ كوخاً أو صندوقاً صغيراً من الصفيح. لم أستطع أن أفهم أبداً، كيف استطاعت هذه العلبة الصفيح أن تصل إلى القمر. ولأني روائية، شغلتني حياة أرمسترونغ نفسه وشغلتني أكثر حياة ركاب "أبولو 11" ، وما نتج من تلك الرحلة في ما يخص البحث العلمي ومستقبل البشرية. ثارت في نفسي أسئلة حول تسابق دول عدة للوصول مبكراً إلى مساحات مِن الفضاء الخارجي. وبقي سؤال أتمنى أن تكون إجابته هي اتحاد دول العالم لضخ أموال ومساعدة علماء الأرض لدفع الجهد ناحية الفضاء دفعة كبيرة، تنقل الإنسانية نقلة علمية وحياتية ومعرفية نحو مستقبل مختلف. هذا ما أفكر فيه كلما نظرت إلى القمر الذي أعشقه كما هو حلماً ووهماً، وبداية في الوقت ذاته لانطلاق إلى عالم أعرف تماماً أنه موجود. هناك كائنات أخرى قد تشبهنا وقد لا تشبهنا. أتمنى أن تتنامى إمكاناتنا للوصول إليها حتى أراها قبل انقضاء العمر، فالعالم بالقطع سيختلف تماماً إذا اتصلنا بباقي الكائنات التي تضمها مجرتُنا أو ملايين المجرَّات الأخرى.    

طالب الرفاعي: استغفر الله العظيم…

تاريخ 20 يوليو (تموز) 1969، كان عمري عشرة أعوام، يومها وفي مسجد الحي/الفريج، في منطقة شرق، وبعد صلاة المغرب، جرى حديث بين والدي، أمام المسجد ومجموعة من أصدقائه المصلين، وكنت طفلاً يسترق السمع لحديثهم:

"استغفر الله العظيم، كيف يمشي إنسان على القمر!"

هذه الجملة كانت محور حديثهم بتعجبهم واستبعادهم للفكرة، واستحالة أن يستطيع إنسان الوصول إلى القمر، بل يترجل من مركبة فضائية ليدوس بقدميه عليه!

رجع أبي إلى البيت بعد صلاة العشاء، وحين وضعت أمي العشاء له، وقبل  أن يمدّ يده إلى الطعام رفع وجهه ناظراً إليها، وباعثاً بجملته:

"يصير، الإنسان يمشي على القمر، ويدوس عليه برجليه!"

ظلت أمي تقف وكأنها لا تفهم ما يقول، وحين شرح لها الخبر، جمعت أمي نظرة وجهها، قائلة:

"بسم الله الرحمن الرحيم! هذه علامات القيامة!"

وصمتت لبرهة قبل أن تعود إلى مخاطبة أبي:

"ليس كل ما تقوله الأخبار صحيحاً."

في تلك الليلة وكما في كل ليلة كنا ننام على السطح، نواجه السماء بنجومها وقمرها، وليلتها بقيت أنظر من سريري إلى السماء وكلي انبهار مخيف، فكيف يستطيع إنسان قطع هذه الظلمة الموحشة؟ وإذا قُدّر له ذلك، فكيف يستطيع أن ينزل على سطح القمر المضيء المشع بنوره؟ ثم إذا صدقت الأخبار، فكيف بهذا الإنسان لم يحترق؟ أخذتني أسئلتي إلى خيالات كثيرة، ولا أدري متى سقطت في بؤرة نومي.

في اليوم التالي، وفي حصة العلوم، أخبرنا الأستاذ أن إنساناً اسمه نيل أرمسترونغ مشى على القمر وأن العالم مبهور بهذه الحادثة.

"هذه أخبار كاذبة."

علّقت بجملتي، فتبسم وسألني:

"منْ قال ذلك؟"

ترددت أقول أمي، فأجبت:

"سمعت الرجال يتكلمون في المسجد."

وكما لو أن المدرس قرأ ما يدور في بالي، فقال:

"قل للجميع إن الحادثة حقيقية، وإن الله يعلّم الإنسان ما لا يعلم."

توفي أبي وأمي رحمهما الله، ودارت الأرض دورتها، وجاءت الإنترنت، ومحركات البحث، وعصر الصورة المتحركة، وصارت أخبار القمر شأناً عادياً، بل وصل الأمر بالتخطيط لتسيير رحلات فضاء جماعية إلى القمر لمن يرغب. ولذا ننتظر أن يبعث أحد زوّار القمر بصورة سيلفي له مع حبيبته وهما يدوسان سطحه.

 

المزيد من ثقافة