مدير "كوندا" التركية للأبحاث: حزب العدالة والتنمية مشلول وتعافيه في غاية الصعوبة

بكر أغردر: كتلة الناخبين الأساسية انخفضت من 38% إلى 27%... والانهيار مستمر


بكر أغردر المدير العام لشركة كوندا التركية لأبحاث الرأي العام في مكتبه بشيشلي (إندبندنت تركية)

تعمد كثير من شركات استبيان الرأي عند كل دورة انتخابية في تركيا إلى نشر أبحاثها، لكن العيون سرعان ما تتطلع إلى نتائج أبحاث شركة "KONDA كوندا"، التي أسسها تارهان أردم، ويقوم على إدارتها اليوم بكر أغردر، فإذا ما ذكرت "كوندا" تبادر إلى الأذهان "أوثق شركة أبحاث للرأي العام في تركيا".

المدير العام للشركة، بكر أغردر قدّم لـ"إندبندنت تركية" تقييمه للواقع السياسي المرتقب عقب استقالة علي باباجان "قلبياً وعقلياً" من حزب "العدالة والتنمية" ليشرع بـ"عمل جديد".

وقال أغردر، بعد أن تحدث عن وجود توازن بين السلطة والمعارضة بنسبة 51- 49 بالمئة، إن حصول حزب باباجان على نسبة 2% فقط كفيل بأن يخلّ بتلك النسبة. كما يلفت الانتباه إلى أن الأحزاب شهدت وفقاً للأبحاث الأخيرة تغيرات طفيفة في الأصوات وأن تلك التغيرات سيكون لها تأثير كبير على السياسة، مؤكداً على أن حزب "العدالة والتنمية" يشهد انحداراً وأن تعافيه أمر شاق.

تحدث أغردر عن وصول نسبة الناخبين الحائرين إلى 40% وأن معظمهم ناخبون سابقون لحزب "العدالة والتنمية"، وذكر أن حزب "العدالة والتنمية" أصيب بالشلل وأنه تحول إلى جهاز بيدّ زعيمه يستخدمه للاستمرار في السلطة.

وأكد أغردر على أن علي باباجان المتوقع إنشاؤه حزباً جديداً سيحقق نجاحاً إذا استطاع تطوير خطاب بعيداً عن المناح السياسي التركي ذي الزوايا الأربعة، وأضاف أن السلطة ستشهد في المستقبل نزاعاً بين أكرم إمام أوغلو وعلي باباجان، وأن صلاح الدين دميرطاش سيكون بمثابة زعيم المعارضة على الساحة السياسية.

وإليكم كامل الحوار الذي أجريناه مع أغردر مع ساعات بدء تسليم تركيا صواريخ إس 400 الروسية التي تعارضها أميركا:

كتلة من الأزمات

مع بدء استلام تركيا صواريخ إس 400، سيؤثّر ذلك وينعكس على السياسة في حال تم فرض عقوبات وتزعزع الاقتصاد، فتركيا تواجه كثيراً من المشاكل، لكنها تسير ضمن إيقاعها ولم تتحول إلى فوضى، بحيث تفاقم كلٌ منها الأخرى. وإذا ما نظرنا إلى السياسة الخارجية نرى مواضيع مثل إس 400 وشرقي المتوسط وسوريا، ومشاكل لنا مع كل من الصين وروسيا والولايات المتحدة الأميركية ومع كل البلدان تقريباً. فالسياسة الخارجية كتلة من الأزمات تشكلت طبقات بعضها فوق بعض.

إس 400... دور تصعيدي

إذا نظرنا إلى الداخل وجدنا أزمة اقتصادية من جهة، ومن جهة أخرى أزمة ديموقراطية ناجمة عن تضيق الساحة السياسية، واستقطاب اجتماعي. وعندما تبدأ كل من تلك المسائل تؤثر في بعضها البعض ستبدأ كل منهن تولّد نتائج ضخمة جرّاء ثقلها. ولصفقة إس 400 دور تصعيدي مؤثر أيضاً. فإذا ما أدى التوتر الموجود مع كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية وحلف الناتو إلى مقاطعة اقتصادية فستهيّج الأزمة الاقتصادية الأزمة السياسية. بالتالي إذا كان ثقل مشكلة إس 400 "1" فقط، فسيكون ثقل نتائجها "10" وتحمل خطر بدء مرحلة جديدة.

الموازين تسير لصالح المعارضة

بالتأكيد، إن مربط خيل قضية صفقة إس 400 ومحور رحاها هو مشكلة الأزمة السياسية. وما أقصده بالأزمة السياسية: أن البلد تشهد استقطاباً سياسياً واجتماعياً. حيث كان الاستقطاب فيما مضى يسير لصالح السلطة بنسبة 51-49. وقد استطاعت السلطة خلال السنوات الخمس الأخيرة بشكل أو بآخر أن تكسب الأغلبية في 8 دورات انتخابية.

لكن إذا ما حصل الحزب أو الأحزاب المزمع تأسيسها على نقطتين من نقاط السلطة فستختل نسبة 51-49 التي كانت لصالح السلطة، وهذا مهم لارتفاع معنويات المعارضة. وقد كان ارتفاع المعنويات قد انتقل أصلاً لساحة المعارضة مع انتخابات 23 (يونيو) حزيران. بل وحتى قبل ظهور مسألة اعتزام تأسيس حزب جديد، كان ثمة انطباع بانقلاب نسبة 51-49 لصالح المعارضة.

تتغير الآليات بالتجربة والخطأ

ونستطيع أن نقول أيضاً فيما يتعلق بالأزمة السياسية: إننا انتقلنا إلى النظام المسمى بالنظام الرئاسي، وقد ظهر اليوم أنه لا يوجد أي تصميم هندسي أو مشروع حيال هذا النظام. وآليات الدولة تتغير بالتجربة والخطأ، ونحن أمام مشاكل إدارية نتجت عن تحول في النظام بهذا الحجم وعن التحرك بإرادة شخص واحد دون السعي إلى اتفاق.

تعيش الدولة انحطاطاً هائلاً

يرى كل من له معاملة مع مؤسسات الدولة من أصغر وحدة إلى أكبر وحدة ومن أبسط معاملة في دائرة النفوس إلى قضية قيام شركة ما بتشجيع مهم جداً؛ أن الدولة تعيش انحطاطاً هائلاً.

ليت الأمر بتلك البساطة

برأيي أنه ثمة حل فيما يتعلق بالنظام الرئاسي. فالذي أحدث هذه الأزمة السياسية هو عدم استقرار الساحة السياسية على التفاوض. فالنظام لا يعمل من خلال المباحثة والإقناع بل يعمل من خلال فرض أحدهم تفوّقه العددي على الآخر. أما المشاكل التي تواجه تركيا اليوم فهي المشاكل التي تجعل التوافقات ممكنة.

وليست أية مشكلة من المشاكل التي تحدثنا عنها، مشكلة يمكن إدارتها من قبل شخص أو حزب أو هوية معينة، ليت الأمر كان بتلك البساطة. فالسياسة لا تتمتع بمهارة إدارة هذه المشاكل، أنا أسمّي هذا الأمر بالأزمة الديموقراطية أو الأزمة السياسية.

إمكانية أخذ أصوات من كل حزب أمر وارد نظرياً

عند النظر إلى الأسماء التي يقال إنها ستكون في الحزب الجديد نجد بالطبع أنهم سيأخذون أصواتهم أولاً من السلطة. لكن ما يقارب النصف من الشعب التركي فقدوا أملهم في الفاعلين السياسيين الموجودين وفي إمكانية حل المشاكل العالقة عن طريقة السياسة عموماً. هؤلاء الناس ليسوا من ناخبي حزب واحد، بل من جميع الأحزاب، لهذا السبب إمكانية أخذ أصوات من كل حزب أمر وارد نظرياً.

هوية الحزب الجديد

إذا نظرنا من الجهة الأخرى إلى الساحة السياسية التركية وجدنا أن السياسة قد علقت عند سياسة الهوية، وأن المحورين اللذين يعرّفان السياسة والنسيج الاجتماعي هما التطور الاجتماعي الاقتصادي والهوية الثقافية، وثمة حزب في كل زاوية من الزوايا الأربع التي يتمتع بها المحوران: حزب العدالة والتنمية، وحزب الشعب الجمهوري، وحزب الحركة القومية، وحزب الشعوب الديموقراطي. ولأن كل حزب من هذه الأحزاب الأربعة يمارس السياسة من خلال هويته فتركيا تعيش انسداداً، وإذا تموضع الحزب الجديد من خلال الهويات الأربع فمحط رحاله معروف.

حزب العدالة والتنمية خسر ناخبيه المتعاطفين

إضافة إلى أن الأحزاب الجديدة التي ستنشأ ولو لم تهدف إلى ذلك فإننا نستطيع القول إنهم سيأخذون أصواتاً من حزب العدالة والتنمية من خلال الصورة التي قدّموها إلى الآن والموقع الذي توقعه المجتمع لهم. لأنه ثمة انحلال في حزب العدالة والتنمية، فلما كان حزب العدالة والتنمية فيما مضى يمتلك بمفرده 52 أو 53 بالمئة من الأصوات، كانت نسبة 38 بالمئة من الأصوات ناخبين يمثلون القاعدة الأساسية للحزب التي لا يمكن أن تغير حزبها ولو وضعت السلاح في رأسها. حيث كان يصوّت فوق تلك النسبة 13- 14 بالمئة ناخبون متعاطفون، وقد خسر حزب العدالة والتنمية ناخبين متعاطفين معه بنسبة كبيرة.

انخفضت القاعدة الأساسية للناخبين إلى 27%

خسر حزب العدالة والتنمية من قاعدته الأساسية خسارة فادحة، كانت بنسبة 38 بالمئة، أما اليوم فقد انخفضت إلى 27%. والقسم المحلول عن حزب العدالة والتنمية تمثلت ردة فعل نحو 4-5 نقاط منه بالإحجام عن الإدلاء بأصواتهم، فيما صوّت القسم الباقي لحزب الحركة القومية المشارك بالسلطة، بدلا من أن يصوّت للمعارضة.

القاعدة الأساسية والمتعاطفون والمنطقة الرمادية

لدينا تصور كالتالي: إذا نظرنا إلى 57- 58 مليون ناخب بعين الحزب، فإننا نطلق على أقرب كتلة من الناخبين اسم القاعدة الأساسية، وعلى الحلقة الثانية اسم المتعاطفين، ثم يليها مجال رمادي. ثم تأتي القاعدة الأساسية (النواة) للأحزاب الأخرى والمتعاطفين معها، فناخب حزب ما من النواة إذا ما بدأ بالاحتجاج والنقد لا ينتقل مباشرة إلى حزب آخر، بل ينتقل إلى حلقة المتعاطفين، وإذا استمر النقد والاحتجاج في حلقة المتعاطفين ينتقل الناخب إلى المنطقة الرمادية. حينها يبدأ الناخب في المنطقة الرمادية بفتح أعينه على وجه جديد وإلقاء سمعه لصوت جديد وكلام جديد. والغالبية العظمى للناخبين الموجودين اليوم في المنطقة الرمادية تتكون ممن صوتوا لحزب العدالة والتنمية، لكنهم في موقع نقد متصاعد.

السلطة عاجزة عن إقناع الناخب "الرمادي"

نعم اتسعت المنطقة الرمادية، لكن ثمة تغير في غاية الأهمية. فقد كان الناخبون في هذه المنطقة إلى اليوم يرون أنفسهم قريبين من السلطة في كثير من القضايا ويصوّتون لها. لكننا هذه المرة نرى بحسب أبحاثنا اتساع المنطقة الرمادية وتوجه قلوب وعقول أرباب هذه المنطقة إلى المعارضة أو نحو صوت جديد لا إلى السلطة. حيث باتت السلطة عاجزة عن إقناع الناخب الموجود في المنطقة الرمادية وفقدت واقعيتها.

أصيبت آلية حزب العدالة والتنمية بالشلل

تبدو إمكانية جذب السلطة من جديد ناخبها الذي ابتعد عنها صعبة جداً، لأن آلية حزب العدالة والتنمية أصيبت بالشلل، فقد كانت إحدى أهم ركيزتين من ركائز آلية الحزب تنظيمه، أما الركيزة الثانية فقد كانت سعته ونجاحه في الإدارات المحلية، وكلتاهما اليوم مشلولتان، فالآلية التي نسميها اليوم حزب العدالة والتنمية تحولت إلى جهاز بيد زعيمها يستخدمها للاستمرار في السلطة.

ومن الصعوبة بمكان استعادة وضعه الأصلي بعد الانحلال الذي تعرض له. طبعاً وإلى جانب ذلك ينبغي ألا ننسى أن حزب العدالة والتنمية لا يزال اليوم يمتلك أكبر كتلة متصلبة من الناخبين.

هدف الأجهزة الحزبية استمرار سلطة القائد

كانت الأصوات التي حصل عليها حزب العدالة والتنمية عام 2002 أصوات الحزب. والأصوات التي حصل عليها عام 2007 كانت نتيجة نجاح 5 سنوات. أما الأصوات التي حصل عليها في نهاية الفترة الممتدة من 2007 حتى 2011 فقد كانت ما حصده الحزب من الاستقطاب. أما الأصوات في عام 2015 وما بعده فقد كانت لأردوغان، ثم تغيرت آلية عمل الحزب التي تنطلق من الأسفل إلى الأعلى بعد 2015. فقد كان همُّ رئيس البلدية أو رئيس المقاطعة أو الناخب فيما مضى هو ذاته همُّ الحزب.

لكن وبعد أن تغيرت البنية وباتت تسير من الأعلى إلى الأسفل بات رئيس البلدية أو رئيس المقاطعة أو الناخب عاجزاً عن إيصال همّه للأعلى. فقد تحولت أهداف الوجود إلى استمرارية سلطة القائد فقط، مما أدى إلى شعورهم بانعدام قيمتهم. فلم يعد من السهل تحويل وجهة السيل.

تركيا بحاجة إلى "يوتوبيا" جديدة

سنرى مع الوقت إن كانت الحركة الجديدة التي سيؤسسها باباجان ستلاقي استجابة فيما لو تشابهت مع الشكل الوظيفي الذي تحدثنا عنه حول بداية حزب العدالة والتنمية. تركيا اليوم بحاجة إلى بنية تتجاوز جميع الهويات دون تهميشها وتفهم طلباتها واحتياجاتها.

ليس فقط مسألة الهوية. أمامنا الآن ثلاثة نماذج لتركيا من الداخل، أولها تلك الحواضر والمدن الكبيرة المتطورة من الناحية الاقتصادية والتي ازدهرت وأولت اهتماماً بالحقوق والحريات، والثانية هي منطقة وسط الأناضول وكارادينيز التي تسعى جاهدة إلى النهوض والازدهار، والثالثة هي الشرق والجنوب الشرقي التي تعاني من التخلف.

أما من الناحية الاجتماعية فهنالك المحافظون والعلمانيون والأكراد. تركيا تحتاج "يوتوبيا" جديدة. تحتاج برنامجاً سياسياً جديداً لا يضم فقط الهويات الأربع، بل يولي الاهتمام لهذه التركيبات الثلاث.

أصوات إمام أوغلو

أكرم إمام أوغلو لم يحصل على أصوات الجميع. هناك قناعة خاطئة منتشرة لدى الرأي العام. قبل كل شيء الأصوات التي حصل عليها إمام أوغلو هي تقريباً نفس نسبة الأصوات التي حصلت عليها المعارضة في استفتاء التعديلات الدستورية في عام 2017 والانتخابات الرئاسية عام 2018.

لا يمكننا القول إنه حصل على أصوات من جميع الشرائح الاجتماعية. بالتأكيد هنالك أصوات لكنها أرقام صغيرة. إن الأصوات التي حصل عليها هي حصيلة تكتل المعارضين لحزب العدالة والتنمية أو لأردوغان الموجودين في الاستقطاب السياسي المحصور في محورين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن دعونا لا نبخس الحق، فوجود إمام أوغلو والخطاب الذي تبناه والحملة الانتخابية التي قام بها لم تتسبب بتآزر مضاد في الطرف الآخر على عكس حزب الشعب الجمهوري. ولم يعمد ناخبو حزب العدالة والتنمية الحانقون والمنتقدون للحكومة إلى الذهاب ولو على مضض إلى صناديق الاقتراع لدعم الحزب والوقوف إلى جانبه. هذا ما حققه إمام أوغلو فقط، وليس الحصول على أصوات من الطرف الآخر.

فرق شاسع بين تركيا سابقا والآن

إن احتياج تركيا ليس ما كان عليه حزب العدالة والتنمية في عام 2002، بالطبع هناك فرق شاسع بين تركيا في تلك الفترة وتركيا في عام 2019. ليت الأمور تكون بهذه البساطة. لهذا السبب أنا أنظر إلى ماهية وجهة النظر التي يمتلكها باباجان أو داوود أوغلو أو أي شخصية أخرى وكيفية فهمهم للقضايا. باستطاعتكم التندر بأروع العبارات في العالم لكنكم لن تجدوا استجابة إذا كنتم ترتكبون خطأ مثل ممارسة السياسة في الموالاة لحزب العدالة والتنمية أو الاستقطاب الموجود بالارتكاز على واحدة من التركيات الثلاث أو انطلاقاً من إحدى الهويات الأربع.

حظوظ داوود أوغلو ليست كبيرة

هناك نقطتان مختلفتان بين باباجان وأحمد داوود أوغلو. كل ما قاله داوود أوغلو يحتوي على طلب بتعديل وتصحيح حزب العدالة والتنمية. ومن غير المعلوم أنه بدأ المسير نحو حركة جديدة أم أنه يقول "لو يسلمني الرئيسُ الحزبَ لأقوم بتصحيحه". أنا لا أرى عزماً فالعزم أمر مهم. فكيف للناس أن تمضي خلفكم من دونه. داوود أوغلو هو المصمم المسؤول عن كل ما حل بنا من قضايا، وعلى رأسها مسألة سوريا. هو من خطَّ نظرية (وهم قائد الشعوب المظلومة في آسيا وأفريقيا).

وهذا ليس بالشيء الجديد فقد جربه آلاف الناس من اليمين واليسار من "ماو" إلى "تيتو" وصولاً إلى "أنور خوجة" ورأينا ما حدث. أما الآن فلا ندري ما الذي سيحل بنا. وقد توافقت هذه النظرية مع أسلوب أردوغان بشكل كبير فليس داوو أوغلو المذنب الوحيد بالطبع. فنحن لم نرَ أي انتقاد ذاتي لداوود أوغلو. وإذا كنا سنقارن بين باباجان وداوود أوغلو فإني لا أظن أن داوود أوغلو سيحظى بفرص كبيرة.

تعافي العدالة والتنمية وإعادة ترتيب صفوفه

لم أرَ حزبا دخل إلى مثل هذه المرحلة وتعافى ثانية، هذا أمر في غاية الصعوبة. لقد كان حزب العدالة والتنمية مختلفاً عن الماضي. يظن قادة حزب العدالة والتنمية أن مواقف الناخبين ستتبدل بمجرد شعار أو حملة انتخابية. إذا كان الناخبون قد أشاحوا بوجههم عن الحزب الذي صوتوا له في أربع دورات انتخابية متتالية فلا يكون السبب فقط الاختيار الخاطئ للمرشح أو الشعارات. ليس من الممكن عودته بسهولة. لا سيما في مكان يعجّ بالاستقطاب مثل تركيا، لن يكون من السهل استعادة الناس الذين بدأوا يشيحون بوجههم وقلوبهم عن السلطة إلى أماكن أخرى، وباشروا البحث عن وجهة لهم.

تأمين نجاح دميرطاش مع حزب الشعوب الديمقراطي

لن يتخلى الناخبون الأكراد عن حزب الشعوب الديمقراطي بعد الآن. لكن قد يذهب بعض ناخبي حزب العدالة والتنمية من الأكراد إلى باباجان. إن تخلي الناخبين الأكراد عن حزب الشعوب الديمقراطي يحتاج إلى ارتكاب الحزب لأخطاء كبيرة، أو يجب أن تعمل المقومات العالمية أو الداخلية بشكل مختلف تماماً. لقد تصلبت الكتلة الانتخابية لحزب الشعوب الديمقراطي ويستطيع الصعود فيما لو حقق التسارع الذي حققه بتبني (المواطَنَة التركية) مجدداً، لكن بقدر ما تكون عودة حزب العدالة والتنمية صعبة، فتأمين التسارع الذي حققه حزب الشعوب الديمقراطي بقيادة صلاح الدين دميرطاش بنفس المقدار من الصعوبة.

المواطنون مدركون لكل شيء

إن تركيا اليوم بحاجة إلى ساسة مدافعين عن الديمقراطية حتى نخاع عظامهم يدافعون عن عيشنا سويا. وأنا لا أرى هذه العزيمة بين المرشحين الموجودين. هناك احتمالات للنجاح ولو كانت محدودة. لقد تحرك الناس عندما منحوا أصواتهم لإمام أوغلو لكي يوقفوا مجريات الأمور في البلاد. لم يدلِ أحد بصوته لكي يتم جمع النفايات. المواطن مدرك لكل شيء.

الفرصة متاحة لكل جديد

إن المواطن التركي مستعد لكل شيء، وبالتأكيد تعريف علي، بائع الكعك، الذي يقف عند الباب للديمقراطية يختلف عن تعريف آخر لها لكنه يعرف فيما إذا كان جاره نام جائعاً أم لا. إن شعب هذه البلاد أُناس ذوو ضمير حي. تقوم المجتمعات في أوقات كهذه بتحديد المشكلة لكن هذا واجب المفكرين والسياسيين.

إن جميع أبحاثنا ودراساتنا تظهر أن المجتمع يرغب بالحياة التعددية وحدود التسامح وأفقه تتسع وأنتم ترون هذا التغيير أصلاً. لهذا السبب الفرصة متاحة لكل جديد. وقد كان هناك سبب للشهرة التي حققها إمام أوغلو الآن، في حين لم يكن أحد يعرفه في شهر (ديسمبر) كانون الأول. الناس يترقبون شيئاً ما وقد لبى إمام أوغلو هذا الاحتياج بإخلاصه وواقعيته، حيث قال "ستحبونني عندما تعرفونني"، والاستجابة لهذا موجودة.

لا تستطيع العضلات تنفيذ ما يوصي به العقل

حزب العدالة والتنمية يدرك ما يفضي إليه منهجه، لكن العضلات لا تستطيع تلبية ما يوصي به العقل لأنه أصيب بالشلل.

فُقد الخيط من الحزب في استفتاء عام 2010. لقد أنتج رجب طيب أردوغان سياسات خاصة من أجل تحويل نسبة الأصوات التي تم الحصول عليها في تلك الفترة، والتي بلغت 58%، إلى أصواته نفسه. وقام بعقلنة هذه السياسات في فترة أحداث "غيزي بارك". وبدأ بالعمل بكادر أشد ضيقاً بعد 15 يوليو (تموز) انطلاقاً من اعتقاده أن كل من حوله خونة. كان يظن أن الغرب يحيك له مكيدة في "غيزي"، وقد يكون قسم من هذه الظنون حقيقة.

لكن أكبر خطأ لأردوغان هو تجاهله لكون التوترات الحاصلة في شرق المتوسط وفي سوريا هي توترات متعلقة بالخمسين عاماً المقبلة في مستقبل البلاد وقراءته لها على أنها توترات متعلقة بسلطته هو ويستنتج أجوبة من قراءة كهذه.

المترددون يتجهون نحو المعارضة والخيارات الجديدة

في حال إجراء انتخابات الآن، لن أعطي نسبة للنتائج، لكن هناك تغيرات طفيفة في نسب الأصوات. لكن هذه التغييرات الصغيرة باهظة الثمن على الساحة السياسية. إن نتيجة تغيير نسبة واحد أو اثنين بالمئة من الأصوات كبيرة جداً كما تحدثنا مسبقاً فهي كافية لقلب توازن 51-49 من الجذور. لكن في هذا الوقت لا مكان للحديث عن تغييرات بنسبة خمسة أو عشرة بالمئة.

إلا أن الاستنتاج الأهم لنا أن عقول وقلوب الناس الواقعين في المنطقة الرمادية غير متجهة للسلطة الحالية. إن الذين يقولون إننا مترددون وبلا قرار يتجهون بأبصارهم إلى المعارضة والخيارات الجديدة.

الانتقال إلى المنطقة الرمادية من السلطة

تتراوح نسبة الموجودين في المنطقة الرمادية بين 38-40 بالمئة وهم لا ينظرون إلى ما ستفعله السلطة بعد الآن بل ينظرون إلى ما ستقوم به المعارضة. وقد كان أكثر من نصف هذه النسبة المذكورة (38-40 %) قد انتقل من موالاة السلطة الحالية إلى المنطقة الرمادية.    

المزيد من حوارات