Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

آفاق الرواية الأفريقية تتسع في الترجمات العربية

بحث نقدي يلقي أضواء على أساليب السرد والمضامين

لوحة أفريقية للرسام انطونيو أولي (صفحة الرسام - فيسبوك)

بداية تنبغي ملاحظة أن الدراسات النقدية باللغة العربية حول الأدب الأفريقي لا تزال قليلة إلى حد الندرة، على رغم توالي صدور ترجمات لأعمال أدبية أفريقية، خصوصاً في الرواية في غير بلد عربي في ظل تنامي الاهتمام بالقارة السمراء اقتصادياً وسياسياً بالتالي ثقافياً، لاعتبارات تختلف إلى حد كبير عن تلك التي كانت سائدة في حقبة الاستعمار المباشر، ومن هنا تأتي أهمية كتاب "أساليب السرد في الرواية الأفريقية" (المجلس الأعلى للثقافة – القاهرة) للناقد محمد السيد إسماعيل، الذي يتناول ست روايات لكتاب بارزين من نيجيريا وجنوب أفريقيا، معتمداً على ترجماتها من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية، ومستفيداً من مراجع شتى لا تربطها علاقة مباشرة بموضوع الكتاب باستثناء كتاب "الأدب الأفريقي" للناقد علي شلش. كتاب شلش صدر ضمن سلسلة "عالم المعرفة" في عام 1993، ويعد واحداً من كتب عربية قليلة جداً تماست مع أدب أفريقيا، رجع إليها إسماعيل في الجانبين النظري والتطبيقي لدراسته، ومنها "في الشعر الأفريقي المعاصر: جيل الرواد نموذجاً" لحسن الغرفي، "الشعر الأفريقي المعاصر – مختارات ودراسات" لكاميليا صبحي وآخرين، و"قراءة الأدب عبر الثقافات" لماري تريز عبد المسيح، ولكنه لم يستفد مثلاً من كتاب "دراسة في الأدب الأفريقي الحديث" للشاعر والدبلوماسي لورنس كورباندي كوديس، الذي صدر حديثاً في طبعة عربية جديدة عن الدار المصرية اللبنانية في القاهرة، ربما لأن صدوره جاء عقب انتهاء إسماعيل من الدفع بكتابه للنشر.   

دوائر متداخلة

ولعل أهم ما يلاحظ على كتاب محمد السيد إسماعيل هو تعاطيه مع الأدب الأفريقي، على نحو يستبعد ما صدر ويصدر في هذا السياق من أعمال باللغة العربية لكتاب من أريتريا والسودان وجنوب السودان، وجزر القمر، والصومال وجيبوتي وموريتانيا، وحتى من مصر والجزائر وتونس والمغرب، ويتضح ذلك أولاً من المقدمة التي يذهب فيها إسماعيل إلى أن الرواية الأفريقية "بعيدة من العالم العربي، على مستوى الوعي بها ومعرفة جمالياتها وعوالمها المختلفة، وقراءتها قراءة نقدية موسعة تستبصرها موضوعياً وفنياً"، مع العلم أن نصف الدول العربية تقريباً يقع في قارة أفريقيا، فضلاً عن حضور اللغة العربية في غير بلد أفريقي جنباً إلى جنب لغات محلية شتى، منها السواحيلية، التي نسبت للساحل الشرقي لأفريقيا، حيث حدث تزاوج ثقافي أفريقي عربي مبكر، ساعد على انتشار تلك اللغة في تنزانيا وكينيا وأوغندا والصومال وجزر القمر، وغيرها من الدول الأفريقية.

 

وعلى أية حال، فإن إسماعيل يقر بأن الإبداع الأدبي الأفريقي يستحق اهتماماً نقدياً (عربياً وغربياً) أكبر مما هو عليه الآن، فذلك "يساعد على اكتشاف بعد مهم من أبعاد هويتنا طبقاً لنظرية دوائر الانتماء المتداخلة في أبعادها العربية والأفريقية والإسلامية".

ندرة الترجمة

يتناول إسماعيل، في هذا الكتاب، ست روايات، منها ثلاث لحاصلين على جائزة نوبل في الآداب: "أكيه... سنوات الطفولة" لوول سونيكا، "يوميات عام سيئ" لـ ج.م. كوتسي، و"ابنة بيرجر" لنادين غورديمر، الأول من نيجيريا، والآخران من جنوب أفريقيا، والروايات الثلاث الأخرى هي "أشياء تتداعى" لتشنوا أتشيبي، من نيحيريا، و"الباب الأزرق" لأندريا برينك، من جنوب أفريقيا، و"نصف شمس صفراء" لتشيماندا أديتشي من نيجيريا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهكذا لم تخرج الأعمال المدروسة عن نطاق جغرافي محدد بدولتين هما نيجيريا وجنوب أفريقيا، ويذهب إسماعيل إلى أن "ندرة" ترجمة الأدب الأفريقي إلى العربية مقارنة مع ترجمة الآداب الغربية وأدب أميركا اللاتينية، جعلت أدب القارة السمراء بعيداً من الوعي العام العربي، وبعيداً من المقاربات النقدية الجادة التي تستبصر جمالياته وأساليبه وغاياته التي يشارك الأدب العربي بعض جوانبها، ومن تلك الجوانب (بحسب إسماعيل)  أن الرواية العربية وقرينتها الأفريقية نشأتا بأثر من الاحتكاك بالآداب الأوروبية (الإنجليزية والفرنسية تحديداً) ما جعلهما تستشعران أزمة الهوية وتكون إحدى قضاياهما الرئيسة، ومثلت الروايات التي اختارها المؤلف مجموعة متنوعة من الأساليب السردية، أسلوب البنية الحجاجية في رواية "أشياء تتداعى"، وأسلوب البنية الدرامية في رواية "ابنة بيرغر"، وأسلوب رواية السيرة الذاتية في "اكيه... سنوات الطفولة"، وأسلوب بنية رواية المؤدلجة في "يوميات عام سيئ"، وأسلوب بنية الرواية العجائبية في "الباب الأزرق"، وأسلوب البنية الواقعية التاريخية في "نصف شمس صفراء".

الأسلوب هو الكاتب

 

وفي التمهيد، رأى إسماعيل أننا لا نستطيع الحديث عن الأساليب الروائية طبقاً لمقاييس المقاربات البلاغية الموروثة في قراءة الأساليب الشعرية، ليس فقط للفارق الأساسي بين النثر والشعر، بل لفارق جوهري آخر يكمن في طبيعة الشكل الروائي نفسه وكيفيات بنائه التي تختلف عن بناء الشعر. فإذا (يضيف إسماعيل) أمكننا وصف الرواية باعتبارها جنساً أدبياً بأنها "مجمع" أصوات سردية تختلف من شخصية إلى أخرى، ناهيك عن صوت الراوي الخارجي أو الداخلي، فإننا في حال الشعر وبخاصة القصيدة الغنائية، نكون أمام صوت واحد هو صوت الشاعر، ومن هنا شاعت مقولة إن "الأسلوب هو الكاتب" التي تؤكد فرادة الأسلوب وتميزه ووضوح خصائص أسلوب الشاعر أو الكاتب، ويضيف أن التنوع اللافت بين روائي وآخر، ثم بين رواية وأخرى للكاتب الواحد، يدفعنا إلى القول إن الرواية عموماً هي الجنس الأدبي الوحيد الذي لا "شكل" له، بمعنى أنه لا يعرف ثبات الشكل طبقاً لتقنيات فنية موروثة ومستقرة، كما هي الحال في الشعر والمسرح، وهما جنسان أصيلان في الأدب الأفريقي، سبقا نشأة الرواية. وبالنسبة إلى رواية "أشياء تتداعى" لتشنوا أتشيبي، لاحظ إسماعيل أن أسلوب السرد السائد فيها (طبقاً لموقع الراوي) هو الأسلوب غير المباشر الموضوعي، وهو أنسب الأساليب لبنية الحِجاج، لكن ذلك لم يمنع وجود الأسلوب المباشر الذاتي الذي تنطلق به الشخصيات، وكذلك الأسلوب الحر، حين يدمج الراوي صوت شخصية في السرد مع تواتر تعليقاته وتوصيفاته. ولاحظ إسماعيل كذلك تأثر هذه الرواية بالأدب الأفريقي القديم، وذلك وفقاً لما ورد في كتاب "الشعر الأفريقي المعاصر – مختارات ودراسات" للباحث أحمد الشامي وآخرين، من أن قدراً كبيراً من الأدب الأفريقي مكتوب لتأديته أداءً حياً، باعتماده على المزج وإعادة الصياغة وتعدد أشكال الحكاية الواحدة، فضلاً عن أنه يزخر بالأمثال والألغاز والمأثورات الشعبية، أي العناصر التي تعتمد على تفاعل بين الراوي أو المؤدي من ناحية، ومستمعيه من ناحية أخرى".

مواجهة العنصرية

ويقر إسماعيل في خاتمة الكتاب الذي جاء في 112 صفحة من القطع فوق المتوسط، بأن الدراسة التي يتضمنها في حاجة إلى نماذج أخرى من الرواية الأفريقية المعاصرة، فهناك مثلاً الصومالي نور الدين فارح ورواياته "خرائط"، و"هدايا"، و"اللبن الحلو والمر"، و الغاني آي كويئي ارماه وروايته "الجميلات لم يولدن بعد"، وأميناتا ساوفال وروايتها "إضراب الشحاذين"، وكلها كما يقول المؤلف أعمال تستحق الدراسة لمعرفة اتجاهات الرواية الأفريقية وأهم قضاياها وكيفية بنائها الفني، واعداً بأن يفعل ذلك في دراسات لاحقة، ولاحظ إسماعيل اهتمام الروايات التي اتخذها نماذج في دراسته في الشأن العام والقضايا المصيرية، خصوصاً الرؤية العنصرية التي يتعامل بها الإنسان الغربي مع الأفارقة لسنوات طويلة، وأوضح أنه على مستوى منهج القراءة، حاول تجاوز ما يسمى بالمناهج الخارجية التي تعطي اهتمامها الأول للعوامل الخارجة على النص الأدبي والمؤثرة فيه سواء كانت اجتماعية أم سياسية أم معرفية، كما يبدو في المنهج الاجتماعي والمنهج التاريخي وغيرهما، أم كانت هذه العوامل متعلقة بتكوين صاحب النص ونفسيته كما هي الحال في المنهج النفسي، وكذلك تجاوز المناهج الداخلية التي تقتصر على جماليات النص وعناصره الشكلية فقط.

وبناء عليه، حاول إسماعيل البدء من النص واصفاً بنيته الفنية، ثم حاول استنتاج رؤية هذا التشكيل البنائي وعلاقة كل ذلك بالسياق العام الذي كتبت فيه الرواية موضع البحث.    

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة