لامبالاة الشركات البريطانية بالتكنولوجيا الحديثة تكلف الاقتصاد الوطني أكثر من 100 مليار جنيه استرليني  

تُظهر بحوث جديدة أن معالجة مشكلة إحجام الشركات عن تبني التكنولوجيا الحديثة قد يعود بفوائد كبيرة على الاقتصاد 

 

كشف مصنع بي ام دبليو عن سيارة ميني الجديدة الكهربائية في مقره في كاولي في غرب بريطانيا 9 يوليو 2019 (رويترز) 

قال عالم الفلك الأميركي كليفورد ستول في مقال كتبه لمجلة نيوزويك عام 1995 "بعد مرور عقدين من الزمن على الإنترنت، ما زلت مندهشاً". وفي محاولة لشرح سبب شعوره ذاك، اعترف"ليس الأمر كذلك لأنني لم أستمتع بالتواصل مع الآخرين على الإنترنت "، مضيفاُ أنه "التقى أشخاصاً رائعين حتى أنه تمكن من القبض على مقرصن أو اثنين". وتابع "لكنني غير مرتاح حيال هذا المجتمع الأكثر عصرية والذي يروّج له بطريقة مبالغة".

وتناول العالم في تعليق ساخر له "أصحاب الرؤى ... رؤية مستقبل للعاملين عن بعد، والمكتبات التفاعلية والفصول الدراسية متعددة الوسائط". ولفت إلى أن البعض يتنبأ بمستقبل يشهد "اجتماعات إلكترونية بين المدن والمجتمعات الافتراضية". وكل هذا هراء على حدّ قوله. إنه لن يصمد أبداً.

في الوقت الذي نتعايش فيه ما يوصف بالثورة الصناعية الرابعة، وهي نقلة عالمية استهلاكية بشكل كبير، تشكلت بفضل الابتكار التكنولوجي الحيوي والمستمر، سيكون من السهل للغاية فهم تنبؤات ستول الخاطئة بشكل واضح على أنها دليل على الغباء المحض.

لكن إلقاء نظرة سريعة على كتب التاريخ يكفي لإثبات أن أحداً غير معصوم عن الخطأ بمن فيهم أعظم المفكرين المعرضين لارتكاب الأخطاء والتعثر بهذه الطريقة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في هذا السياق، لاحظ ألبرت أينشتاين في عام 1932 أنه لا يوجد "أدنى مؤشر" على إمكانية الحصول على الطاقة النووية إطلاقاً. بعد ذلك بسنوات قليلة ، قال توماس واتسون رئيس شركة IBM  لتصنيع وتطوير الحواسيب والبرمجيات إن السوق العالمية ستكون قادرة على استيعاب "خمسة أجهزة كمبيوتر ربما".

في غضون ذلك، قوبلت اختراعات جديدة مثل السيارات والتلفزيون بالتجاهل على اعتبار أنهم نظروا اليها على أنها بدع، تماماً كما كان الحال مع فرقة البيتلز. واليوم هاهو التاريخ يعيد نفسه بالفعل، كما يقول المثل الذي صار أشبه بالكليشه،  إذ يبدو أن هناك طرفاً كبيراً آخر هو مجتمع الأعمال في بريطانيا يرفض العالم الرقمي بلا مبالاة  معتقداً أنه مجرد سلعة رائجة لطيفة من الجميل أن يقتنيها المرء.

قد تسيء الشركات الكبيرة في المملكة المتحدة تقدير الأبعاد الهائلة التي تنجم عن عدم الاستثمار في التقنيات الحديثة. ويسلط تقرير حول التحول الرقمي، صدر أخيراً عن اتحاد الصناعات البريطانية وشركة أوراكل للتكنولوجيا، الضوء على الأبحاث التي أظهرت أن حل مشكلة إحجام الشركات عن تبني التكنولوجيا الجديدة من شأنه أن يعود على الاقتصاد البريطاني بـ 100 مليار جنيه إسترليني (حوالي 125 مليار دولار) 

لاشك أن البيانات مُقنعة. وعلى الرغم من أن شركاتنا الكبرى لا تشكل سوى 0.1 % من إجمالي الأعمال التجارية من الناحية النظرية، فهي تحقّق حوالي نصف إجمالي إيرادات المؤسسات كلها وتوظف حوالي 40 % من القوى العاملة في المملكة المتحدة. ويعتبر الأمر الواضح بشكل كبير بشأن هذه الشركات هو أنها تفتقر إلى الرغبة في الابتكار في حالات كثيرة، وهي مشكلة بدأنا نقطف ثمارها المُرة.

شهدت المملكة المتحدة منذ عام 2008  تباطؤاً حاداً في الإنتاجية مقارنة بالاقتصادات الرئيسة الأخرى، بما في ذلك الولايات المتحدة واليابان وكندا وألمانيا وفرنسا. وعلى الرغم من أن بريطانيا رائدة على مستوى العالم في العديد من النواحي، فقد أصبحنا أمة رجعية وغير عابئة بالتحديث عندما يتعلق الأمر بتبني التكنولوجيا في الأعمال التجارية. في الوقت الذي أصبحنا لقمة سائغة تلوكها الألسن الساخرة وتؤلف عنها أكثر النكات  السياسية رواجاً في العالم، فإن آخر ما علينا فعله هو إلحاق المزيد من الضرر بسمعتنا في مجال نستطيع إلى حد ما تجنب الظهور فيه بمظهر المقصرين.

بصرف النظر عن المجازفة بتكبد خسائر مالية  محضة نتيجة التقليل من أهمية الفوائد المحتملة لاتباع نهج يعتمد اعتماداً أكبرعلى الرقمية، أو حتى عدم التفكير بهذه الفوائد، دعونا لا ننسى السلامة. فالأمن الإلكتروني هو واحد من تلك المصطلحات التي تجذرت في لغة المؤسسات وشاعت إلى حدٍّ باتت معه أمراً مفروغاً منه. وإذ تعتقد الشركات الكبرى أنها تعرف أهمية الدفاعات الإلكترونية الفعالة، فهل هي تعرفها حقاً؟ يشير التقريرالمذكور سابقاً  إلى أن تلك الكيانات الاقتصادية المهمة لاتعرف حقاً كم هي هذه الدفاعات مهمة، بل إنها في واقع الحال تتناسى ما يمكن أن يحدث بالفعل إذا استمرت في المراوحة في مكانها، والتفكير الحالم بفرص الذكاء الاصطناعي والبلوكتشين.

أود أن أنظر إلى الشركات الناشئة، اي تلك التي ظهرت منذ حوالي 10 أعوام فقط ، على أنها شركات مماثلة للألفية الجديدة. وتتهم بشكل خاص الشركات الصاعدة التي يتخطى رأسمالها مليار دولار بأنها مشاكسة وتؤمن بأنه يحق لها ما لا يحق لغيرها، كما تتعرض لانتقادات بسبب محاولتها أن تعطل سير الأمور بانتظام (وغالباً ما تنجح) و تلقى الرفض بسبب خبرتها الحياتية المحدودة.

ولكن مثلما تستطيع الأجيال الأقدم أن تتعلم شيئاً أو اثنين من جيل الألفية حول الانفتاح على التغيير القائم على القيم والإبداع، كذلك ينبغي على الشركات الكبيرة التقليدية في المجتمع التجاري في المملكة المتحدة أن تتطلع إلى نظيراتها الشابة عندما تدمج التكنولوجيا في طريقة عملها. التكنولوجيا ليست المستقبل فحسب، إنها الحاضر. ليس مَنْ يريد أن يعيش ويعمل بطريقة رقمية، هو جيل الغد بل إنه جيل اليوم.

لاتتماشى الديموغرافيا التي تسيّر الشركات البريطانية مع الوتيرة السريعة التي يتطور بها العالم. ولكن إذا كانت هناك أمور أخرى معروفة عن ستول وواتسون وأينشتاين غير توقعاتهم السيئة ، فما زال هناك أمل في التغيير.

© The Independent