Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أي أثر ترك زمن الانفتاح في الرواية السعودية الراهنة؟

بعد تراجع الرقابات الدينية والثقافية وسقوط جدار المحرمات ورواج الترجمات العالمية

لوحة للرسامة السعودية منيرة موصلي (صفحة الرسامة - فيسبوك)

المتأمل في حجم الإنتاج الروائي العربي خلال السنوات الخمس الأخيرة لا بد له من أن يتوقف أمام ملاحظة تشير إلى تراجع حجم الإنتاج الروائي السعودي الجديد مقارنة بحجمه في بلدان عربية أخرى. وبينما واصلت بعض الأسماء المعروفة مثل عبده خال ويوسف المحيميد ومحمد حسن علوان إصدار أعمال جديدة، تراجعت في المقابل مشاركة أسماء أخرى تصدرت المشهد عند بداية الألفية الثالثة، وتبنت عبر أعمالها مهمة التعبير عن قضايا المجتمع السعودي وانشغالاته في المرحلة التي سبقت عملية الانفتاح التي شهدتها السعودية خلال السنوات الأخيرة.

وكان من المتوقع أن يسهم هذا المناخ الجديد في إغناء المشهد الأدبي السعودي بأصوات إبداعية متنوعة، في ظل ازدهار واضح لحركة النشر والترجمة، تكاملت فيها أدوار الهيئات الرسمية مع دور النشر الخاصة التي تنامت أخيراً.

في البداية يؤكد الناشر السعودي عبدالله الغبين من "دار أثر" الملاحظة حول تراجع الرواية السعودية، ليس فقط من حيث جودة الإنتاج وإنما أيضاً في عدد الإصدارات التي أصبحت أقل مما كانت عليه في السابق.

 

ومما يلاحظه الغبين أن أسماء كثيرة مهمة توقفت عن النشر، مثل رجاء عالم التي لم تنتج عملاً واحداً منذ أن فازت بجائزة البوكر العربية في عام 2011، وبالمثل توقفت ليلى الجهني وهي كاتبة متميزة عن الإنتاج، كما توقفت رجاء الصانع التي مثل النجاح الكبير لروايتها "بنات الرياض " تحدياً كبيراً لكل من كتبوا بعدها. ويشير الغبين إلى أن في المقابل ظهرت أصوات مهمة أخرى مثل أمل الفاران وعزيز محمد صاحب رواية "الحالة الحرجة للمدعو ك" التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر قبل ثلاث سنوات. إلا أن هذه الأسماء لم تنل اهتماماً نقدياً وإعلامياً يحول إنتاجها إلى ظاهرة متكاملة مثلما جرى في السابق.

ويتابع مدير دار "أثر" قائلاً "كما يحدث في كل مكان تظهر سرديات تجذب القراء لكنها لا تمثل حالة روائية. ومن وجهة نظري أن أحد أسباب تراجع الإنتاج الروائي الجيد مرتبط إلى حد كبير بانشغال السعوديين بوسائل التواصل الاجتماعي خصوصاً (تويتر)، إذ انصرف الجميع إلى تكثيف أفكاره في حدود عدد أحرف التغريدة واستهلاك قدراته في معارك السوشيال ميديا والاستجابة لتحديات الـ(ترند)، ولم يعد معنياً بالكتابة أو القراءة، بالتالي فإن (تويتر) أضر الكتاب السعوديين كثيراً".

 البحث عن موضوع

ورداً على سؤال عن مدى قدرة الرواية على استثمار مناخ الانفتاح والتغيير في المجتمع السعودي يقول الغبين "علينا أن نتذكر أن موجة نجاح الرواية السعودية في بداية الألفية جاءت من قيامها بتبني قضايا مجتمعية ملحة مثل حقوق المرأة أو هيمنة الهيئات المحافظة، وهي قضايا لم تعد بدرجة الإلحاح نفسها التي كانت عليها من قبل، ومن ثم فإن الرواية السعودية تواجه حالياً مأزق البحث عن الموضوع، بخاصة أن المجتمع نفسه يعيش مرحلة تحول من الصعب الإمساك بها والتعبير عنها بشكل فني".

 

ينفي الناقد السعودي محمد العباس تراجع الرواية السعودية على مستوى الإصدارات والنشر، مؤكداً زيادة وتيرتها، وعلى حد قوله فإن "جيل التسعينيات الذي ينظر إليه كغصن ذهبي لمرحلة انبثاق الرواية، ما زال يصدر كل روائي منهم رواية واحدة في الأقل كل عام، هذا إضافة إلى موجات جديدة من الروائيين والروائيات الذين يمطرون المشهد بالإصدارات".

ويؤكد العباس، وهو من أوائل من تابعوا طوفان الرواية السعودية، "أن كل ذلك الإنتاج لا يلقى الاهتمام في المشهد، لا على المستوى النقدي ولا الإعلامي ولا حتى على مستوى التلقي، بالنظر إلى أن مجمل القضايا الاجتماعية الحساسة لم تعد بتلك الأهمية بعد لحظة الانفتاح القصوى في المشهد الحياتي. فالخطاب الروائي كان يراهن على خزان التابوهات في حياة الإنسان السعودي، في الوقت الذي لم تتمكن الرواية في السعودية من تحقيق نصاب أدبي مقنع للقارئ، فلا ينجذب إلى الروايات من تلك العناوين المتفجرة. وربما كان لانخفاض الصحوة أثره الكبير في إطفاء جذوة الرواية المنذورة لمساجلة الصحويين عبر خطاب الرواية، بحيث انتفت الحاجة اليوم إلى ذلك الخطاب التجابهي، بالتالي انكشف الخطاب الروائي على عورات فنية واضحة".

 ومما يلاحظه أيضاً أن الرواية في السعودية لم تحتف بالمكان -مثلاً- الذي يشكل مرجعية وركيزة جوهرية للخطاب الروائي، بسبب انعدام التقاليد الروائية عند معظم الروائيين والروائيات. و"لذلك لم تعد الروايات التي كانت تشكل مصب الحداثة الاجتماعية قادرة على تمثيل الروح الأدبية الحداثية بمعناها المتدحرج الذي يرصد التحولات الاجتماعية، ولا يجعل من الرواية صندوق اقتراع على القضايا الاجتماعية كالقبيلة والآخر وقيادة المرأة للسيارة، على رغم احتقان روايات تلك المرحلة، بدعاوى العلمنة والليبرالية للمجتمع السعودي، الذي يبدو وكأنه مجتمع موضات ثقافية حيث احتلت الفلسفة فراغ ما بعد الصحوة باعتبارها الرؤية الكفيلة بسد ذلك الفراغ الثقافي. وبذلك يضاف سبب آخر لتراجع أهمية الرواية، وهو تحول المشهد إلى ورشة كبرى للتفلسف ولو في شكله الصوري، من خلال الترجمات وانتحال صفات الفلاسفة، بما يحمله لقب الفيلسوف من رمزية ومن حمولة توجيهية لم يعد يمتلكها الخطاب الروائي".

حركة الترجمة

ويخلص صاحب "نهاية التاريخ الشفوي" إلى أن "التحدي الكبير الذي تتعرض له الرواية السعودية هو الإقبال على الروايات المترجمة التي تلقى رواجاً كبيراً عند القراء بما بنت من ميثاق قراءة لا تتمتع به الرواية في السعودية، وهي باتت تعاني كما يبدو عدم قدرة على التعامل بحرفية مع التاريخ الوجداني للإنسان السعودي الذي يفترض أن يتمثل في الرواية، لدرجة أن بعض الروائيين هربوا من الموضوعات الاجتماعية الحية إلى متاهات التاريخ". ومن جهة أخرى دفع مناخ الانفتاح بعدد كبير من الروائيين إلى خوض مجال الكتابة الدرامية للسينما والتلفزيون، وهو مجال أكثر إغراء ويؤدي أحياناً إلى نضوب قدرات المبدعين بفضل طابعه الاستهلاكي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي المقابل يرى السينمائي السعودي على سعيد أن مسألة تحول كتاب الرواية للعمل في كتابة السيناريو السينمائي من الصعب تعميمها، لأنها تبقى حالات نادرة، لكن ما ينبغي تأكيده هو أن المشهد الروائي تشبع بشكل كبير وأصبح من الصعب العثور على رواية واحدة جيدة.

ويقول صاحب كتاب "الحقيبة الجلدية"، "إن أعمالاً كثيرة نشرت من دون تدقيق أو توجيه أو مراجعة، لكن الأمر قد اختلف الآن مع نمو دور نشر سعودية تعمل بطريقة احترافية أكثر، غير أن هذه الدور تواجه معضلة أخرى تتمثل في تغيير ذائقة القراء ناحية أشكال سردية أخرى، بعد أن تشبع القارئ بالرواية المحلية التي كتبها كل من هب ودب".

أشكال جديدة

وتشير الناقدة السينمائية التشكيلية السعودية نور هشام السيف إلى أن نجاح "بنات الرياض" لرجاء الصانع خلق طوفاناً من الإنتاجات التي تتفاوت في جودتها وقيمتها الفنية كذلك، ومن ثم لا يمكن إغفال السياق الزمني الذي ظهرت فيه مع فترة الصحوة وقبل انتشار منصات التواصل الاجتماعي. فكان العامل الزمني ملائماً لإثارة الفضول ومداعبة الحواس نحو هذا النوع من الروايات الذي يعتمد على سرد العلاقات العاطفية في مجتمع محافظ ومنغلق، لكن مع حدوث التغييرات في العالم العربي كان من البديهي أن تخفت الرواية السعودية في ظل الثورات والحروب والأزمات السياسية المتصاعدة التي دفعت في اتجاه ظهور نصوص أدب السجون وسرد المنافي في تجارب ذاتية معاصرة وراهنة، وهي أيضاً ثرية على صعيد الحكي والتجربة ومتخففة من المحظورات.

ووفقاً للسيف "لم تتراجع الرواية السعودية بشكل كامل لكن من الممكن القول إن حضورها أصبح ناعماً وهي تقف في المنتصف بين أدب الحرب وأدب الترجمة الذي يلاقي عاماً بعد عام إقبالاً غزيراً من جيل الشباب".

 أما الشاعر البحريني قاسم حداد فيقول "لعل تصاعد التيار الديني بعناصره السلفية، وانحسار الفكر الليبرالي تفادياً لإشكاليات التيار الديني، أسهما في طبيعة التطور الروائي المطرد، مما خفف تفجيرات العمل الأدبي، الروائي خصوصاً، في المشهد الثقافي". ويوضح صاحب "علاج المسافة" أن الرواية في السعودية أسعفتها كتابة نقدية سعودية تنزع إلى النصوص المكتوبة بقلم المرأة السعودية، ومن ثم هناك روافع لم تكن أدبية خالصة، وضعت الرواية في السعودية أمام مهام فنية تقصر عنها بعض تلك النصوص.

المزيد من ثقافة