توليفة جديدة للسلطة في إقليم كردستان العراق

شكلت العلاقة المتأزمة بين أكبر حزبين عقدة المنشار أمام تشكيل مؤسسات الحكم الجديدة في الإقليم

ماذا بعد تقديم رئيس وزراء إقليم كردستان المكلف مسرور بارزاني تشكيلته الوزارية إلى البرلمان الإقليمي؟ (رويترز)

مع تقديم رئيس وزراء إقليم كردستان المكلف مسرور بارزاني أسماء تشكيلته الوزارية إلى البرلمان الإقليمي، الأربعاء 10 يوليو (تموز)، يكون قد أُعيد تشكيل مؤسسات السلطة في الإقليم كله، الحكومة ورئاستا الإقليم والبرلمان، إلى جانب الهيئات العامة المُستقلة. ويتضمن جدول أعمال الجلسة البرلمانية المُقررة الأربعاء أن يعرض بارزاني الخطوط الأساسية لتوجهات حكومته. ويُتوقّع أن تُركز على القضايا الداخلية في الإقليم، بخاصة في موضوعَي الاقتصاد والعلاقة مع الحكومة المركزية العراقية. وتتضمّن الجلسة انتخاب ريواز فائق من الاتحاد الوطني الكردستاني رئيساً جديداً لبرلمان إقليم كردستان العراق، بعدما تولت رئاسته خلال الفترة الماضية فالا فريد من الحزب الديمقراطي الكردستاني.

توافق على كل شيء

استمرت المفاوضات بين القوى السياسية الكردستانية قرابة تسعة أشهر، من أواخر سبتمبر (أيلول) من العام 2019، بعدما جرت الانتخابات البرلمانية الإقليمية وقتئذ، ونتج منها فوز الحزب الديمقراطي الكردستاني وحلفائه من أبناء الأقليات الدينية والقومية في الإقليم بنصف مقاعد البرلمان، 56 مقعداً من أصل 111 مقعداً، وأحرز الاتحاد الوطني الكردستاني 22 مقعداً وحركة التغيير الكردية 12 مقعداً، وذهبت المقاعد الأخرى إلى الأحزاب الإسلامية وحركة الجيل الجديد (الشعبوية).

شكلت العلاقة المتأزمة بين الاتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني عقدة المنشار أمام تشكيل مؤسسات الحكم الجديدة في الإقليم. وكانت تأثيرات أحداث استفتاء استقلال إقليم كردستان وتنافس الحزبين للحصول على منصب رئيس العراق الجديد، وانتخاب محافظ جديد لمحافظة كركوك، من أبرز المؤثرات في حالة سوء الفهم وصعوبة التوافق في ما بينهما.

كان الاتحاد الوطني يتّهم الديمقراطي الكردستاني بالاستئثار بالمناصب الرئيسة والسياسيات الإستراتيجية والعلاقات الخارجية للإقليم، بعيداً من مبدأ الشراكة والتوافق المتعارف عليه في الإقليم، بينما كان الديمقراطي يتهم الاتحاد بعدم القبول بمبدأ تفاوت القوة السياسية بين مختلف الأحزاب بحسب نتائج الانتخابات البرلمانية.

استراتيجية مشتركة

في محصلة جولات كثيرة من التفاوض، توافقت الأطراف على تشكيل حكومة الإقليم، وذلك بحصول الديمقراطي الكردستاني على منصب رئاسة حكومة الإقليم، إلى جانب سبع وزارات، منها وزارتا الداخلية والثروات الطبيعية، إلى جانب بعض الهيئات العامة المستقلة، مثل مجلس أمن الإقليم وديوان رئاسة الإقليم ورئاسة ديوان مجلس الوزراء. بينما حصل الاتحاد الوطني إلى جانب رئاسة البرلمان على منصب نائب رئيس الحكومة وستة وزارات حكومية، منها وزارة شؤون البيشمركة، إضافة إلى منصب وزير من دون حقيبة وثلاث هيئات عامة مستقلة. فيما حصلت حركة التغيير الكردية "كوران" على أربع وزارات، منها وزارة المالية الشديدة الأهمية في الإقليم، مع منصبَي نائبَي رئيس الإقليم ورئيس الوزراء، وحاز الحزب الاشتراكي الكردستاني على منصب وزاري واحد.

إلى جانب المناصب الوزارية والسياسية الرئيسة في الإقليم، فإن مصدراً مقرباً من الاتحاد الوطني الكردستاني كشف لـ"اندبندنت عربية" أن الأطراف الرئيسة الأربعة قد توافقت على ثلاثة توجهات سياسية جوهرية كانت محل خلاف بينها طوال الفترة الماضية، يتعلّق الأول بإدارة الملف النفطي، والآخر بشكل العلاقة مع بغداد والإستراتيجية المشتركة في ما بين القوى الكردستانية لإدارة هذا الملف، لا سيما في ما خص المناطق المتنازع عليها، وأخيراً شكل وخيارات الإقليم في المجريات الإقليمية.

حضور قوي للنساء في التشكيلة الوزارية

كان الحضور النسائي لافتاً في التشكيلة الوزارية المقدمة، إذ ضمت تولي الرئيسة السابقة لبرلمان إقليم كردستان بيكرد طالباني منصب وزيرة الزراعة والموارد المائية، ونظيرتها الرئيسة الحالية للبرلمان فالا فريد لوزارة العدل، فيما ستُختار كويستان محمد عن حركة التغيير الكردية لمنصب وزيرة العمل والشؤون الاجتماعية.

يأتي هذا الحضور النسائي في حكومة الإقليم بعد ضغوط مارستها التنظيمات النسوية والحركات المدنية في الإقليم طوال الشهور الماضية على الأحزاب وبرلمان الإقليم لإقرار قوانين تفرض مساواة المرأة بالرجل في المناصب الحكومية والتنفيذية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

التنظيمات النسوية الكردية عبّرت عن ترحيبها بتولي ثلاث نساء مناصب وزارية ذات أهمية في الحياة العامة للإقليم، لكنها طالبت بإقرار قوانين أكثر إنصافاً لنساء الإقليم في الإدارة العامة في الإقليم، بما في ذلك التشكيلة الوزارية والهيئات العليا المستقلة. فالتحولات السياسية والاجتماعية والثقافية في الإقليم طوال السنوات العشرين الماضية، أثبتت أن المرأة لا تقل قدرة في الإسهام في عملية التنمية، بحسب هذه التنظيمات.

تمثيل الأقليات

كذلك شهدت التشكيلة الحالية حضوراً لأبناء الأقليات الدينية والقومية (غير الكردية)، وذلك بحصولهم على ثلاثة مقاعد وزارية من دون حقائب من أصل 23، إذ ينص القانون العام للإقليم على أن يكون 11 مقعداً برلمانياً من أصل 111 مقعداً من حصة أبناء هذه الأقليات، المؤلفة من التركمان والإيزيديين ومختلف الطوائف المسيحية.

كان لافتاً مشاركة الجبهة التركمانية العراقية في هذه التشكيلة، عبر توزير القيادي فيها آيدين معروف. فالجبهة ذات علاقة متوترة مع القوى السياسية الكردية في كامل المشهد السياسي العراقي، للخلافات الشديدة في ما بينهما بشأن إدارة ملف المناطق المتنازع عليها، بالذات محافظة كركوك، التي يشكل التركمان قرابة ربع سكانها.

 كذلك سُلمت وزارة النقل والمواصلات لآنو عبدوكا، وهو من أبناء الأقلية المسيحية، فيما لم يحصل الإيزيديون على أي مقعد وزاري، على الرغم من مطالبات مؤسساتهم المدنية بذلك.

عقدة وزارة النفط

كان لافتاً خلو التشكيلة الوزارية من اسم وزير للنفط والثروات الطبيعية، إذ ستبقى هذه الوزارة تدار بالوكالة إلى أن يتم تعيين وزير جديد لها.

مراقبون رأوا أن كثيراً من الجدال دار بين القوى السياسية الكردستانية بشأن هذه الوزارة، خصوصاً حول الوزير آشتي هورامي، الذي ترأس أعمال الوزارة خلال التشكيلات الحكومية الثلاث الماضية. فبعض الأطراف كانت ترى في هورامي سبباً أوّلَ لتوتّر العلاقة بين الإقليم والحكومة المركزية العراقية، بانتهاجه سياسة نفطية تعتمد على التوافق مع تُركيا، من دون إيلاء أهمية لإمكان التوافق مع الحكومة المركزية العراقية، لكن آخرين رأوا أن هورامي كان ذا دور فعال بكسر عزلة الإقليم عن الاقتصاد العالمي، وإدخال نفط الإقليم إلى الأسواق العالمية، وبهذا خلق نفوذاً لإقليم كردستان لدى الشركات النفطية العملاقة، التي تؤثر في توجهات الدول الكبرى تجاه القضايا الإقليمية.

يعتقد المراقبون أن رئيس الوزراء الجديد سينتظر لتتوضّح مقاربة مختلف القوى السياسية في الإقليم حول شكل العلاقة التي ستنتهجها حكومته تجاه الملف النفطي العالق بينه وبين الحكومة المركزية العراقية، ووفق ذلك سيتم تعيين وزير جديد لهذه الوزارة.

المزيد من العالم العربي