Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

منطقة الأمازون الجافة تنتظر المياه بيأس

في مدينة ريو برانكو النائية في ولاية أكري يخشى البعض من أن المناخ قد بلغ فعلاً نقطة اللاعودة إذ يجلب موسم الأمطار الفيضانات ويطبق القحط خناقه على المنطقة في موسم الجفاف

أنطونيا فرانكو دوس سانتوس تغسل وحفيدها الأطباق في بركة قريبة (واشنطن بوست بعدسة ألكسندر كروز نورونها)

خلال الستين سنة التي عاشتها حتى الآن في منطقة الأمازون، لم تملك أنطونيا فرانكو دوس سانتوس يوماً الكثير من المال. شحّ الطعام أحياناً. ولكن في الغابة، بأمطارها الغزيرة وأنهارها التي تمتد إلى ما لا نهاية، لم تعرف أبداً حياة من دون ماء- ليس قبل أن تنتقل إلى هذه المدينة، حيث لم يعد لديها من احتياطات المياه سوى غالون واحد، ولا أثر لعامل التوصيل.

"سيأتي"، تقول فرانكو، إذ تحدق في الفراغ. "سوف يأتي".

لم تمطر السماء منذ أكثر من شهر، وربما لن تمطر لشهر آخر. جفت البركة التي يستفيد منها المجتمع المحلي وكانت استخدمتها فرانكو وجيرانها خلال موسم الأمطار وتحولت إلى مساحة من الوحل. وحفرة المياه التي صنعوها من شدة اليأس لم تحتفظ بقطرة واحدة. صباح يوم الاثنين، تتكدس في كوخها الخشبي أطباق طعام غير مغسولة؛ وكومة من الملابس المتسخة؛ فيما يحتاج ابن حفيدها الرضيع صموئيل إلى الاستحمام أيضاً.

هكذا تعيش فرانكو ثلاث سنوات متتالية من الجفاف المطبق في مشهد لم تتخيله أبداً: لقد جفت منطقة الأمازون.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"لا بد لي من أن أتحلى بالأمل"، تقول فرانكو إذ تلقي نظرة خاطفة على جوربيها غير المتطابقين. "اليوم سيكون مختلفاً. سيأتي ما يكفي من الماء".

طوال سنوات، تعلو أصوات العلماء محذرة من أن الأمازون تنزلق مسرعة نحو نقطة اللاعودة- حينما يقود اجتثاث الغابات والاحترار العالمي إلى سلسلة لا رجعة فيها من قوى مناخية، تصيب في مقتل مساحات واسعة مما تبقى من المنطقة. أشارت نماذج افتراضية إلى أنه إذا فقدت الغابة نسبة منها بين 20 و25 في المئة، ستهلك مساحات شاسعة من الأمازون.

حتى الآن، اختفى نحو 18 في المئة من الغابات المطيرة، فيما لا تنفك الأدلة تدعم التحذيرات في هذا الشأن. وسواء سبق أن بلغت المنطقة النقطة الحرجة أو لم تفعل بعد، علماً أن بعض العلماء يعتقدون أننا نخوض فعلاً مرحلة اللاعودة، فإن الأمازون بدأت في الانهيار.

يشير بحث إلى أن علامات فقدان القدرة على الصمود والمقاومة تتبدى على أكثر من ثلاثة أرباع الغابات المطيرة. في المناطق التي حرقتها النيران في السهول الفيضية ريو نيغرو، لاحظت مجموعة بحثية "تحولاً جذرياً في النظام الإيكولوجي" أدى إلى تحويل الغابة إلى سافانا تغطيها الأعشاب والحشائش. في منطقة جنوب شرقي الأمازون، التي اجتاحتها التربية الجشعة للماشية، تموت الأشجار وتحل محلها أنواع أخرى من النبات ذات القدرة على التأقلم بشكل أفضل مع المناخ الجاف جداً. وفي منطقة جنوب غربي الأمازون، يكتسح الخيزران سريع النمو أراضي دمرتها الحرائق وأحوال القحط. وفي الغابات الانتقالية المنكوبة في ولاية ماتو غروسو، يعتقد الباحثون أن نقطة تحول حرجة محلية باتت وشيكة.

لم يحدث أن كانت الغابة المطيرة يوماً أقرب إلى ما يعتقد العلماء أنه سيكون كارثة عالمية. نظراً إلى أنها تختزن، وفق التقديرات، نحو 123 مليار طن من الكربون، يُنظر إلى الأمازون على أنها ذات أهمية بالغة في درء احترار عالمي كارثي. لكن خلال رئاسة جايير بولسونارو، الذي يدعم تطويرها [بالشكل الذي يراه مناسباً، إنشاء طرق ومناجم تعدين وزرع محاصيل]، ارتفع اجتثاث الغابات إلى أعلى مستوى له منذ 15 عاماً. الآن، تبعث أجزاء من الغابة كميات من الكربون أكثر مما تمتصه. وإذا تبعتها الأجزاء المتبقية، سيترك التأثير وقعه على مختلف أنحاء العالم.

 

تقاسي الغابة نفسها المخاطر الأعلى، حيث يجابه ملايين الناس للمرة الأولى أمازون أكثر حراً ودخاناً وجفافاً. تحدثت تقارير عن مشاهد غريبة: آبار اجتاحها الجفاف. وجداول لم يعد لها وجود. وصول الذئب ذو العرف، علماً أن موطنه الأصلي السافانا في أميركا الجنوبية. وأكثر من ذلك، ظهور كارثة تنتشر في أماكن أخرى في البرازيل، إنما ليس هنا: إنها العطش.

أحد الأماكن التي يطبق العطش على خناقها مدينة ريو برانكو النائية في ولاية أكري، التي يخشى العلماء أنها سبق أن دخلت مرحلة تغير المناخ. يبدو أن كل موسم مطير يجلب معه فيضانات عندما تتضخم الأنهار مع تدفق المياه السطحي الذي كانت الغابة تحكم سيطرتها عليه ذات يوم. ويؤذن كل موسم جاف بموجة من الجفاف، وحينها يختار عدد متزايد من الناس مكرهين بين اللجوء إلى المياه القذرة أو عدم استخدام المياه مطلقاً.

عليه، تبدو الأضرار التي تلحق بالصحة العامة واضحة للعيان، لا سيما بين صفوف الشباب. تفشى بين سكان ولاية أكري شكل حاد من الإسهال السنة الماضية وقد أودى بحياة طفلين، في حين ارتفعت الإصابات مجدداً العام الحالي. أدى الدخان الناجم عن الحرائق المستشرية في الغابات إلى تلويث هواء ريو برانكو إلى حد أن المستشفيات تستقبل في كل موسم جاف العشرات من المرضى المصابين بأمراض الجهاز التنفسي.

هذا المجتمع، الذي عانى موجة قحط أخرى العام الحالي، يلجأ إلى تدابير استثنائية بحثاً عن النجاة. ترسل الحكومة المحلية كل صباح أسطولاً من الشاحنات المحملة بصهاريج المياه إلى عدد غير مسبوق من المواقع: مدارس ومستشفيات والسجن ومجتمعات فقيرة كثيرة غير مربوطة بخط إمدادات مياه البلدية، حيث المصادر التاريخية أخذت تجف، وصارت الحياة اليومية تدور الآن حول عمليات تسليم المياه.

ماذا يسفر عن قطع الكساء النباتي؟ أي مقدار من إزالة الغابات يتحمله النظام؟ هل ثمة نقطة اللاعودة، وإذا كان الأمر كذلك فأين هي؟

 

يقصد السكان منطقة فرانكو مرتين أسبوعياً، الاثنين والخميس، عندما يجددون احتياطاتهم من الماء ويهدأ التوتر حتى بدء التسليم التالي من جديد.

في صباح يوم الاثنين من أواخر أغسطس (أب)، تسمع فرانكو صوت وصول شاحنة نقل المياه بعد الساعة التاسعة صباحاً. ولكنها لا تتحرك. لما كانت على مسافة قريبة منه، تسحب العائلات الثماني التي تسكن هذه الرقعة من حي "أداتو فروتا" المياه من الخزان المشترك. ولكن كوخ فرانكو، الذي تتشاركه مع حفيدتها البالغة من العمر 17 سنة، وصديق الفتاة وابنهما، يعتبر ثاني أبعد مكان عن الخزان.

في أفضل الأيام، قد تحصل فرانكو على كل حصتها تقريباً، فتهدأ مخاوفها بشأن الأمراض التي ربما تتهدد صحة الطفل صموئيل، الإسهال والجفاف وأسوأ بعد، إذا لم ينالوا نصيباً كافياً من الماء. ولكن الطقس هذا الصباح حار وجاف. لقد مرت أربعة أيام منذ آخر شحنة من المياه تسلمتها هذه الجماعة. تقنع المرأة نفسها أن روح المشاركة ستنتصر على الحاجات الفردية، ولكن عندما تحصل أخيراً على خرطوم المياه الخاص بهذه المجموعة من الناس، يكون الوقت متأخراً. الشمس بدأت بالغروب. تضع فرانكو الخرطوم في خزانها وتتراجع.

 

يخرج الماء من الخرطوم قطرة بعدها قطرة.

"المياه ضعيفة"، تقول فرانكو بصوت ملؤه القلق.

تضبط خرطوم المياه، تلويه بهذه الطريقة وتلك. ولكن تدفق الماء ما زال ضعيفاً جداً. أخذ آخرون أكثر بأشواط من صحتهم. ستمر ساعات قبل امتلاء الخزان، هذا إذا امتلأ أصلاً. تلتفت إلى الوراء وتنظر إلى منزلها.

أطباق متكدسة. كومة من الملابس المتسخة. والأكثر إلحاحاً، صموئيل.

ولسان حالها، "علينا فقط أن نتمسك بالأمل".

في سبعينيات القرن العشرين، قلب الباحث البرازيلي إينياس سالاتي الكثير من معارف العلماء عن الأمازون رأساً على عقب. حتى ذلك الحين، كان يُعتقد أن الأمطار الغزيرة في الغابة كانت وظيفة مناخية. ولكن من طريق دراسة نظائر الأوكسجين في مياه الأمطار في مختلف أنحاء منطقة الأمازون، وجد سالاتي أن نحو نصف كمية المطر أعيد تدويرها. اكتشف سالاتي وجود مصدر خفي للمياه في الأمازون طوال الوقت: الغابة نفسها.

تدور المياه عبر المنطقة الأحيائية، فتُستخدم ويعاد استخدامها. الأشجار، ذات الجذور العميقة، تشرب مياه الأمطار، ثم تفرز الرطوبة في الغلاف الجوي. بعد ذلك، تحملها رياح شرقية من المحيط الأطلسي إلى الداخل، حيث تتشكل في شكل مطر وتتكرر العملية. جزيء ماء واحد يُعاد تدويره حتى ست مرات.

"نظام فريد من نوعه لترسيب الأمطار وإعادة تدوير المياه"، وفق توصيف سالاتي.

أصبحت هذه المعرفة الأساس الذي يقوم عليه حقل دراسي جديد، يصب تركيز كثير من جوانبه على الأسئلة العاجلة عينها. إذا كانت الدورة الهيدروليكية التي تدعم غابات الأمازون تعتمد على حياتها النباتية، فما عساه يحدث عند إزالة الغطاء النباتي؟ ما هي قدرة النظام على التحمل بالنسبة إلى اجتثاث الغابات؟ هل ثمة نقطة لا عودة، وإذا صح الأمر، فأين هي؟

رأت دراسة مهمة أن شرارة اللاعودة تنطلق عند اجتثاث 40 في المئة من الغابات. لكن العلماء أضافوا لاحقاً عوامل تغير المناخ والنار- علماً أنها تشكل قوى تدميرية خاصة في الغابة التي لا تشتعل بشكل طبيعي- وأشاروا إلى أن نقطة اللاعودة ستحتاج إلى أقل من ذلك بكثير، موضحين أن المساحات الشاسعة في الغابة لا تقدم انطباعاً حقيقياً عن ضعفها الخطير.

في الحقيقة، "نحن نقف تماماً في لحظة مصيرية: نقطة اللاعودة قد وصلت"، كتب عالم المناخ البرازيلي كارلوس نوبري وعالم البيئة الأميركي توماس لوفجوي في "ساينس أدفانسيس" Science Advances  في 2019.

السقوط المحتمل الأول يترصد بمنطقة الجنوب الشرقي، إذ ارتفعت درجات الحرارة في موسم الجاف في العقود الأربعة الماضية بمتوسط 2.5 درجة مئوية، فيما انخفض هطول الأمطار بمقدار الربع. تترتب عن انهيار المنطقة عواقب وخيمة، ذلك أنه يسلب الغابات الغربية الرطوبة ويجرّ معها إلى الهاوية أجزاء أخرى من النظام الإيكولوجي.

وصفها فريق من البحاثة هذا العام بـ"الأحداث المتتالية لنقطة اللاعودة".

ريو برانكو، عاصمة ولاية أكري، معرضة جداً لهذا التسلسل من الأحداث. المنطقة البعيدة من المحيط الأطلسي، التي تعتمد على الأمطار المعاد تدويرها، تقع أيضاً على الحافة الغربية لما يسمى "قوس اجتثاث الغابات"، حيث تتركز ثلاثة أرباع خسائر الأمازون البرازيلية من الأشجار. في أكري، على مدى العقود الأربعة الماضية، بين يونيو (تموز) وأغسطس (آب)، أي ذروة الموسم الجاف، تراجع متوسط هطول الأمطار الشهري بمقدار الثلث تقريباً، بحسب النتيجة التي خلص إليها آري ستال، الباحث في "جامعة أوترخت". في ريو برانكو، تراجع متوسط هطول الأمطار الشهري إلى مستوى أعمق، من 2.2 إنش إلى 1.4 إنش.

يقول عالم المناخ برناردو فلوريس إن "أي منطقة أخرى ليست أكثر تأثراً بقوس اجتثاث الغابات من المنطقة الجنوبية الغربية. الكارثة تحدث أمام مرآنا فعلاً: قطع أشجار الغابات يحرم الغابة من المطر."

للتأثير وقعه المحلي أيضاً. عندما دمرت ريو برانكو مساحات شاسعة من غاباتها، قضت على نحو 200 من مصادر المياه التي تغذي الشريان المركزي للمدينة، نهر "أكري". قال كلوديمير ميسكيتا، المسؤول البيئي السابق في الولاية، إنه في العقود المقبلة، في حال استمرت هذه الاتجاهات، سيتراجع منسوب النهر إلى درجة منخفضة جداً إلى حد أنه "لن تصله حتى مياه الجريان السطحي التي تجد طريقها إلى المجاري. إنها قنبلة ذرية، وجاهزة للانفجار."

إنه الموسم الجاف في ريو برانكو: شهور من السماء الملبدة بالغيوم- ليس بسبب السحب، بل دخان حرائق الغابات. الأيام شديدة الحرارة إلى حد أنه يُسمح لعمال المزارع بالعودة إلى منازلهم. النهر ينحسر إلى أدنى مستوياته التاريخية. وأسطول من شاحنات توصيل المياه تسمى "بيبا" تستحوذ على الطرقات.

يقود واحدة من تلك الشاحنات رجل نحيف ذو شعر كثيف أشعث. على مدى العقدين الماضيين، وإذ صارت أحوال الجفاف تحدث بوتيرة أكبر وأخذ الناس يشكون من نقص المياه، اكتسب السائق شهرة في مختلف أنحاء ريو برانكو. اسمه فريدي ساليس. إنه رجل الماء.

في صباح كل يوم من أيام الأسبوع عند الفجر، يقود مركبته إلى أطراف المدينة، حيث تفضي الطرقات المعبدة إلى المسارات الترابية. لا يختلف الصهريج المكشوف عن كل شيء حوله: جاف ومقفور. لكنه "مصدر"، كما يسميه الجميع هنا، إذا يضخ سائقو "البيبا" المياه العذبة من طبقة المياه الجوفية التي ما زالت، حتى الآن، عميقة وباردة.

فيما يخترق شروق الشمس ضباب الدخان، ينتظر ساليس امتلاء خزانه بسعة 4200 غالون، وأصابعه تنقر على عجلة القيادة.

"هيا"، يقول فيما تنطلق من صدره المثقل تنهيدة عميقة.

بلغ موسم الجفاف ذروته هنا، وساليس، الذي أوصل المياه في ريو برانكو لفترة تفوق أي زميل آخر، يعرف أن الحفاظ على سير أمور المدينة رهن بأشخاص مثله. يقود مركبته إلى المدارس علّ الأولاد يحصلون على مياه تروي عطشهم. يقصد السجن مسرعاً كي يحول دون نشوب أعمال شغب. كذلك يزوّد مستشفى الأطفال وجناح الولادة بالمياه اللازمة. حتى أنه يغامر ويدخل الأحياء التي تسيطر عليها العصابات حيث الدولة شبه غائبة، إلا في ما يتعلق بتنظيم إمدادات المياه التي يجلبها.

خزان يفيض بالمياه، والمحرك يهدر، يرسم ساليس إشارة الصليب على صدره، ويقود مركبته إلى مدينة تبدو كل عام مختلفة عن نفسها. نشأ الرجل في مجتمع ينشغل سكانه بجمع مادة "الثى" من أشجار المطاط، إذ كانت الغابة خصبة والمياه وفيرة إلى حد أنه لم يكن يتصور أنها ربما تجف يوماً ما. الصور التي يراها الآن خارج نافذته، من حرائق على جانب الطريق، وحقول قاحلة بعدما انعدمت المياه في المدينة، واختفاء الغابة، بدت بالنسبة إليه رسوماً متحركة مرعبة إلى درجة حملته على الضحك. حتى هذه الوظيفة بدت غريبة عندما تولاها في عام 2000. لكن العمل منذ ذلك الحين أصبح يدل على شخصه، ويمنحه معنى لحياته.

ساليس سائق "بيبا"، هنا لخدمة العطاش.

وهنا قصة أخرى، امرأة مسنة تخضع لغسيل الكلى، تعرج على برميلها الفارغ من الماء فيما يضع ساليس خرطوماً سميكاً لملئه. تقول مارلي دا سيلفا أراوجو: "كل عام يكون الوضع أسوأ وأسوأ. مدّنا بالماء رحمة".

وفيفيان باتيستا دا سيلفا البالغة من العمر 15 عاماً، التي لم تعرف أبداً أي شيء سوى أحوال القحط في الموسم الجاف وتقنين المياه. "أليست هذه الحال دائماً؟"، تسأل.

كذلك الأم الشابة لأربعة أطفال التي تراقب ساليس فيما تملأ البرميل لجيرانها. "من الصعب أن تطلب الماء"، تقول لوسيانا كوستا دو ناسيمنتو ذات 31 سنة. بلوزتها البيضاء مليئة ملطخة ببقع عدة تعجز عن تنظيفها. "ولكن لا نملك أي ماء."

لاحظ ساليس هذه الحاجة للمرة الأولى بعد جفاف عام 2010. قصد مجموعة من السكان لم يكن يعرفها لتوصيل المياه، وأصابه الذهول إذ وجد أطفالاً متسخين، وعائلات ليس في متناولها ماء تشربه، والجميع جائعين. في الأمازون، لم يكن الفقر المدقع ظاهرة جديدة، ولكن نادراً ما بدا قاسياً جداً. بدأ ساليس يرى هؤلاء الناس على أنهم ضحايا غير منظورين لاجتثاث الغابات. كانوا يعتمدون على الغابة، يصطادون من جداولها، ويشربون من بركها، وكانوا في حال معدمة من دونها.

يصادف ساليس أشخاصاً على هذه الشاكلة في كل مكان هذه الأيام، في عمليات تسليم المياه التي تأخذه إلى أعماق الريف، حتى إلى أراضي السكان الأصليين، حيث ينتظر زعيم شعب أبورينا في إحدى المناطق القاحلة الممتدة قرابة 90 ميلاً (144.841 كيلومتر) من ريو برانكو، وصول مياهه.

ينظر جيرالدو أبورينا (62 سنة) إلى المنطقة التي أصابها الذبول بفعل أشعة الشمس وتشبه إلى حد ما الأرض التي نشأ فيها. أمام منزله الخشبي، يمرّ الآن طريقاً اتحادياً سريعاً قلب الأمور رأساً على عقب هنا، حتى اسم المحمية ارتبط به: "منطقة أبورينا الأصلية، كيلومتر 124، بي آر- 317".

الطريق السريع "بي آر- 317، الذي أنشئ في 1956، جلب قاطعي الأشجار الذين دمروا الغابة، ومربي الماشية الذين أقاموا سدوداً للجداول كي تصل المياه إلى ماشيتهم، قاطعين المصدر الرئيس للمنطقة. سرعان ما اختفت اللعبة التي اصطادها أبورينا، ورأى زعيم السكان الأصليين أن شعبه، مع قليل من الطعام والماء، يصبحون موظفين في تدمير الغابة، فيمزقونها أشلاء كي يتحولوا أنفسهم إلى مربي ماشية. الآن، الطريق السريع يأتي بالنتيجة الطبيعية لهذه الخسائر: توصيل المياه.

يتدفق المياه من الشاحنة إلى برميله. ينظر أبورينا إلى كل ما قدمه الطريق السريع له. أحفاده يلعبون على الهواتف الذكية. منزله خشبي وقوي. في الجوار متجر صغير حيث يمكنه شراء المشروبات الغازية ووجبات الطعام الخفيفة المصنعة.

و"لكن لا شيء من هذا كله يعوض ما فقدناه"، يقول أبورينا.

حضارته تحتضر. تخلى الجميع هنا تقريباً عن لغتهم الأصلية. حتى الماء هجر المكان، ويزداد شعور أبورينا بأن الوقت قد حان كي يتخذ القرار نفسه. عمليات التسليم بالنسبة إليه مهانة نهائية. لقد صار مجرد تابع.

امتلأ خزانه. شاحنة نقل المياه تتحرك مجدداً، فيما منزله في مكانه منسياً في الخلف، ضائعاً وسط سحابة من الغبار آتية من الطريق السريع الترابي.

لا سحابة في السماء. دخان وشمس فحسب.

بالنسبة إلى فرانكو، لقد حلت اللحظة الأفضل في الأسبوع. إنها السادسة والنصف في صباح اليوم التالي لتوصيل المياه. تدندن في نفسها، وتضع قليلاً من الماء على النار كي تعدّ الشاي والقهوة، اثنان من الكماليات هنا اللذان ما كانت لتتدبرهما في اليوم السابق، وتلقي نظرة على الملابس والأطباق المتسخة. التفكير في القدرة على تنظيف ما يحتاج إلى تنظيف أخيراً يغمرها بسعادة تكاد تنسى معها أن ما وصلهم من مياه أقل كثيراً مما تمنّت.

"اليوم، كل شيء نعمة"، تقول، إذ تنحني لترفع سلة ثقيلة من الغسيل المتسخ.

جاءت فرانكو إلى هنا من بلدة باويني النهرية في ولاية أمازوناس، التي تقع على مسافة 200 ميل إلى الشمال، والبعيدة عن قوس اجتثاث الغابات، فيما لا يمكن الوصول إليها إلا بالقوارب. عاشت حياتها كلها على طول منحنيات نهر بوروس، ولم تغادر إلا عندما طلب منها ابنها وابنتها النزول إلى ريو برانكو، حيث عاشوا من أجل العمل. قال ابنها إنه بنى لها كوخاً صغيراً بجوار منزله. تقودها رغبة في أن تجتمع الأسرة، وصلت في أواخر 2019 مع حفيدتها سارة، في منتصف موسم الأمطار.

كانت اعتقدت أنه "مكان مناسب للعيش"، كما تتذكر.

كانت البركة تفيض بالمياه، والأراضي رطبة وخصبة. كانت دلاء تجميع مياه المطر ممتلئة. انتقلت إلى الكوخ، مع شعور بالخير والراحة واللامبالاة، غير مدركة أن البركة ستجف قريباً، وستتصلب الأرض وتتشقق، وستمضي الدلاء أسابيع من دون قطرة أخرى. في موجة الجفاف الأولى تلك، لم تكن المدينة تعمل على توصيل شحنات المياه إلى هذه المجموعة المحلية من السكان، لذا شرعت فرانكو في التسول علّها تحصل على قليل من الماء. كانت تنتقل من منزل إلى آخر، وفي يدها دلو، وعندما قال أحد الجيران أخيراً، "سيدتي، يمكنك الحصول على كل الماء الذي يلزمك"، شكرت الله على كونه طيباً معها.

يعيش الآن أربعة أشخاص في كوخها، ويبدو أن حجم المشكلة ازداد كثيراً. سارة، التي تعاني صعوبة في التعلم، عندما قالت العام الماضي إنها أصبحت حاملاً إثر علاقة حميمة مع صديقها، استولى القلق على فرانكو. أدركت أن عبء حماية الطفل يقع عليها. ولكن السؤال حول سبل القيام بذلك في مجتمع بلا ماء، بقي دونما إجابة. طوال شهور، كانت مستاءة بشأن الأمراض التي ربما تطاول الطفل- مخاوف من أن تشعر كل يوم، بما في ذلك هذا المرض، بأنه على وشك أن يتحقق.

المياه التي وصلت أوشكت على النفاد، واستهلكت في الغسيل. ولكن تبقى الأعمال المنزلية.

تقف فرانكو خارج كوخها، وتنظر إلى أسفل، إلى ما تبقى من البركة، لونها بني ونتنة، والطين فيها أكثر من الماء. عملية التسليم الأخرى لن تكون قبل مرور يومين آخرين. لا تملك المرأة ترف الاختيار.

تأخذ بعض الصابون ثم ترفع سلة الأطباق المتسخة. تضعها بعناية على رأسها، وتتجه إلى البركة المتناقصة. تخطو على لوح خشبي على حافة الماء، تحرص على كشط الجزء الأقل عكارة من على سطح الماء، وتبدأ في سكبه على الأطباق، فيما الشمس تحرق ظهرها.

في بعض الأحيان، في مثل هذه اللحظات، تسمح فرانكو لعقلها بأن يعود بها إلى أمازوناس، إلى طفولتها عندما عاشت في قرية جدها التي كانت تفيض بالغابات والأنهار والأمطار. كل ما يزرعونه في الأرض ينبت: البطاطس، والطماطم، والبصل، والأناناس. كانت لتفعل أي شيء لعلها تعود إلى هناك، عندما "كان في متناولنا الكثير من الخير". ولكنها هنا، بدلاً من ذلك، تنظف الأطباق المتسخة بمياه قذرة، ولا تملك ما يكفي من مال لدفع تكاليف المواصلات إلى البلدة الواقعة على النهر، وهي تلعن نفسها لمغادرتها.

تنتهي من العمل الروتيني. تعيد الأطباق إلى السلة. تصعد إلى كوخها، وتتأمل الملابس النظيفة معلقة على الحبل. الغسيل جاف ونظيف تقريباً- فقط بضع لطخات باهتة.

تشد الملاءات إلى أسفل وترفع واحدة منها إلى وجهها. تتنفس الرائحة النظيفة بعمق قدر استطاعتها وتزفر ببطء. في هذه اللحظة، ترتسم بسمة عريضة على شفتيها. "رائحتها طيبة جداً" تقول، ثم تعود إلى كوخها للاطمئنان على صموئيل.

الشيء الوحيد المتبقي انتظار وصول المزيد من الماء.

بالنسبة إلى كثير من العلماء، لم يعد السؤال الأكثر إلحاحاً ما إذا كانت منطقة الأمازون في طريقها إلى بلوغ نقطة اللاعودة، بل ما الذي سيأتي بعدها. يقول البعض إن المنطقة الأحيائية التي ستنبعث من الحرائق ستكون غابة متدهورة ذات أحراج ظليلة مفتوحة. ويقول آخرون إنها ستبقى مغلقة إنما مشوهة. ولكن ربما تكون النتيجة الأكثر ترجيحاً الأشد خطورة- الغابة المدمرة تفسح المجال أمام ظهور أرض عشبية شاسعة.

يشير بحث إلى أن تحول غابات الأمازون إلى سافانا، فضلاً عن الاحترار العالمي، سيتهددان ملايين الناس في المنطقة بحرارة قاتلة محتملة. حتى في حال خفض انبعاثات الكربون، ربما يواجه 6 ملايين برازيلي هذا الخطر. ولكن إذا استمرت الانبعاثات في مسارها الحالي، فبحلول نهاية القرن، سيواجه حوالى ثلث سكان الأمازون البرازيلي، أي 11 مليون شخص، درجات حرارة تشكل "خطراً شديداً على صحة الإنسان"، بحسب ما أفاد باحثون العام الماضي في المجلة العلمية "كوميونيكيشنز إيرث أند إنفايرومنت" Communications Earth & Environment.

قد يشهد القرن المقبل خروجاً جماعياً من الأمازون، في تدفق بشري من شأنه أن يعيد تشكيل الأميركتين.

بينما يقود ساليس سيارته ماراً بحريق على جانب الطريق في وقت مبكر من صباح أحد الأيام، يبدو ذلك الاحتمال [الخروج الجماعي من الأمازون] أقرب. ريو برانكو على وشك الانهيار. بعد ظهر اليوم السابق، خلال مناوبة مدتها 14 ساعة، وصلته رسالة عاجلة مفادها أن الماء قد نفد من السجن. أعاد ملء خزاناته في الوقت المناسب، لكن القلق سيطر عليه. ماذا لو انفجر أحد إطارات المركبة، أو تأخر تسبب حادث ما. أي عدد من الأحداث غير المتوقعة في مقدوره تأخير وصول المياه، من ثم إثارة الشغب.

لا تنفك شبكة توزيع المياه تزداد خطورة وزعزعة، إذ يتوقف مصيرها على سير الأمور بشكل جيد. لا يعرف إلى متى ستستمر، أو متى يفيض الكيل بالناس هنا- إذ تستنفد الحرارة طاقتهم ويضنيهم شح المياه- فيرتأون المغادرة.

يمر بحريق ثانٍ. ألسنة اللهب تلتهم حقلاً بعيداً.

لا يعرف ساليس كيف أن هذه الدائرة من الحرائق واجتثاث الغابات والجفاف ستنكسر أبداً. يعتقد معظم من يتحدث إليهم أن إزالة الغابات تستنزف المياه وأن الفقراء يشكلون الفئة الأكثر معاناة. من يعانون أكثر من غيرهم هم الفقراء. ولكن مع ذلك، هذه الحال من العوز تحديداً تُستغل في تبرير ارتكاب مزيد من جرائم الدمار. السياسيون الذين في رأيهم سيجلب تطوير الأمازون الرخاء الاقتصادي للمنطقة يحصدون الأصوات هنا. في الانتخابات الرئاسية في أكتوبر (تشرين الأول)، خسر بولسونارو المنافسة، بيد أنه فاز بحصة ساحقة من الأصوات في منطقة "قوس اجتثاث الغابات".

حتى ساليس أعطى صوته لهؤلاء المرشحين. ليس لأنه لم يكن يخشى العواقب البيئية المترتبة عن رؤيتهم، بل لأن المحنة اليومية للفقراء بدت أكثر إلحاحاً. اقتصاد ريو برانكو يعتبر الأضعف بين اقتصادات عواصم الولايات البرازيلية. يحتاج الناس إلى عمل، حتى لو أفضت الوظائف التي يشغلونها إلى حجم أكبر من الدمار.

يمرّ بحريق ثالث، بعيد جداً في الحقول إلى حد أن ساليس يعرف أن السلطات ستتركه يستعر ببساطة.

هناك، خلف الدخان المتصاعد، محطته التالية: الجماعة المحلية التي تعيش وسطها فرانكو. بالنسبة إلى سالس، إنها المرأة الهادئة التي تسكن الجزء الخلفي من المعقل. لكن بالنسبة إلى فرانكو، يمثل مشهد شاحنته لنقل المياه مركب النجاة، وإشارة على أن الرب يجزيناً خيراً.

"اليوم سيكون أفضل"، تقول فرانكو في كوخها. "اليوم سنحصل على مزيد من المياه."

الحسابات الرياضية الصعبة لم تتغير. خزان سعة 2600 غالون. ثمانية منازل لتزويدها بالماء. ما زالت فرانكو، التي تخشى مواجهة جيرانها في منطقة تسيطر عليها العصابات، تحلّ في المرتبة السابعة. لكنها تعتقد أنه سيتعين عليها الحصول على المزيد هذه المرة. أخيراً، ستحظى الأطباق بالتنظيف الذي تحتاج إليه.

الخزان المخصص لهذه الجماعة المحلية ممتلئ. كل البيوت الستة تنتهي من تعبئة المياه قبل بيت فرانكو. وأخيراً، يحين دوره في الترتيب تالياً. ومرة أخرى، في وقت متأخر من اليوم.

صرخت وقد غمرتها الفرحة، ركضت إلى خرطوم المخصص للمجتمع المحلي، وصوت المياه العذبة الخارجة منه تقرقر. لا تهدر ثانية، وتروح تصل الخرطوم على عجلة بخرطوم آخر مناسب، ثم خرطوم آخر، كما لو أنه سلسلة من التمديدات التي تجد طريقها إلى صمام إغلاق بعيد. ثم تضع نهاية الخرطوم الأخير في برميل الماء الخاص بها، وتتنفس ببطء، وتتراجع خطوة إلى الوراء، وتأمل، وتأمل...

"يا إلهي"، تقول بحسرة.

"دفق المياه ضعيف مجدداً".

تنظر إلى كوخها حيث ينام صموئيل. ثم ترخي بصرها بسرعة إلى البركة، التي تعلم أنها ستعود إليها مكرهة قريباً، وأنها ستكون جافة جداً في غضون شهر، فلا تعود في متناولها حتى مياهها المليئة بالصابون كملاذ أخير.

تتلفت خلفها لتتفقد الخرطوم.

"إنها قطرة فقط"، تقول.

تجلس على الأرض الجرداء، تسحب ركبتيها عالياً حتى تصلان ذقنها، ومع هبوط الليل، تستمع إلى صوت قطرات الماء يدبّ في برميلها الفارغ.

(أسهمت غابرييلا سا بيسوا من ساو باولو في إعداد هذا التقرير)

واشنطن بوست