الصناعات الأوروبية تنزف بسبب الحرب التجارية الأميركية الصينية

الضرر يلحق بثلث شركات "الاتحاد"... واتفاق واشنطن وبكين قد يأتي على حسابها

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يصافح الرئيس الصيني شي جين بينغ في نهاية مؤتمر صحافي في قاعة الشعب الكبرى في بكين (أ.ف.ب.)

يجد الاتحاد الأوروبي نفسه اليوم في حالٍ يُضطر معها إلى إجراء توازن دقيق على المستوى العالمي. فتدهور العلاقات التجارية الأميركية الصينية، يتزامن مع اتّساع الهوة بينه وبين الولايات المتحدة في شأن التجارة، وتهديد الرئيس دونالد ترمب بفرض مزيد من التعريفات الجمركية على منتجات القارة الخضراء.

ويوافق مسؤولو الاتحاد بشكل أساسي على جوهر الانتقاد الأميركي للصين، ويشاركون واشنطن مخاوفها تجاه بكين المرتبطة بانفتاح السوق والمعاملة بالمثل والمنافسة العادلة والدور الضخم للدولة الصينية و"الحزب الشيوعي" في الاقتصاد الصيني، والمخاطر الأمنية على البنى التحتية الحيوية، والتأثير السياسي في الخارج، ولا سيما النفوذ التكنولوجي المتنامي للصين. إلا أنهم في المقابل، لا يوافقون على أساليب المواجهة الأميركية مع الصين وأخلاقياتها التي تضرّ بالاقتصاد العالمي.

وسط النزاع

ويرى مراقبون أنه مع استمرار توترات الحرب التجارية، ستصبح أوروبا عالقة وسط معركة التنافس الأميركي- الصيني التي يمارس فيها الطرفان مكائدهما السياسية والجيو- استراتيجية.  وقد حاولت الصين في هذا الصراع، جذب أوروبا إلى صفها. وفيما اتفق الاتحاد الأوروبي والصين على تعميق العلاقات التجارية بينهما ودعم قواعد التجارة، إلا أن المفوضية الأوروبية، الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي، لم تتوانَ عن وصف الصين بأنها "منافس اقتصادي نظامي". وفي الوقت ذاته، حافظ الاتحاد الأوروبي على قواعد التحالف مع الولايات المتحدة على الرغم من التوترات الراهنة مع إدارة ترمب.

الشركات الأوروبية

​وتعاني الشركات الأوروبية مباشرة من الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، لكونها تنتج وتبيع في كلتا الدولتين، وتشعر بقلق إزاء التباطؤ الاقتصادي في الصين وعلى مستوى العالم. فعدد كبير من تلك الشركات يصنع منتجات في الصين ويصدّرها إلى الخارج. ومن الناحية النظرية، يمكن أن تستفيد بعض الشركات الأوروبية من النزاع بأن تقفز إلى الأسواق في حال بقاء الشركات الصينية خارج السوق الأميركية، لكن ذلك سيقتصر على عدد قليل من المؤسسات والقطاعات. فالصدام بين بكين وواشنطن لا يفيد الشركات الأوروبية، على عكس ما كان يأمل البعض في بداية النزاع العام الماضي.​

قطاع التصنيع

ديفيد بيرنز، رئيس "مجلس الأعمال الإنجليزي" في دولة الإمارات، قال في تصريحات  لـ"إندبندنت عربية"، إن "الحرب التجارية المشتعلة بين الولايات المتحدة والصين سيكون له تأثير مدمّر على الأعمال التجارية العالمية في كافة أنحاء العالم". وأضاف أن "الصناعات الأوروبية ستتأثر بالحرب التجارية وبحرب التعريفات"، مشيرا إلى أنه سيكون من الصعب توقع ملامح هذا التأثير.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ورأى أن "أحداً لا يستطيع أن يحدّد ما هي استراتيجية لجنة التجارة الصينية فيما يتعلق باستهداف منشآت التصنيع في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. ولا أستطيع تبصر تلك الاستراتيجية أو حتى التعليق على ما سيفعله الصينيون بعد ذلك، فالأمر مرتبط بما ستؤول إليه المفاوضات بشأن الرسوم بين البلدين.، لكن ما أستطيع قوله إن الاتحاد الأوروبي وأوروبا عموماً يشعران بقلق من وصول القضايا العالقة بين أكبر كيانين تجاريين في العالم إلى هذه النقطة من النزاع. ومن المهم الإشارة إلى أن قطاعات التصنيع في المملكة المتحدة ستكون أقل تأثراً من نظرائها في دول الاتحاد الأوروبي لأن الكثير من صناعاتنا قد انتقلت إلى القارة".

محاذير الاتفاق

​وكان الرئيسان الأميركي والصيني قد اتفقا على الدخول في هدنة خلال لقائهما في "قمة العشرين" في مدينة أوساكا اليابانية أخيرا. وقررا العودة إلى المباحثات. ويتوقع خبراء أوروبيون أنه في حال نجح ترمب في دفع الصينيين إلى اتفاق تجاري يقلص العجز التجاري الأميركي، فستكون له نتائج سلبية على أوروبا، بحيث يمكن أن تأتي البضائع الأميركية الإضافية إلى الصين على حساب المنافسين الأوروبيين.

وكان قد تراجع مؤشر (The Purchasing Managers- Index -PMI) الخاص بالتصنيع لمنطقة اليورو إلى 47.6 في يونيو (حزيران) الماضي، عن التقديرات الأولية البالغة 47.8 و47.7، فيما شهد نشاط المصانع انكماشاً وسط توترات تجارية عالمية مستمرة وعدم اليقين السياسي، بالإضافة إلى الضعف المستمر في صناعة السيارات، كما استمر تقلص الإنتاج والطلبيات الجديدة وطلبات التصدير.

وتم تسجيل تخفيضات في الوظائف في قطاع التصنيع، واستمرت ألمانيا في إظهار أقوى تدهور في ظروف تشغيل التصنيع، تلتها النمسا وإسبانيا. في المقابل، تم رصد نمو متواضع في فرنسا. بينما بقيت اليونان الأفضل أداءً من حيث التوسع في التصنيع. ​

دراسة أوروبية

وفي دراسة حديثة أجرتها الهيئة الصناعية التابعة لـ"غرفة تجارة الاتحاد الأوروبي" في الصين، لرصد مدى تأثير الزيادات الأخيرة في الرسوم على الأعمال الأوروبية، كشفت عن أن التوترات التجارية المستمرة بين أكبر اقتصادين في العالم والتعريفة التفضيلية، قد أثرت سلباً على وضع شركات أوروبية في الصين.

وأكدت أن النزاع التجاري يضرّ بثلث شركات الاتحاد الأوروبي العاملة في الصين. ​الدراسة التي استطلعت آراء 585 شركة أجريت في فترة ما بين شهري يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط)، وهي الفترة التي شهدت تراجعاً في التوترات التجارية عبر المحيط الهادئ بعد هدنة بين الرئيسين الأميركي والصيني. لكن التوترات تصاعدت في مطلع مايو (أيار) مع فرض واشنطن وبكين زيادات متبادلة على الرسوم الجمركية.

نتائج الدراسة خالفت التوقعات القائلة بأن الأوروبيين، وعلى رأسهم فرنسا وألمانيا، سيكونون أكبر المستفيدين من تصاعد التعريفات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وأن الاختلال التجاري الناتج من الرسوم الإضافية، والحواجز الأخرى، من شأنه أن يفتح المجال أمام اقتصادات منطقة اليورو الأساسية للحصول على حصة أكبر في سوق التصدير.

​وكان فريق البحوث الاقتصادية في مصرف "باركليز" قد توقع خسارة تجارية مقدارها 0.1% من الناتج المحلي الإجمالي في منطقة اليورو، استناداً إلى حساب التجارة بين الولايات المتحدة والصين بنسبة 1.6% من القيمة المضافة لمنطقة اليورو، وهو ما يمثل الفرق بين كلفة المدخلات إلى الإنتاج وسعر الإنتاج في أي مرحلة معينة في عملية الإنتاج الشاملة.​

صناعة السيارات

الرسوم الجمركية التي من المتوقع أن تفرضها الصين على السيارات الأميركية، ستضرب شركات صناعة السيارات الألمانية "دايملر" و"بي إم دبليو" و"مرسيدس"، لأنها تصنع سياراتها في الولايات المتحدة وتصدّرها إلى الصين. وكانت "دايملر" قد خفضت توقعاتها للأرباح، مشيرة إلى أن التكاليف أعلى من المتوقع مع فرض الرسوم الجديدة. وحذّرت شركة "بي أم دبليو" من أن التعريفات الجمركية ستجعل من الصعب عليها أن تبيع السيارات التي تصنعها في مصنعها في سبارتنبرغ- ساوث كارولينا، في السوق الصينية ما قد يؤدي إلى انخفاض كبير في حجم الصادرات وتأثيرات سلبية على الاستثمار والتوظيف في الولايات المتحدة.

وكان ترمب كان قد حضّ الاتحاد الأوروبي على التخلي عن تعريفة الـ 10% على السيارات المستوردة. ويبلغ رسم سيارات الركاب الأميركية 2.5%، بينما تفرض تعريفة 25% على شاحنات النقل الصغيرة، مهدّداً بفرض رسوم على السيارات المستورة من أوروبا.

خلافات مزدوجة

وكانت الخلافات الأوروبية مع واشنطن قد احتدمت بعد فرض الأخيرة رسوماً على الصلب والألومنيوم الأوروبي، وردّت الكتلة المكونة من 28 دولة بفرض ضرائب استيراد على نحو 3.25 مليار دولار من البضائع الأميركية.

وهددت الولايات المتحدة بفرض رسوم جمركية على واردات الاتحاد الأوروبي بقيمة تصل إلى 4 مليارات دولار، نتيجة الضرر الناجم عن دعم الاتحاد الأوروبي لعملاق الطيران "إيرباص"، والتهديد الأميركي هو الثاني، ففي أبريل (نيسان) الماضي أعلنت واشنطن عن تعريفة مقترحة على سلع الاتحاد الأوروبي بقيمة 11 مليار دولار. أما فيما يتعلق بالصين، فالخلاف معها مدرج أمام "منظمة التجارة العالمية" في قضايا عدة تتعلق بالإغراق وتقليد السلع والمنافسة غير العادلة وغيرها.