فنان سوري يرسم ممثلي الكوميديا السورية على جذوع الشجر

لوحات لم يعتد مشاهدتها رواد الحديقة

الحديقة التي رسم بها الفنان بهاء الدين صفية اللوحات (اندبندنت عربية)

"جودة أبو خميس" و"أسعد خشروف" و"غوار الطوشه" و"أبو صياح" وغيرهم من نجوم الكوميديا السورية أضحكوا كل من تابعهم على التلفاز، ورسمت كل شخصية منهم (كاريكاتوراً) وبسمة لا تُمحى من قلوب وذاكرة طيف واسع من جمهور محلي وعربي على مدى عقود من الزمن، يستحضرهم اليوم الرسام السوري "بهاء الدين صفية" بريشته وهذه المرة من على جذوع أشجار مدينته طرطوس الساحلية، غرب سوريا.

ألوان البحر

وسط زرقة يغرق فيها المكان، وبين شاطئ يطل على البحر المتوسط، وسماء صافية وديعة يتناغم فيها الصباح مع أشعة شمس استفاقت لتوّها مداعبة وجوه أناس متناثرين جلوساً على المقاعد الخشبية للحديقة العامة في طرطوس يحتسون قهوتهم ومحدقين بالأفق.
لا يكسر الصمت سوى أبواق سياراتٍ متقطعة من الشارع المطل على الحديقة، وصوت فيروز، لكن ما كسر نمطية المشهد هذا الصباح هو حضور طاغ لنجوم الكوميديا عبر لوحات لم يعتد رواد الحديقة مشاهدتها من قبل مرسومة على جذوع الأشجار خطتها يد بارعة غاصت بأدق تفاصيل الوجوه ليس على الورق كما اعتاد الرسامون بل على خشب الطبيعة وأشجارها.

 


الكوميديا والجمال

يقف الرسام بهاء الدين تاركاً شيئاً مما يحمله اسمه على حديقة تُعدّ رئة المدينة، وعلى الأشجار الخضراء المعمّرة برزت الألوان المائية التي استخدمها في رسومه ضافية حضورها الطاغي كما البحر. وكسا بمبادرته الفنية الفردية جذوع أشجار الحدائق أثواب شخصيات لطالما ألِفناها ومرّت بذاكرتنا كطيف أو حلم جميل يرسمها بتأن مع بسمة لا تفارق محياه مستذكراً أبرز مشاهد عمالقة الكوميديا وإبداعاتهم.
لم يُفاجئ الرسام "صفية" من عرف إبداعه، لكنه أدهش من رمق لوحاته لأول مرة متفحصاً إياها ومدققاً بشارب (أبو صياح)، ضحكة (ياسين بقوش) الطيبة، نظارة (حسني البورظان) الذي استمات لأجل الزواج من (فطومة)، الطربوش الأسود لـ (أبو كلبشه) رئيس الكركون وجميعهم رحلوا تاركين إرثاً كوميدياً لا يُنسى.
وكما هذه التجربة أضفت رونقاً خاصاً على المكان وأعادت الناس بالألوان لزمن الأبيض والأسود، الزمن الجميل كما اعتاد السوريون على وصف هذه الحقبة الزمنية، لا تتوقف ريشة الفنان عن اصطياد (بورتريهات) لوجوه كوميدية سورية معاصرة كما (جودت وأسعد) ومعهم الشرطي (أبو نادر) الشخصيات الشهيرة لمسلسل "ضيعة ضايعة" والتي صورت مشاهده في الساحل السوري.

تجربة جديدة

مع تداخل الزهور وخضرة الأشجار وألوان بهاء الدين المائية الممتعة لكل من يتوقف ويشاهدها، حطمت جمود الصباحات، وباتت تسترعي انتباه الناس وتستوقفهم وتخفف شيئاً من توتر الحرب وآلامها، بينما يتداعى المعجبون لالتقاط صور تذكارية مع تلك اللوحات "أردت زرع ابتسامة صباحية لكل من يسعى ماراً بالحديقة العامة إلى عمله ولروادها، هدفي هو نشر الجمال في كل مكان".
وعلى الرغم من أن الفنان "صفية" فنان تشكيلي ورسام بارع لا يتوانى عن وضع لمساته ولوحاته الواقعية التي تمثل الطبيعة والبحر في شوارع المدينة والمنازل والأماكن العامة مكرّساً ذلك من طريق الرسم بما يسمى الأبعاد الثلاثية طالما أمتعت من حَظِي بمشاهدتها، إلا أن تجربته بالرسم على الأشجار كانت الأكثر متعة بالنسبة إليه.
تجربة جديدة تحاكي انسجاماً وتواصلاً واقعياً بين الفنان والطبيعة، ويقول صفية إنه على الرغم من سفره وتجواله، لم يسمع بتجربة كهذه من قبل، ويصفها أحد المارة بأنه عمل فريد لا بد من تشجيعه وتكريمه على ما خلقه لنا من فرحة وإبداع فني لم نشاهده سابقاً في الحدائق والأماكن العامة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)



رسم المشاهير

وبكل ما في هذه الطريقة من مشقّة وتحدٍ يواظب على رسم الوجوه، إذ بلغت لوحاته العشرات بينما رسم 10 لوحات عن الشخصيات الكوميدية ويقول "مستمر بالرسم وإصراري على نشر الجمال لا حدود له، تجربتي المقبلة، سأرسم مشاهير الغناء والطرب في أماكن متعددة ومنها جذوع الأشجار".
يتحدّى بهاء الدين تضاريس الشجرة بكل ما تحمله من مشاقِ الرسم، باذلاً مجهوداً مضاعفاً، فالرسم على شجرة نافرة العروق وبارزة العُقد والتداخلات لا تُقارن من حيث سهولة الرسم بلوحة تُرسم على الورق شارحاً لنا الرسام "صفية" كيف يضاعف من جهده لإبراز الوجوه وتفاصيلها مع هذه العقبات بدقة متناهية على الرغم من هذا التحدي الذي يستغرق معه وقتاً أطول.
ويكمل حديثه معنا "ليس من السهل أن ترسُم على جذع شجرة وبعيداً من اختيار الشجرة المناسبة، ما يصادفني من صعوبات العقد والانحرافات في أخاديدها أمر بحاجة إلى دقة وصبر "لا بد أن تكون عارفاً وملماً جيداً بإكمال لوحتك التي باشرت بها".

رسمت مدينة تدمر

ويضيف الفنان السوري "المواد التي أرسم بها بسيطة هي عبارة عن ألوان مائية مفيدة أيضاً للأشجار، سبقت تجربتي تلك تجربة ممتعة حينما رسمت مدينة تدمر بأعمدتها وأوابدها التاريخية بالأبعاد الثلاثية، وسبقها رسم للوحة كبيرة في الكورنيش المطل على البحر، أعشق التجديد بالعمل".
وتبقى لوحات "بهاء الدين صفية" على جذوع الشجر وشخوصه المرسومة بحرفية عالية علامة فارقة ينكبّ هذا الفنان السوري على تطويرها وإبداع المزيد منها في كل مكان في بلد أرهقته الحرب ويحتاج إلى مساحة ولمسات من ألوان بهية ومائية تنشر الجمال في كل مكان.

المزيد من فنون