ترمب و"المركزي"... عقلية رجل الأعمال تجور على البروتوكولات السياسية

انتقادات للرئيس الأميركي... وتشبيهه بأردوغان بعد ضغوط متواصلة على الفيدرالي

يتخوف ترمب من تباطؤ الاقتصاد الذي يهدد فرصه في الفوز بولاية ثانية بانتخابات 2020 (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية انخفاضها في أول جلسة لهذا الأسبوع، أمس الاثنين، بعد أن تراجعت آمال المستثمرين بشأن إمكانية خفض مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) أسعار الفائدة في وقت لاحق هذا الشهر، بفضل بيانات قوية حول معدلات التوظيف في القطاع الخاص لشهر يونيو (حزيران)، التي صدرت الأسبوع الماضي وجاءت أفضل من التوقعات.

وأرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب في إجازة نهاية الأسبوع رسائل جديدة للبنك المركزي لخفض أسعار الفائدة، قائلا إنه عليه "اتخاذ إجراءات أخرى غير تقليدية لتخفيف الضغط على اقتصاد بدأ يتباطأ".

ويتخوف الرئيس ترمب من تباطؤ الاقتصاد الذي يهدد فرصه في الفوز بولاية ثانية في الانتخابات المقبلة في العام 2020، خصوصا أنه بنى صورته أمام الناخبين الأميركيين على أساس أنه منقذ الاقتصاد الأميركي بعد سنوات طويلة من الأداء المتردي بفعل الأزمة المالية.

ترمب والبورصات

ولطالما غرّد ترمب محتفلا بارتفاعات البورصات أو بهبوط البطالة لمستويات تاريخية، ناسباً كل الإنجازات الاقتصادية إلى ولايته التي بدأت في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام 2016.

وفعليّاً يعيش الاقتصاد الأميركي واحدة من أفضل سنواته منذ الأزمة المالية، إذ يدخل الاقتصاد في أطول فترة نمو على الإطلاق لمدة عشر سنوات متواصلة، وانخفضت البطالة إلى أدنى مستوى منذ 50 عاما، وتعيش البورصات الأميركية إحدى أطول فترات الصعود المتواصلة منذ الأزمة المالية، وكلها مؤشرات دفعت البنك المركزي إلى زيادة أسعار الفائدة في العام الماضي أربع مرات.

لكن هذه الزيادات أزعجت ترمب الذي أخذ ينتقد بشدة رئيس البنك المركزي جيروم باول، علما بأن الرئيس اختاره شخصيا قبل عامين لرئاسة البنك المركزي الأميركي. وعلى العكس، يطالب ترمب البنك المركزي بخفض أسعار الفائدة لمواصلة الانتعاش الاقتصادي.

خفض الفائدة إشارة سلبية

ومع أن خفض الفائدة يعني، اقتصاديا، أن نمو الاقتصاد ضعيف ويحتاج محفزات، وتأتي الفائدة على رأسها، إلا أن ترمب يعتبره فرصة لعدم هبوط الاقتصاد. فانخفاض الفائدة يحفز الشركات على الاقتراض بأسعار أقل، ويحفز على إطلاق شركات جديدة في السوق وتوظيف مزيد من الناس، كما يخفض تكاليف قروض الشركات الحالية، ويرفع أرباحها تلقائيا، وهي مؤشرات جيدة لحملة الأسهم وللمستثمرين في البورصات. 

ويركز ترمب على البورصات بشكل رئيسي لأنها تعكس صورة حية ومباشرة لأداء إدارة ترمب الاقتصادية، لذا فإن مواصلة هذه البورصات تحقيق قفزات تاريخية، كما هو الحال الآن لبورصة "اس اند بي 500" التي تقيس أكبر 500 شركة أميركية، أكبر داعم فوري للأداء الاقتصادي، الذي يهمّ الناخب الأميركي بدرجة أولى.

الحرب الأميركية الصينية

ولعبت إدارة ترمب نفسها دورا رئيسا في تحفيز البورصات في العام الماضي، عندما خفضت ضرائب الشركات من 35% إلى 21%، وهو ما أسهم في قفزات في أسعار أسهم الشركات في البورصات الأميركية على مدار العام الماضي وحتى الآن، بفضل توقعات المستثمرين بتسجيل الشركات أرباحا أعلى.

لكن البنك المركزي ينظر للاقتصاد الأميركي بشكل عام، وعندما ألمح إلى إمكانية خفض الفائدة، كانت هناك مخاوف حقيقية حول الحرب التجارية التي بدأتها إدارة ترمب مع الصين، عندما قررت قبل شهرين رفع الرسوم الجمركية بنسبة 25% على بضائع صينية بمليارات الدولار.

لكن "المركزي" خالف معظم التوقعات، إذ لم يحرك الفائدة في اجتماعه السابق في 19 يونيو (حزيران) الماضي، متجاهلا كل الضغوط السياسية من إدارة ترمب، ومؤكدا على استقلالية "المركزي" في قراراته.

كسر البروتوكولات

ويعتبر تدخل الرئيس الأميركي في أعمال السياسة النقدية، المسؤول عنها البنك المركزي، ظاهرة غير مسبوقة في البيت الأبيض، حيث دأب الرؤساء الأميركيون على احترام استقلالية البنك المركزي، بينما حطم ترمب هذه البروتوكولات السياسية.

وبدأت الصحافة الأميركية تشير إلى سير ترمب على خطى رؤساء ديكتاتوريين، وتتهمه بأنه لا يختلف عن رؤساء تتهمهم أميركا بعدم احترام الديموقراطية والفصل بين السلطات ويتدخلون بشكل فجّ في السياسات النقدية، وآخرهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي أقال محافظ البنك المركزي التركي، مراد جتينقايا، لضعف أداء الاقتصاد وعدم تمكنه من انتشال الليرة التركية.

ترمب يدير شركة وليس بلدا

يقول المحلل كالفين دارك، المدير والمؤسس المشارك لمجموعة RC  في واشنطن لـ"إندبندنت عربية"، إن "الرئيس ترمب أظهر منذ بداية عهده أنه لا يعرف قيم الاستقلالية لمؤسسات وإدارات عدة، مثل البنك المركزي والقضاء". ويضيف أن "البنك المركزي وُجد كمؤسسة مستقلة، إذ يوجه سياسته النقدية بناء على الأداء الاقتصادي وما هو الأفضل للولايات المتحدة الأميركية على المدى الطويل، وهي ليست مبنية على سياسة البيت الأبيض التي تتغير باستمرار".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 ويقول دارك إن مشكلة الرئيس الأميركي هي "في تفكيره في إدارة البلد كأنه يدير شركته الخاصة، فهو يعتقد أنه رئيس تنفيذي لشركة وليس لدولة، وأن المدعي العام هو محامي الشركة الخاص، والبنك المركزي هو الإدارة المالية للشركة التي تعمل لتسهيل مهمته كرئيس تنفيذي".

ويرى دارك أن "البنك المركزي أو الكونغرس سيلتفتون للأرقام الاقتصادية فقط في تحديد أولوياتهم، وليس إلى آراء ترمب التي تخدم استطلاعات الرأي للناخبين الذين سيؤيدونه في الانتخابات المقبلة".

وسيعرض جيروم بأول تقريره للسياسة النقدية للنصف الأول من هذه السنة أمام الكونغرس يوم الأربعاء المقبل، وسيكون هذا التقرير مؤشرا لاتجاهات البورصات والاقتصاد في المرحلة المقبلة.

على خطى أردوغان

ومن المفارقة أن ترمب يؤكد أنه يسير على خطى أردوغان في محاولة تغيير جيروم باول، إذ قال إنه يعتزم ترشيح حليفه السياسي، هيرمان كين، وهو رئيس تنفيذي سابق لإحدى شركات "البيتزا"، لشغل أحد مقعدين شاغرين في مجلس محافظي الاحتياطي الاتحادي المؤلف من سبعة أعضاء.

وقبل أسبوعين، قال ترمب إنه سيرشح المعلق الاقتصادي المحافظ، ستيفن مور، لشغل المقعد الشاغر الآخر. ومور أيضا حليف لترمب منذ وقت طويل، وانضم إليه في انتقاد زيادات الفائدة التي حدثت العام الماضي، بحسب بيانات "رويترز".

وكان مجلس الاحتياطي رفع أسعار الفائدة تسع مرات منذ عام 2015 مع توسع الاقتصاد، لكن المعدلات ظلت منخفضة مقارنة بالمعايير التاريخية.

وول ستريت تنخفض

وتراجعت أسهم وول ستريت صباح الجمعة الماضي، مع اعتقاد المستثمرين أن بيانات شهر يونيو (حزيران) القوية حول معدلات الوظائف قد تجعل خفض الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة هذا الشهر أقل ترجيحاً.

وأعلنت وزارة العمل الأميركية إضافة أصحاب العمل 224.000 وظيفة جديدة خلال يونيو (حزيران)، بمعدل أعلى مما كان متوقعاً.

وانخفضت الأسهم الأميركية أمس الاثنين في ظل استمرار تقييم المستثمرين لفرص إقدام مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) على خفض كبير لأسعار الفائدة في وقت لاحق هذا الشهر. وتراجع المؤشر داو جونز الصناعي 115.98 نقطة أو 0.43% إلى 26806.14 نقطة. وانخفض المؤشر ستاندرد آند بورز 500 بمقدار 14.46 نقطة أو 0.48% إلى 2975.95 نقطة. وهبط المؤشر ناسداك المجمع 63.41 نقطة أو 0.78% إلى 8098.38 نقطة.