كلا ليس طرح الوقائع عن البدانة ومرض السرطان  "تشنيع بالبدانة" فالعلم حقائق بلا أحكام

كلُ كلامٍ عن عيش البعض "داخل أجسام أضخم حجماً" كأنهم يرتدونها مثل أي قطعة من الملابس هو تحريفٌ لغوي غريب يشير إلى تقليص دور المسؤولية الشخصية

البدانة عامل أساسي في زيادة مخاطر نمو المرض (غيتي)

 

وضعت أكبر منظمات الأبحاث في مجال مرض السرطان في أوروبا أمام أعيننا بعض المعلومات الجديدة والثمينة فاصطدمت بجدلٍ في ما يُشاع أنه تعيير بالبدانة.

 تذكّرنا آخر حملة دعائية أطلقتها المنظمة الخيرية لأبحاث مرض السرطان في المملكة المتحدة (Cancer Research UK) بأنّ البدانة عامل أساسي في زيادة مخاطر نمو المرض كما تكشف الحملة أنّ الإصابة ببعض أنواع السرطان (ومنها سرطاني الكبد والمبيض اللذين ما زالت معدلات الوفيات من جرّائهما سيئة) تعود إلى البدانة أكثر منه التدخين.

كم هذا ملفت. وكم له من دلالات، على الأقل على مستوى شعب بأكمله. إذ بينما وصلت معدلات المدخنين في صفوف البالغين في بريطانيا إلى  14 في المئة فقط العام الماضي، يصنّف 26 في المئة من البريطانيين البالغين تحت خانة البدانة وفقاً لإدارة الصحة العامة في إنجلترا ومكتب الإحصاءات الوطني.

هذه قفزة مهمة في فهمنا لنمو مرض السرطان وأسبابه. ورغم ذلك تورّطت المنظمة الخيرية إثر محاولاتها تعميم هذه المعلومة بالجدل القائم في طريقة تحدّثنا عن أجسادنا وطرق عيشنا. 

أطلقت الجمعية حملة دعائية تظهر فيها كلمة "بدانة" على علبة سيجارة متخيّلة لتسليط الضوء على التشابه بين الوزن الزائد والتدخين من حيث المساهمة باحتمال نمو الخلايا السرطانية. لا شك في أن الصورة جريئة ولكن هل من سبيل آخر لشدّ انتباهنا في هذا العالم المليء بوسائل تشتت تركيزنا؟  

وهي جذبت الانتباه بالفعل. ولكن موجة النقد التي تبعتها لم تهدأ البتّة ولا سيما على منصات التواصل الاجتماعي. وقال احد المنتقدين مثلاُ "التعيير بسبب البدانة يزيد من استياء الناس وتُشعرهم بالمسؤولية عن إصابتهم بالسرطان. فوجود رابط لا يعني أنها السبب وراء المرض."

وغضب كثيرون من طرح فكرة أنّ البدانة أسلوب اختياري للحياة مثل التدخين.

والحق معهم في أنها ليست كذلك. ولكن هل التدخين بدوره خيارٌ فعلاً؟

نعلم أنّ تدخين السجائر يرتبط بمشاكل اجتماعية أخرى كالفقر ومستوى التحصيل العلمي والفرص السانحة في الحياة. تماماً كالبدانة. وبالنسبة لمن يعانون من إدمان حقيقي على النيكوتين وهم أغلبية المواظبين على تدخين السجائر، فالإقلاع عن هذه العادة عملية في غاية الصعوبة والتعقيد ينتج عنها تحسنٌ صحي فوري وقابل للقياس. وتنطبق هذه النقطة أيضاً على خسارة الوزن.   

تشكل أنماط الأكل بالنسبة للبعض إدماناً أيضاً. ليس الأمر بهذه الخطورة بالنسبة لمعظمنا ولكن تغيير العادات يتطلب عملية نفسية مضنية.

إن طريقة تناولنا مواضيع الأكل والأجسام خطرة. فخلافاً للنيكوتين أو القطران تحتاج أجسامنا للطعام كي تنمو، بما في ذلك الدهون والنشويات التي تهاجمها بدع الحميات الغذائية منذ الأزل. وأجسامنا متنوعة بطبيعتها، ويدلّ اختلاف أشكالنا وأحجامنا على أنّ ما يعتبر طريقة حياة صحية وجسماً صحياً بالنسبة لأحد الأفراد لا ينطبق جسدياً على أي أحد غيره على الإطلاق.      

لذلك يجب تصوير هذه المعلومات عن السرطان وجذوره بطريقة تراعي ثقافتنا المنحرفة بتقديس الجسد التي تنتقد الأجسام الأصغر والأضخم على حد سواء، فيما صارت الموضة تشجع على التحلي بما يعرف بجسم الآباء أي جسم رجل في متوسط العمر لديه كرش.

ينبذ المجتمع حاجات الأجسام الأكبر والأصغر حجماً على الدوام وليس فقط في ما يخص الوزن بل الطول أيضاً. يبلغ طولي خمسة أقدام ولا يناسبني شخصياً تصميم وسائل النقل العامة تماماً مثلما لا يناسب أي شخص ذو كتلة جسمية أكبر. بعد كل رحلة في القطار تتشنج رقبتي لأنّ وسائد الرأس تدفع برأسي إلى الأمام بسبب تصميمها كي تناسب متوسط الطول لدى الركاب وهو ما يفوق طولي بستة إنشات. 

لكن يجب ألّا تؤدي مراعاة هذه الفروق إلى طمر المعلومات العامة لأنها يمكن أن تسيء إلى شخص يعاني من البدانة. ولا يجب أن تعتذر منظمة الأبحاث في السرطان على جرأتها في اختيار تقنيات الحملات. فأهدافها تستحق الثناء، وإن كانت مضطرة إلى صدمنا كي تحققها فليكُن.  

نغالي في التبسيط إن قلنا إن "التعيير" كما يقال عنه الآن لم ينتج آثاراً إيجابية على الإطلاق. فبعد إثبات الصلة بين دخان السجائر من جهة ووفيات حديثي الولادة وأمراض الأطفال من جهة ثانية، صار التدخين على مقربة من الأطفال عملاً معيباً وكان لذلك منافع واضحة. من الملفت إذا أن يكون الجيل الذي استفاد من هذا التغير الكبير في التصرفات في أواخر ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي يظهر اليوم ميلاً أقل لاستهلاك المواد ومنها النيكوتين والكحول.

فلماذا إذاً لا يمكن تكرار العملية نفسها اليوم مع الاستهلاك المفرط للسعرات الحرارية والحركة الجسدية؟ لمّا فرضت "الضريبة على السكر" المهددة الآن مع سعي بوريس جونسون إلى تولّي منصب رئاسة الوزراء، وافق عليها المجتمع وحققت أهدافها فانخفض بيع المشروبات التي تحتوي السكر كما قلّ استهلاكها. 

ربما استطعنا القيام بتدخلات  أخرى على نطاق المجتمع بأسره ولكن تماماً كمثال حملة الإقلاع عن التدخين، يرتبط الجزء الأكبر من تغيير التصرفات الشخصية بالضغوطات الاجتماعية التي يفرضها علينا محيطنا. والقلق من الظهور بمظهر "المُعيِّر للغير بسبب بدانته" يعني أن هذه الضغط يضمحل وهذا الموضوع غير صحي أيضاً. 

فالكلام الذي أطلقه بضعة معلّقين عن كون بعض الأشخاص يعيشون "داخل أجسام أضخم حجماً" كأنهم يرتدونها مثل أية قطعة من الملابس بدل أن يحيوا من خلالها هو تحريف لغوي غريب يشير إلى تقليص دور المسؤولية الشخصية. ليس هذا بتطورٍ سليم أيضاً.

لا يعدّ التعيير بالبدانة نشر معلومات علمية أساسية عن الرابط ما بين البدانة والسرطان، على غرار ما فعلته المنظمة الخيرية لأبحاث مرض السرطان في المملكة المتحدة من خلال حملتها باستخدام الوجه الخلفي لعلبة السجائر هذا الأسبوع. وردّت المنظمة على تغريدة أحد المنتقدين على تويتر فقالت "ليس الهدف من هذه الحملة إزعاج أي كان أو دفعهم للاستياء من وزنهم. يؤسفنا أنك انزعجت."

من غير المعقول أن تكون عاصفة وسائل التواصل الاجتماعي قد فاجأت المنظمة. ففي وقت سابق من هذا العام تسببت حملة مشابهة بموجة النقد ذاتها. ووصفت الممثلة الكوميدية صوفي هاغان المواد الدعائية التي نشرتها الجمعية الخيرية عن السرطان والبدانة بأنها "مضرّة للغاية" زاعمةّ أنّ موقف المجتمع تجاه البدانة يقتل المصابين بها أكثر من السرطان. لا أظنّ بوجود أي إثبات على ذلك لكن الأكيد هو التالي: دفعتنا منظمة الأبحاث في السرطان في المملكة المتحدة مجدداً إلى الحديث عن الصلة بين البدانة والسرطان- وليس بالمفاجئ أن تكون على دراية تامة بما تفعله.   

© The Independent

المزيد من صحة