Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مستقبل النفط في أميركا الشمالية: مشكلة النوعية

رغم إمكانيات زيادة الإنتاج بالولايات المتحدة فإن الخفيف والثقيل والمكثف منه سيحد الطلب عليه

تواصل ارتفاع إنتاج النفط الخام الأميركي منذ 2010 جعل الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم  (رويترز)

قلبت ثورة النفط والغاز الصخريين في أميركا الشمالية، بخاصة الولايات المتحدة، موازين أسواق الطاقة في كل العالم، لهذا فهي ثورة غيرت كل الاتجاهات، بما في ذلك اتجاهات التجارة العالمية في النفط في الغاز. هي ثورة لأنها قلبت الموازين الاقتصادية والسياسية المتعلقة بالنفط والغاز، وغيرت في اتجاهات الاستثمار بالصناعات الكثيفة الطاقة، سواء كانت البتروكيماويات أو البيتكوين.

أما خليج المكسيك، فعلى رغم كل العوائق الاقتصادية والمالية والطبيعية، وعلى رغم القوانين البيئية الصارمة، إلا أن الشركات استطاعت زيادة الإنتاج بشكل كبير، وأصبح خليج المكسيك من المناطق المهمة بالعالم في إنتاج النفط والغاز.

كما زاد إنتاج النفط الكندي، بخاصة من الرمال النفطية بولاية ألبرتا، في الوقت الذي انخفض فيه إنتاج المكسيك.

منذ بداية عام 2010 وحتى الآن، ارتفع إنتاج النفط الخام الأميركي بنحو 6.5 مليون برميل يومياً ليصل إلى نحو 12 مليون برميل يومياً، الأمر الذي جعل الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم. 

حتى ندرك أهمية هذه الزيادة في إنتاج الولايات المتحدة، لننظر إلى الإنتاج الكلي من النفط الخام في بعض دول "أوبك" حالياً.

العراق: 4.5 مليون برميل يومياً. والإمارات 3.2 مليون برميل يومياً. والكويت: 2.8 مليون برميل يومياً. وإيران: 2.6 مليون برميل يومياً.

وبين عامي 2013 و2020، ارتفع إنتاج النفط في خليج المكسيك بمقدار 800 ألف برميل يومياً، على رغم الصعوبات القانونية والسياسات الجديدة التي تم تطبيقها بعد انفجار بئر هرايزون في 2010، وعلى رغم انهيارالأسعار في عامي 2015 و2016. 

وعلى رغم انهيار أسعار النفط في 2020 والقوانين البيئية الجديدة، فإن إنتاج خليج المكسيك ما زال أعلى من إنتاج 2010 بنحو 300 ألف برميل يومياً.

الحقيقة أن أثر ثورة الصخري وزيادة الإنتاج أعلى مما يظهر في هذه البيانات بسبب معدلات النضوب في الآبار الأميركية. بعبارة أخرى، لولا ثورة الصخري، لاستمر إنتاج النفط بالانخفاض ولوصل حالياً إلى 3.5 مليون برميل يومياً. هذا يعني أن الزيادة في إنتاج النفط الأميركي منذ 2010 بلغت 8.5 مليون برميل يومياً لأنها عوضت أيضاً عن معدلات النضوب! هذا يعني أن الزيادة فقط أعلى من إنتاج العراق والإمارات مجتمعين!

كما قلبت صناعة الرمال النفطية الموازين أيضاً، ورفعت إنتاج النفط الكندي إلى مستويات قياسية، وجعلت كندا المصدر الأكبر للولايات المتحدة بكميات تتجاوز إنتاج بعض الدول الخليجية، إذ تتجاوز الصادرات ثلاثة ملايين برميل يومياً. فقد ارتفع إنتاج النفط في كندا بمقدار 2.2 مليون برميل يومياً منذ 2010، على رغم كثير من المعوقات السياسية والاقتصادية والطبيعية والفنية، وعلى رغم تحجيم الحكومة للإنتاج. ووفقاً لبيانات "أوبك"، وصل إنتاج السوائل النفطية في كندا إلى 5.7 مليون برميل يومياً في الشهر الماضي، منها نحو 3.4 من النفط الخام من الرمال النفطية. هذا يعني أن إنتاج النفط الخام من الرمال النفطية فقط أعلى من إنتاج الإمارات أو الكويت.  

تعد المكسيك، وهي عضو في "أوبك+"، جزءاً من أميركا الشمالية، وكانت تاريخياً من أهم الدول المصدرة للنفط للولايات المتحدة. انتعش إنتاج النفط والسوائل النفطية منذ مايو (أيار) الماضي، إذ وصل أخيراً إلى نحو 1.63 مليون برميل من النفط الخام، إضافة إلى نحو 600 ألف برميل من السوائل النفطية الأخرى.

مستقبل إنتاج النفط على المدى القصير

هناك خلاف بين المطلعين على أوضاع أسواق النفط الأميركية حول مستقبل النفط الصخري في المديين القصير والطويل. وفي الوقت الذي يعتقد فيه بعضهم أن إنتاج النفط الأميركي وصل إلى أوجه ولن يزيد في عام 2023، ترى "أوبك" أن إنتاج السوائل النفطية سيرتفع بمقدار 1.1 مليون برميل يومياً في 2022 مقارنة بمتوسط إنتاج العام الماضي، نصفها نفط خام من حقول النفط الصخري، إذ تتوقع وصول إنتاج النفط الخام في حقول الصخري متوسطاً قدره 7.8 مليون برميل يومياً. كما تتوقع أن يرتفع إنتاج النفط الخام بنحو 800 ألف برميل يومياً في 2023، إضافة إلى 400 ألف برميل يومياً من السوائل النفطية الأخرى.

يتوقع الخبراء استمرار إنتاج النفط الكندي بالزيادة في العامين الحالي والمقبل، على رغم الفروق السعرية الكبيرة بين الخامات الكندية والأميركية، إذ إن نفط غرب كندا المعياري بيع في الأسبوع الماضي بسعر أقل من سعر خام غرب تكساس بنحو 30 دولار يومياً. وترى "أوبك" أن إنتاج النفط الكندي سيزيد بنحو 200 ألف برميل يومياً في 2022 ليصل إلى متوسط قدره 5.6 مليون برميل يومياً.  كما ترى أن الإنتاج سيزيد في 2023 بمقدار 200 ألف برميل يومياً أخرى، وذلك بسبب مشاريع الرمال النفطية الجديدة والانتهاء من عمليات الصيانة الحالية. ويتوقع الخبراء أن يرتفع الإنتاج بمعدلات أعلى إذا توافرت الأنابيب اللازمة لنقل النفط، بخاصة الخط العابر للجبال إلى غرب كندا والمسمى ترانس ماونتين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يتوقع الخبراء انخفاض إنتاج المكسيك في عام 2023 على رغم بقاء أسعار النفط مرتفعة لأسباب فنية بحتة في كبرى الحقول النفطية. وتتوقع "أوبك" في تقريرها الشهري الأخير أن ينخفض إنتاج السوائل النفطية في عام 2023 بنحو 40 ألف برميل يومياً. وتسوغ "أوبك" هذا الانخفاض بالإنتاج في أن الهبوط في إنتاج بعض الحقول الكبيرة سيكون أكبر من الزيادة في أخرى. 

إلا أن المهم بالنسبة إلى أسواق النفط العالمية ليس إنتاج المكسيك، وإنما صادرات المكسيك النفطية. فقد قررت الحكومة المكسيكية خفض صادرات النفط في 2022 ثم إيقافها تدريجاً في 2023، وتوجيه الإنتاج كله للأسواق المحلية.

يذكر أن إنتاج النفط في المكسيك ارتفع بشكل كبير في التسعينيات وبداية الألفية حتى بلغ أوجه في 2003 عندما تجاوز الإنتاج 3.4 مليون برميل يومياً. ومنذ ذلك الوقت والإنتاج في هبوط مستمر بسبب نضوب الحقول.

مستقبل إنتاج النفط في أميركا على المدى الطويل

يرى كثيرون أن إنتاج النفط الأميركي وصل إلى أوجه أو يكاد، بخاصة بعد زيادة نسبة إنتاج الغاز في حقول الصخري، وتبني شركات النفط سياسات جديدة تتضمن تحقيق أرباح عالية، وتوزيع هذه الأرباح على المستثمرين أو شراء أسهم الشركة، وذلك في ظل عزوف المستثمرين عن الاستثمار في شركات النفط بسبب القوانين والسياسات المتعلقة بالبيئة والمجتمع والحوكمة. 

إلا أن واقع الأمر يختلف عما ذكر أعلاه: زيادة نسبة الغاز تعود إلى العودة للآبار المحفورة غير المكملة التي لم تكمل لأنها حفرت في مناطق غنية بالغازات السائلة، وأسعار الغازات السائلة كانت منخفضة ولم ترتفع إلا أخيراً، ومن ثم فإن الحفر في الطبقات النفطية زاد في الفترات الأخيرة وستتغير نسب إنتاج الغاز والغازات السائلة والنفط الخام قريباً.

كما أن الشركات ستعيد النظر في قضايا توزيع الأرباح وشراء أسهمها قريباً بسبب معدلات النضوب العالية. فلا يمكن للشركات أن تستمر في سياساتها الحالية لأن احتياطاتها تنضب، وهذا سيخفض من إنتاجها من جهة، والأرباح من أخرى. استمرارية الأرباح والقيمة السوقية للشركة تقتضي زيادة الاستثمارات وعمليات الحفر والإنتاج، وإلا فسيخسر المستثمرون كل شيء.

لهذا يتوقع أن يستمر إنتاج النفط الأميركي بالارتفاع، وإن كان بمعدلات بطيئة.

أما بالنسبة إلى كندا فإن الإنتاج سيستمر بالزيادة لأن الشركات تحقق تدفقات مالية موجبة بسبب انخفاض التكاليف نسبياً وانخفاض معدلات النضوب. وسيتم التوسع في الإنتاج بشكل كبير مع بناء مزيد من الأنابيب، بخاصة أنبوب ترانس ماونتين الذي يسمح وللمرة الأولى بتصدير النفط الكندي إلى آسيا بشكل مباشر. 

المجهول في أميركا الشمالية نفطياً هو مستقبل إنتاج النفط المكسيكي. فالخبراء يرون أن الإنتاج سيستمر في الانخفاض، بينما تؤكد الحكومة وشركة النفط الوطنية (بيمكس) أن الانتاج وصل إلى أدنى مستوى له وبدأ بالارتفاع وسيستمر في الارتفاع. وبما أن صادرات النفط الخام المكسيكي ستتوقف في عام 2023، فإن أية زيادات لن تؤثر في أسواق النفط العالمية، ولكن إذا حققت المكسيك زيادات كبيرة فإنه يتوقع عودتها للتصدير. باختصار، قصة المكسيك نفطياً الآن هي قصة طلب، وليس قضية إنتاج، وذلك بسبب الزيادة المستمرة على الطاقة في المكسيك نتيجة تحسن مستويات الدخل والهجرة الكبيرة من الريف للمدن، وتزايد تحويلات العمال من الولايات المتحدة إلى المكسيك.

إشكالية النوعية

لنفترض أن المنتجين الأميركيين والكنديين حالفهم الحظ وزادوا الإنتاج بأكثر مما يتوقع أكثر المحللين تفاؤلاً، فإن هناك مشكلة كبيرة وهي أن أغلب الزيادة في الولايات المتحدة ستكون من النفط الخفيف الحلو والمكثفات، بينما ستكون أغلب الزيادة الكندية من النفط الثقيل الحامض أو النفط المصنع أو المركب الخفيف الحلو. هناك أكثر من ثلاثة ملايين برميل يومياً تتطلبها المصافي الأميركية من النوع المتوسط التي لا يمكن إنتاجها في الولايات المتحدة وكندا. 

كما أن المصافي الأميركية لا تستطيع معالجة أية كميات إضافية من النفط الخفيف الحلو، ومن ثم فإن أية زيادة في إنتاج النفط الأميركي يجب أن تصدر. فإذا وصلت المصافي الدولية إلى حد الإشباع، فلا حاجة لها بأية كميات إضافية من الولايات المتحدة. وهذه المصافي، بخاصة في آسيا ستقوم بشراء النفط الإيراني المماثل إذا تم رفع الحظر عن طهران، وستقوم المصافي الأوروبية بشرائه من ليبيا ونيجيريا إذا ارتفع إنتاج كلتا الدولتين. 

وتصبح المشكلة أكبر مع انتشار السيارات الكهربائية كما تريد إدارة بايدن، وذلك لأن انتشار السيارات الكهربائية يقلل من الطلب على البنزين، وهو المنتج الأكبر من النفط الصخري.

خلاصة القول إنه على رغم إمكانيات زيادة إنتاج النفط في الولايات المتحدة، إلا أن نوعية النفط ستحكم هذه الزيادة.  بعبارة أخرى، سيحد الطلب المستقبلي زيادة الإنتاج بسبب نوعية النفط.

المزيد من آراء