Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جيل جديد من رفاهيات أماكن العمل... وداعاً لموضة "غوغل" و"فيسبوك" و"مايكروسوفت" القديمة التقليدية

الشركات الناشئة أكثر مرونة وكفاءة في إدارة التكاليف وتتفوق في جذب القياديين


الموظفون أصبحوا يتحاشون في السير الذاتية ذكر عملهم بالشركات الكبرى مخافة الوصم بالتقليدية والرتابة (رويترز)

قبل عشرين عاما عندما بدأت شركة "غوغل" في نشر ثقافة جديدة لأماكن العمل، أحدثت ما يشبه الثورة في عالم الأعمال والإدارة، سارت عليها الشركات في العقدين الأخيرين. كثيرون يتذكرون صور طاولات الـ"بنغ بونغ" والألوان الزاهية للجدران والمكاتب، وغرف قيلولة الموظفين في شركة "غوغل"، التي تمنى كثيرون أن يكونوا جزءاً منها، أو أن يتخذوها نموذجاً لتطوير أماكن العمل.

لكن فعليّاً تعيش الشركات الأميركية الآن مرحلة جديدة من التعاطي مع الموظفين والتفكير بمرونة في أماكن العمل، لدرجة أن شركات كبرى كثيرة كانت يوماً حلماً للبعض، لم تعد مغرية للشباب الجديد من الموظفين الذين يطمحون إلى شركات أصغر وأكثر مرونة في العمل.

شركات كبيرة تقليدية

يقول إياد يعقوب لـ"اندبندنت عربية"، وهو مدرّب متخصص في التوظيف وأماكن العمل ومعتمد لدى شركات أميركية عدة، إنه بحكم عمله في الـ"سيليكون فالي" يشهد "تحولا من الموظفين الموهوبين أو القياديين نحو الشركات الصغيرة أو الناشئة التي أصبحت تفهم بشكل أعمق حاجات الجيل الجديد من الموظفين، مقارنة بالشركات الكبيرة التقليدية التي لم تعد جاذبة لهذا الجيل كما كانت من قبل". ويذكر يعقوب هنا شركات عملاقة مثل: "أوراكل Oracle" و"سيسكو Cisco" و"إنتل Intel"، وHP، وحتى مايكروسوفت، ويقول إن "بعض الموظفين أصبحوا يتحاشون ذكر عملهم في هذه الشركات في السير الذاتية، لأن الموظف في هذه الشركات أصبح في نظر الشركات الناشئة الحديثة تقليديّاً وتفترض أنه غير مؤهل لتحديات هذه الشركات وطبيعة عملها الديناميكي، على اعتبار أنه كان يعمل في مؤسسة كبيرة ويؤدي دورا صغيرا نظرا للعدد الهائل من الموظفين في هذه الشركات".

يهربون من "غوغل"!

وقد بدأت الشركات العملاقة المذكورة، وحتى شركات مثل "غوغل" و"فيسبوك" و"آبل" وحتى "آمازون"، تفقد كثيرا من الموظفين الذين يتجهون إلى شركات أصغر بحثا عن نموذج أعمال أكثر مرونة وتجربة مختلفة، إذ لا يريد الموظف أن يكون مجرد رقم مهمته محدودة في خط إنتاج ضخم.

وتنبهت الشركات الكبيرة لهذا الأمر، حيث أخذت تتجه إلى ما يسميها يعقوب "micro culture"، حيث تحاول أن تنشئ بيئات عمل مصغرة في الشركة لملاحقة نموذج عمل الشركات الصغيرة للحيلولة دون تسرّب الموظفين، خصوصا القياديين منهم.

ويقول يعقوب إن "الاتّجاه الحديث هو خلق مشاريع صغيرة (projects) ذات أهداف محددة ومهمة للشركة، بحيث تكلف الشركة قياديين فيها مسؤولية إنجاز هذه المشاريع، ما يشعر القيادي بأنه مهم وأن الشركة كلّفته دون غيره بمهمة عمل خاصة وستشكل إضافة مهمة للشركة". كما أصبحت المشاريع الخاصة ضمن الشركات الكبيرة فرصة لهذه الشركات لاستقطاب الموظفين الموهوبين الذين لا يريدون العمل لديها لاعتقادهم أنها شركات تقليدية، بينما يرضون بالعمل في مشاريع محددة قد تستمر لثلاثة أو ستة أشهر.

استحواذات لملاحقة الشركات الناشئة

كما يضيف يعقوب أن هناك اتجاهاً آخر لاستحواذ الشركات الكبيرة على شركات ناشئة يمكن أن تكون أعمالها مكملة للشركات الأم، بحيث تكون فرصة لها للوجود في سوق الشركات الأصغر لتكليف قيادييها بمهمات مختلفة أو للوصول إلى كفاءات وموهوبين لا يريدون العمل في شركة كبيرة. ويذكر هنا أن "فيسبوك"، على سبيل المثال، استحوذت على "إنستغرام"، حيث يرغب كثيرون اليوم بالعمل في "إنستغرام" كشركة ناشئة وذات طبيعة عمل مرنة أكثر من العمل في "فيسبوك"، التي أصبحت ضخمة من حيث العدد والمستخدمين والانتشار. وكذلك الحال عندما استحوذت "غوغل" على "يوتيوب"، وإن كان لهذه الاستحواذات أبعاد اقتصادية أيضاً.

موجة نمو سريعة

وتشهد الشركات الناشئة موجة سريعة من النمو في السنوات العشرة الأخيرة، وأصبحت معظمها "مليارية"، مع أنها نشأت كأفكار قبل عقد من الزمن. ولتقريب الصورة عن حجم الشركات التي تظهر في سان فرانسيسكو والـ"سيليكون فالي"، وهما أكثر منطقتين جاذبتين لشركات التكنولوجيا، وفيهما انطلقت "غوغل" و"فيسبوك" و"تويتر" و"أوبر" و"ليفت" و"اير بي ان بي" و"يوتيوب" و"إنستغرام" وغيرها الكثير من الشركات الحديثة، ففي الربع الأول وحده من هذه السنة شهدت منطقة وادي السيليكون نحو 118 صفقة تمويل لشركات ناشئة بحجم أموال يقدر عند 4.3 مليار دولار، بينما شهدت مدينة سان فرانسيسكو 236 صفقة تمويل لشركات ناشئة بحجم 7 مليارات دولار، بحسب دارسة لشركة "برايس ووتر هاوس كوبر".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويشرح يعقوب أن "سر نجاح الشركات الناشئة في قدرتها على  استقطاب المواهب والموظفين بفضل فهمها للجيل الجديد من هؤلاء وتغييرها لثقافة العمل بناء على احتياجاتهم واهتماماتهم". ويقول إن "هناك حاجات الآن للمشاركة الاجتماعية بشكل أكبر داخل الشركة، كأن يكون هناك وقت لتمضيته خارج الشركة Happy Hour أو وجود وجبات مثل الفطور والغذاء وتوفّر السكاكر والحلويات بشكل دائم".

ذكاء في تخفيض التكاليف

لكن الأهم من ذلك أن هذا التحول لدى الشركات الناشئة أدى إلى تقليل التكاليف لديها، وجعلها أكثر كفاءة في الإنتاجية، ما رفع أرباحها وإيراداتها، ومكّنها من منافسة كبرى الشركات التي ظلت مسيطرة على قطاعات عدة. ويشرح يعقوب ذلك بأن "توفير الأجواء الجميلة جعل الجيل الجديد يعمل لساعات إضافية، ولم يعد يكترث لمسألة ثماني ساعات، فهو يعيش تجربة ممتعة وشاملة داخل الشركة، التي توفّر (بوفيهات) مفتوحة وأماكن للنوم ومرونة تمكنه من الخروج مع زملائه والتمتع بوقته ثم العودة للعمل... وهكذا".

نهاية التقاعد وإجازات مفتوحة

وهناك أمر لافت أيضا في كيفية تخفيض التكاليف، إذ إن المرونة لدى الشركات في أماكن العمل جعلت الموظفين الجدد يفضلون التوازن بين العمل والراحة على مسائل كانت مهمة سابقا، مثل مسألة التقاعد ونهاية الخدمة. ويقول يعقوب إن "الموظفين حاليا لا يهمهم كثيرا موضوع التقاعد، لأسباب عدة، أولا: لأنهم لا يثقون في النظام الاقتصادي عموما الذي قد ينهار في أي لحظة وينهي حياة شركات كثيرة، وثانيا لأن طبيعة الجيل الجديد من الموظفين يريد التنقل والتغيير، فيعلم أنه لن يستمر فترة طويلة في شركة واحدة، وأيضا، والأهم، لأن الشركات تمكنت من إعطاء ميزات كثيرة مقابل التخلي عن شروط نهاية الخدمة التي تحملّها أعباء مالية قد تخفض من أرباحها المستقبلية". ومن هذه الميزات إعطاء وقت كافٍ للموظف للعمل من المنزل واشتراكات في النوادي الرياضية، والأهم الإجازات المفتوحة كما يرغب الموظف.

ويقول يعقوب إن "الأبحاث كشفت أن الإجازات المفتوحة لا تؤثر على سير العمل، لأن الموظفين لا يأخذون إجازات كثيرة لأسباب عدة، وأهمها أنهم يشعرون بالذنب والمسؤولية، فلا يستخدمون أياما كثيرة كما يعتقد".

العمل من المنزل

أما العمل من المنزل فقد وفّر الكثير على الشركات، مثل تكاليف إيجاد مكان للموظف والأكل والشرب والكهرباء، كما دفعت هذه المرونة إلى ظهور شركات تكنولوجية تتخصص في تشبيك الموظفين عبر برامج خاصة، وكأنهم في صالة واحدة مثل: Hangout وzoom وSlack.

 ويشير يعقوب إلى أن "هذا الواقع الرقمي والتكنولوجي سيدفع لأن يكون مستقبل الأعمال معتمدا بشكل كبير على الموظفين المستقلين العاملين بالتعاقد أو freelancers، الذين سيصبح نسبتهم 30%  من إجمالي الموظفين".

المزيد من اقتصاد