حيرة إيرانية بشأن نتائج فيينا… هل يكسر روحاني قرارات النظام الإستراتيجية؟

تعتقد طهران أن الخطوة الأوروبية في إطلاق آلية التعامل التجاري والمالي جاءت متأخرة

الرئيس الإيراني حسن روحاني في اجتماع حكومي في 25 يونيو (أ.ف.ب)

وصف مساعد وزير الخارجية الإيرانية للشؤون السياسية عباس عراقجي النتائج التي أسفر عنها اجتماع لجنة متابعة تطبيق الاتفاق النووي مع مجموعة 4+1 بعد انسحاب الولايات المتحدة منه، بأنها تحمل بعداً إيجابياً، إلا أنها لا تلبي المطالب الإيرانية التي جاءت في الاتفاق، معتبراً أن البدء بتنفيذ آلية التعامل التجاري بين إيران والاتحاد الأوروبي (instexs) يشكل خطوة إلى الأمام لكنها تبقى ناقصة وبحاجة إلى توسيع دائرة عملها لتشمل موضوع التبادل التجاري والنفط.

لكن التردد الذي يظهر في كلام أحد أبرز المفاوضين في الاتفاق النووي، إلى جانب وزير الخارجية محمد جواد ظريف، ينطلق من تزايد المخاوف الإيرانية بأن تتحول هذه القناة المالية التي اقترحها الأوروبيون إلى ما يشبه الآلية التي وضعتها الأمم المتحدة للتعامل مع النظام العراقي بقيادة صدام حسين، بعد تحرير الكويت "النفط مقابل الغذاء". وتتحول إلى قبول إيران بإعلان هزيمتها أمام الضغوط الأميركية، خصوصاً أن هذه الآلية لم تلحظ آلية لبيع النفط الإيراني، أو إشارة إلى استعداد هذه الدول أو غيرها لكسر قرار العقوبات الأميركية على قطاع النفط الإيراني أو حتى توسيع دائرة التبادل التجاري خارج إطار الغذاء والدواء، التي لم تدرج على لائحة عقوبات البيت الأبيض، حتى الصناعات الأميركية منها.

الجزرة الأوروبية

طهران تعتقد أن الخطوة الأوروبية في إطلاق آلية التعامل التجاري والمالي جاءت متأخرة، ولم تأت في إطار إبداء النوايا الأوروبية الحسنة للالتزام بالاتفاق النووي. وأن السماح بدخولها حيز التنفيذ جاء بعد نحو سنة وشهرين من قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالانسحاب من الاتفاق. وأن الدافع الأساس الذي أجبر هذه الدول على تنفيذ هذه الآلية جاء بعد إعلان الحكومة الإيرانية خفض مستوى التزاماتها التعهدات النووية في الاتفاق، بناءً على البندين 26 و36 منه، والمتعلقة بتخزين اليورانيوم المنخفض التخصيب وإنتاج الماء الثقيل.

لم يحسم عراقجي موقف بلاده من النتائج التي توصل إليها اجتماع فيينا مع دول 4+1، وترك الأمر إلى ما بعد التقرير الذي سيرفعه إلى المسؤولين في طهران بعد عودته. أي أن الموقف الإيراني لن يكون سهلاً البت به، من قبل حكومة الرئيس حسن روحاني من دون العودة إلى المرشد الأعلى والمجلس الأعلى للأمن القومي، خصوصاً في ظل الوصف الذي أطلقه المرشد على هذه الآلية بأنها "نكتة سمجة ومرة ولا معنى لها".

جدل داخلي

الجزرة الأوروبية التي أعلنت عنها مساعدة مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي هليغا شميد من فيينا، أثارت جدلاً إيرانياً داخلياً حول الموقف منها والتعامل معها. فبدا الانقسام واضحاً بين تيار يعتبر أنه يجب التعامل مع هذه الخطوة بإيجابية، وهي تساعد الحكومة على إعادة التفكير في قرار "خفض التزاماتها النووية" والعودة إلى تطبيق الاتفاق النووي بالكامل، والرهان على تطوير الموقف الأوروبي من طريق فتح باب الحوار مع الولايات المتحدة لإنهاء الأزمة بشكل كامل. في المقابل، اعتبر التيار المتشدد بأن المرحبين بالخطوة الأوروبية يريدون توظيف هذه النتيجة وهذه الخطوة في إطار معركة الانتخابات البرلمانية المقبلة مطلع عام 2020، وأن الأحزاب الإصلاحية أو المحسوبة على الاعتدال لا تتردد في "المقامرة" بالمصالح القومية من أجل توظيفها في معركة سياسية داخلية لتحسين أوضاعها داخل مؤسسات النظام والدولة.

وترى القوى المتشددة أن إيران تملك ورقة قوة تضمّنها قرار المجلس الأعلى للأمن القومي بخفض التعهدات النووية، وأن على الحكومة عدم التراجع عن هذه الخطوات، والاستمرار في تطبيقها والانتقال إلى الخطوة الثانية التي من المفترض أن تبدأ في 7 يوليو (تموز) المقبل، التي قد تتضمن رفع مستوى تخصيب اليورانيوم إلى درجة 20 في المئة. ما يعني الحاجة إلى تركيب ونصب أجهزة طرد مركزي متطورة تساعد في الوصول إلى هذه الدرجة. وبالتالي، استخدام الفائض الذي حققته في إنتاج اليورانيوم المنخفض التخصيب بدرجة 3.67 في المئة في هذه العملية، في حال لم تلجأ الدول الموقعة على الاتفاق النووي إلى كسر قرار العقوبات التي فرضتها واشنطن على تصدير هذه الكميات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مسارعة هذه القوى إلى رفض ما خرج به اجتماع فيينا، ربطته كما المفاوض الإيراني في الاجتماع بموضوع بيع النفط والتعامل التجاري بين إيران ودول العالم، إلى جانب المطالبة بإدانة دولية للعقوبات الأميركية وعدم الالتزام بها. ما يعني أن الضغوط التي ستمارسها هذه القوى في الداخل الإيراني ستذهب باتجاه محاصرة حكومة روحاني ورئيس دبلوماسيته والمطالبة بالانسحاب من الاتفاق النووي برمته بذريعة عدم التزام الدول الموقعة التعهدات التي جاءت فيه، ومنها رفع جميع العقوبات الاقتصادية والمالية والتجارية.

وقد يكون صعباً على الرئيس روحاني وإدارته الدبلوماسية الذهاب إلى خيار القبول بما قدمه الاتحاد الأوروبي من محفزات لا ترقى إلى مستوى الطموح الإيراني، لا بل إنها تضع إيران في مستوى النظام العراقي بعد هزيمته في حرب تحرير الكويت. لذلك، فإن روحاني قد يكون أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يلتزم قرار مجلس الأمن القومي الإستراتيجي وإن جاء متأخراً لتأمين الحد الأدنى من الحقوق القومية، وأن لا يسمح بالتشكيك في الموقف الحاسم والجاد للنظام بما يضعف موقفه أمام المجتمع الدولي. وإما أن يعمد إلى كسر قرارات النظام الإستراتيجية، التي تشكل هدفاً تكتيكياً للإدارة الأميركية، وبالتالي يضرب صدقية هذه المواقف.

الحيرة الإيرانية عبّر عنها ممثل إيران الدائم في الأمم المتحدة وعضو الفريق النووي المفاوض سابقاً مجيد تخت روانجي، الذي وصف آلية أنستكس بأنها "مثل سيارة جميلة جداً لكنها من دون بنزين". وأضاف أن الآلية الحالية "غير كافية". فهل ستكون الزيارة التي لم يُتخذ قرارها بعد للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى إيران محاولة أوروبية من أجل إقناع القيادة الإيرانية بخفض طموحاتها في فرض شروطها التفاوضية والتي تطالب بعودة واشنطن عن عقوباتها، وإقناعها بالجلوس إلى طاولة المفاوضات كمقدمة لبحث رفع هذه العقوبات في خطوة تالية أو ثانية، خصوصاً أن ماكرون كشف عن ملامح المواقف التي سيعلنها أمام القيادة الإيرانية بأن أوروبا لن تلجأ إلى فرض عقوبات سريعة اقتداءً بأميركا، حتى في حال انسحبت إيران من الاتفاق، وأن أوروبا لن تتحرك مباشرة نحو العقوبات، بل ستطبق الاتفاق النووي بدقة. وأنه في حال حصلت مخالفات للاتفاق من قبل إيران، فإن الترويكا الأوروبية ستبحث الأمر مع الوزير الإيراني المختص. على أمل أن تشكل هذه المواقف محفزاً للقيادة الإيرانية للحد من تصلبها في رفض التفاوض، الذي يتعارض مع كل قواعد العمل الدبلوماسي والسياسي.

المزيد من تحلیل