Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قصص من إريتريا المنسية تسترجع الهوية في المنفى

16كاتبا وكاتبة يلتقون في "الأشرعة البعيدة" حول الواقع الحلم

مشهد من العاصمة الأريتيرية أسمرا (وزارة الإعلام)

يجيء عنوان "الأشرعة البعيدة" تمثيلاً لقلادة من السرد نُظمت فيها ست عشرة قصة للعدد نفسه من الكُتّاب الذين تجمعهم سمتان رئيستان، الأولى؛ أن أصولهم جميعاً من إريتريا، وتالياً أنهم يعيشون في المنافي. أما ما يجمع بينهم على مستوى النصوص فيتمثل في الموهبة، وامتلاك الأدوات والتقنيات واللغة. كتاب "الأشرعة البعيدة: مختارات من القصة القصيرة الإريترية" الصادر عن منشورات "تكوين" – الكويت، ثمرة ورشة عمل أطلقتها دار النشر الكويتية بالتعاون مع الكاتب الإريتري حجي جابر، صاحب الفكرة، بحثاً عن نصوص جيدة يكتبها أدباء شباب من إريتريا لم يسبق لهم النشر.

يعيش كُتّاب هذه النصوص في بلاد عربية وغربية، وتعكس النصوص بالتالي تأثيرات البيئات التي يعيشون فيها. لكن اللافت امتلاكهم لتقنيات كتابة حداثية وما بعد حداثية.

تتناول قصة "أيام عادية لشاب في الحادية والعشرين" لسامي المراد تفاصيل يوم في حياة شاب إريتري مهاجر إلى فرنسا، في يوم باريسي يوافق عيد ميلاده الحادي والعشرين. وتكشف جوانب الصراع النفسي لشاب مرّ بخبرة قاسية عبر حدود الجغرافيا والصحارى والبحار، بحثاً عن الأمل، ليجد نفسه في أتون صراع البحث عن الهوية، بينما تبقى السعادة في الوطن والمهجر على السواء، بعيدة ونائية. تحرص القصة على إشراك القارئ في ملء الفراغات، التي تنشأ من حالة الغموض التي تتأسس على العلاقة الملتبسة بين منطقة الحلم وقانون الواقع.

وعلى ذكر الغموض، فالكاتبة فاطمة حسين في قصتها "مخترع القسوة" تمارس لعبة سردية شديدة الذكاء، لا ينتبه لها القارئ إلا في السطور الأخيرة التي ينتهي بها النص، والتي تمثل انتقالاً مباغتاً من المستوى الواقعي، ليتحول إلى أمثولة رمزية متعددة الدلالات حول "وحشنة" الإنسان و"حيونته" أيضاً، في نموذج لافت للحبكة الملتوية، وسنشير إليها في بعض النصوص.

أمكنة متعددة

واللافت أن انتماء الكُتّاب لإريتريا كوطن، لا يجعل من هذا الوطن أو مدنه، مكاناً محتملاً لأحداث القصص بالضرورة، كما قد يتوقع البعض، بل يبدو أحياناً كظلال بعيدة. كما أن المكان القصصي الذي يختارونه كمسرح للنصوص ليس بالضرورة المكان نفسه الذي يعيش فيه الكُتّاب. فالكاتب أحمد أنور الذي ينتمي لقرية عدي سعتا، على سبيل المثال، يقيم في السعودية، لكنه اختار مدينة بنزرت في تونس مسرحاً لقصته "ظل السراب"، والتي تأخذ سمتاً سيكولوجياً، وتخوض في دروب العقل حين يختل توازنه، فتنزاح الحدود الفاصلة بين الوهم والواقع، بين التعقل والجنون، وخصوصاً المسافة الهشة التي تسبق الاضطراب. وتبدأ عندها مظاهر الاختلال التي قد تؤدي إلى بلايا ونوائب لا يدرك صاحبها أنها صنيعة الوهم، الوهم الذي تتسبب فيه الصدمات النفسية الكبرى. ومثل أغلب القصص في الكتاب - ويمكن إضافة هذه العبارة على كل قصة من قصص الكتاب- يتسم النص ببراعة الوصف، خارجياً وداخلياً، أي على مستوى من الوصف الخارجي المشهدي للمدينة أو الأماكن والشخصيات، ثم على مستوى الوصف الداخلي للهواجس والمشاعر.

ثمة نوع مما يمكن تسميته "سردية الغرابة"، يطوف كشبح سردي حول ثلاثة من نصوص هذا الكتاب هي "متاهة الأفكار" لمريم منصور، و"التائه" لنجاة شفا موسى، و"خيانة" لعالية محمد صالح. والغرابة هنا تعني أن النصوص تتحلى بنوع من السيولة بين الواقع واللاوعي، وبين اللاوعي والحلم، فيبدو الواقع مخاتلاً وملتبساً في النصوص الثلاثة، على تباين موضوعاتها. أو لنقل في شخوصها وأحداثها لأن ثمة مشتركاً مضمونياً بينها يتمثل في سؤال الوجود، ومحاولة اختبار قيمة الحياة مقابل الموت تقريباً في النصوص الثلاثة. وفيها أيضاً لا تتجلى أية ملامح لخصوصية المكان أو للثقافة المحلية. فموضوعات القصص يمكن أن تحدث في أي مكان في العالم، من دون أن تفقد تأثيرها أو معناها، وذلك بسبب الطابع الإنساني الشامل لأسئلتها. كما أن السؤال حول إذا ما كان الراوي أو الراوية، في أي منها، ضحية لمرض نفسي وعقلي أم لضلالات وأوهام يخلقها العقل المضطرب، هو ما يحقق هذه الغرابة السردية التي أشرت إليها. ولعلها تتشارك أيضاً مع أغلب قصص الكتاب في سمة تتعلق بالمفارقة المدهشة التي تمثل قفلات النصوص، أو ما يسمى "حبكة ملتوية" Plot Twist  .

نجد في قصة "شماعة الأمل" لأحمد شيكاي بناء سردياً يتوجه للوصول إلى الحبكة الملتوية، عبر تفاصيل قصة شابة جميلة تتعلق بحب رجل كبير في العمر، وتعيش في أوهام الحب بكل كيانها، بالرغم من أنها ترى حبيبها ذاك كل يوم تقريباً ولا تراه أيضاً! كما أنها من القصص القليلة التي تمنح إشارات تشبه الرتوش للمكان في إريتريا.

ملامح أريتريا

لكن عندما تبدأ ملامح المكان في الظهور وتكشف إريتريا عن ملامحها، وتتكشف بعض ملامح مدينة أسمرا، وتفاصيل الوجوه والملابس، والثقافة المحلية كما في قصة "فادوس" لمحمود عتر، فإن النص نفسه يبقى، مثل أغلب قصص المجموعة، مخلصا للحبكة أو العقدة الملتوية التي تحمل نوعاً من الدهشة، بالإضافة إلى جودة الحبكة وتأكيد الطابع الفردي بمعنى التعبير عن الذات الفردية بعيداً عن البيئة العامة المحيطة.

بالنسبة لقصتي "رسالة من عالم آخر" لوعد نايب، و"أليميك" لمنى زبنهابو فقد اتسمتا بطابع مختلف نسبياً عن أجواء المجموعة، إذ تشتركان في اللعب على موضوع الإلهام، في تناول يبدو كبذرة لمشروع نوفيلا. فالأولى تنبني فكرتها على مشهد تراكم مغلفات رسائل أمام الشقة المقابلة لشقة الراوية، والتي تتناثر وتتكوم بمرور الزمن فتخلق موضوعاً يصنع عالماً وهمياً بين أطراف لا يعرف بعضها بعضاً، تصل بينه الرسائل، بكل ما تثيره اللعبة من تأمل لفكرة الزمن ومعناه، وما تحققه من محاولات الفرد لعب الأدوار نفسها، التي يقوم بها الآخر كمحاولة للتماهي معه،  ثم مفارقات حضور الفرد في مكان ما وغيابه. وهي لعبة تتأسس على رغبة الساردة في البحث عن فكرة للكتابة، حتى لو اضطرت لاستخدام رسائل غامضة المصير، كما لو أن غموض مصير تلك الرسائل التي لا تصل لأصحابها، يمنح الآخر حق فض خصوصيتها وتصبح معه مشاعاً.

 بينما تدور أحداث قصة "أليميك" (وتعني كلمة العناصر باللغة الهنغارية) في أجواء التحريات والتحقيقات الشرطية، في محاولة تتبع القاتل في سلسلة جرائم قتل غامضة، وتنتهي بمفاجأة مثيرة للاهتمام. وسوف يكون للإلهام أيضاً دور مهم في السرد، من خلال شخصية كاتب يرى في الجرائم بشكل عام، مصدراً للإلهام، فيجد نفسه فجأة طرفاً في جرائم لا يعرف عنها شيئاً. كما أن الطول النسبي لهذه القصة يمنحها خصوصية فرضتها طبيعتها وتنوع شخصياتها وأحداثها. ومع ذلك فيحسب للكاتبة منى زبنهابو قدرتها على حبك التفاصيل وتناول أربع جرائم مع غامضة في هذه المساحة المكثفة.

عوالم المهمشين

يمكن القول أن أغلب الفئات التي تعبر عنها قصص الكتاب منتزعة من عوالم المهمشين، الذين يعانون إما من قلة الرزق، أو قلة الثقة في الذات أو الإحساس بنقص الجمال، أو من انعدام الحرية، أو الاغتراب بسبب الحياة على الهامش في بلدان لا ينتمون لها، ولكنهم جميعاً لا يريدون أن يفقدوا إنسانيتهم التي يتشبثون بها. بعض تلك النماذج تبحث عن القوة في شخصيات أخرى، فتتماهى مع تلك الشخصيات، كأنها تحاول أن تستمد وهم القوة أو تستلهمها، كما في قصة "ماريوس أو كيث" لفايزة الجبرتي، بحيث يعيش بطل القصة المدعو ماريوس على حافة تفصل بين حقيقة شخصه من جهة وبين أوهامه عن شخص آخر يسميه كيث، من جهة أخرى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بعض القصص تستدعي الوطن الإريتري من الأماكن التي يعيش أبطال القصص فيها سواء كانت بلاد الهجرة أو المنافي، أو مواقع الإقامة والعيش المستقر، مثل السودان في قصة "مغمضة العينين" لريم تركاي، حيث يتابع القارئ مصير الراوية التي تعيش على هامش الحياة في بلد لا تجد فيه وسيلة للرزق بعد أن يفقد الأب ساقه، فتبدو الحياة أقرب لكابوس، أو ربما أقرب لنوع من الموت الذي يبدو كالحياة. أو قد يستدعي السرد مثلا مدينة "أديس أبابا" كما في قصة "نداء تحت القصف" لياسين إزازا، ولكن بطل القصة لا يرى في أديس أبابا سوى العتمة والجدران الخانقة، لأنه معتقل في سجن عسكري متهماً بالثورة لصالح بلاده.

وفكرة الزنزانة قد ترمز إلى منظومة القمع، كما تحيل في الوقت نفسه إلى أن العيش خارج الوطن قد يغدو شكلاً من أشكال الحياة في زنزانة، وإن لم يكن الأمر يختلف كثيراً عن حالة التعرض للاعتقال في زنازين الوطن كما نرى في قصة "الحرية الكاملة" لريحانة برهان. الأجواء القاتمة نفسها، والمخاوف والرعب، لكن سجين قصة "الحرية الكاملة" يحاول الهرب، ليس فقط من الزنزانة، بل من حياة تشبه في قسوتها الحياة في زنزانة.

في بعض القصص التي سبقت الإشارة إليها، كان موضوع الاغتراب وعلاقته بالبحث عن الهوية والانتماء مشتركاً ومتكرراً. الحنين إلى الوطن الذي يبدو للبعض مجرد فكرة لأنهم لم يسبق لهم زيارته أو يولدوا فيه حتى، أو مختبراً لفكرة أن من يولد ويعيش خارج الوطن قد يغدو بالنسبة لأبناء الوطن غريباً، إذا ما قُدّرت له العودة للوطن للاستقرار أو الزيارة كما في قصة "حبشي" لياسمين أبو بكر. بالتالي فهاجس الرحيل أو الهروب أو الانتقال من الوطن وإليه، يبدو هاجساً في أغلب قصص المجموعة، وبينها "هروب قسري" لزينب موسى المدى.

المزيد من ثقافة